إن الحياة في مضمونها تعكس ازدواجًا بينًا بين التجليات المادية والتجليات الروحية، بين الطبيعة وما ورائها، بين الجسد والروح، العقل والقلب، المصلحة والواجب الأخلاقي، الشهوة الحيوانية والوازع الإنساني، العالم الدنيوي والعالم الأسمى، وفي خضم رحى تلك التناقضات يعاني جميع البشر من الصراعات الداخلية المطردة؛ باحثين عن السبيل الأمثل لتحقيق الاتزان النفسي الذي هو بدوره قادر على تشييع سلام داخلي نسبي.

الصراط المُخلِص:-

 

وبصدد هذا القول يمكن تفسير قول الله – تعالى- في سورة الفاتحة “اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ”؛ حيث إن هذا السبيل الأمثل هو بمثابة دقة متناهية في المفاهيم وأساليب التعامل مع الحياة المزدوجة – بطبيعتها – تجرد الإنسان مما قد يدفعه بثقله من الأفكار إلى السقوط في تلك الدوامات اللانهائية الناجمة عن الصراع الحتمي الأبدي بين قطبي الرحى – خاصة تلك الأفكار اللاعقلانية التي يتبناها الإنسان نتيجة نشوئه في بيئة ما وتتوارثها الأجيال من بعده – وهي في الوقت ذاته قادرة على أن تعمل كركيزة مطلقة مرنة تجاه التغيرات الزمكانية غير قابلة للانهيار؛ فخارج حدود ذلك الصراط قد يندرج الإنسان تحت ظلال أحد القطبين فنجده من ناحية أبيقوريًا ماديًا غارقـًا في ملذاته مقدسًا مصالحه الذاتية التي لا يردعها أي وازع أخلاقي؛ وهو بذلك قد أصابه غضب من الله – عز وجل -، أو نجده من ناحية أخرى راهبًا متصوفـًا متبتلاً منعزلاً عن الحياة البرانية منغمسًا في حياته الجوانية منعدمًا، لا يدلي إلى الوجود من فكره شيئًا، ولا يسعى بأي شكل من الأشكال إلى تغيير وجه العالم إلى ما هو أفضل مما عليه ؛ وهو بذلك قد ضل عن السبيل الذي أراد الله أن يسلك إياه، ولكننا – في الأغلب – نجده يترنح بين المذاهب الفكرية المتناقضة الواقعة على الخط الواصل بينهما، حيث يمكن قياس درجة تناقضها حسب مدى قربها أو بعدها عن ذلك الصراط الفاصل.

الصراط بين الحرب والاستسلام:-

ولعل هذا السبيل المخلص قد فاق من مثاليته حد التعبير عنه تعبيرًا كاملاً؛ فهو بلوغ الخير الذي يغمر القلب حد الذروة مما يدفع بصاحبه إلى الوصول لحقائق مطلقة وربما يجعله محل اصطفاء الله كحال الأنبياء والرسل، ولكن يمكن أيضًا أن يتسنح لذوي الألباب اكتناه آثاره التي يلوح بريقها في أقوال الرسل والأنبياء وأفعالهم؛ لذلك فإنه من الأفضل أن أضرب أحد السنن النبوية كخير مثال على تلك الآثار ألا وهي وصايا النبي محمد في الحرب؛ فمما لا شك فيه أن أغلب الحروب على مر التاريخ قد اتبعت منهجًا عشوائيًا في سلوكها تأتي به على الأخضر واليابس،  وتبيد كل مظاهر الحياة، بل تساوي بين المحاربين والمسالمين وبين الرجال والنساء وبين الشباب والأطفال والشيوخ.

والحروب وليدة  فجر التاريخ نظرًا لسنة الحياة المتمثلة في حتمية وجود النقيضين؛ الخير والشر، فالشر يمتد إلى اللانهائي من الوجود، ولا يمكن حصره في أي زمان أو مكان، وبدونه لم يكن لتعترينا أية شكوك حول حتمية وجود الثواب والعقاب، ولم نكن لنشك لحظة أن هناك إله سيروي تعطشنا القاتل إلى العدالة المطلقة، وأن تلك الحياة الدنيا ما هي إلا اختبار منه لنا.

“فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

تعد الحروب المضادة التي تدفع الاعتداءات العنيفة من أزهى مظاهر مبدأ الوجودية، وما دام أنها نشبت من أجل إعلاء كلمة الحق ونصرة المظلوم والدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان فلا غبار عليها، وهي بالتأكيد خير من إسلام لا مبالي بالاستعمار بحجة نبذ العنف؛ ففي هذه الحالة يكون نبذ العنف فعلاً غير أخلاقي وسلوكـًا غير إنساني؛ فلا يمكن أن يتواجد السلام دون أن تسبقه حرب.

وبناءً على ذلك، كان لابد من وضع أسس لتلك الحروب المضادة؛ لتجنب التناقضات بين الغاية والوسيلة، وهذه الأسس تظهر واضحة في أحاديث النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- ؛ حيث تضمنت منهجًا كاملاً في أخلاقيات الحرب، سأتطرق إلى ذكر أهم الأوامر التي وردت فيها:-

  • عدم قتل الأطفال والصبيان والنساء والشيوخ والرهبان والمرضى.
  • عدم قطع الأشجار والنخيل وهدم الأبنية.
  • عدم قطع الثمار وتخريب العمار.
  • عدم ذبح البعير والبقر إلا لمأكل.

 

جاءت تلك الوصايا داعمة لقول الله – تعالى-  “وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ”

و أخيرًا يمكننا القول إنه في هذا المنهج تلوح لنا آثار ذلك الصراط الذي ينقذ الإنسان من الوقوع ضحية صراع تناقضات الحياة، ويوازن الإنسان بينها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد