حكومات العراق مثالاً

خطر هذا العنوان في ذهني نتيجة لما تعرضنا ونتعرض له باستمرار حتى الوقت الحاضر، كشعب عراقي، من الإهمال المتوالي من الحكومات المتعاقبة من قبل 2003 وبعدها.

إن تبني الديمقراطية بعد عام 2003 يعني أن الشعب هو مصدر السلطة، تشريعية وتنفيذية وقضائية، ولا بُد أن يكون كل ما يصدر منها، السلطة، ليس منسجمًا مع مطالب الشعب فحسب، بل لا بُد أن يكون نابعًا من إرادته وطموحه وتطلعاته.

ومتى ما كانت إنجازات السلطة غير منسجمة ولم تنطلق من إرادة الشعب، سيقتلعها هذا الأخير كونه مصدر السلطة من جانب، وأنها لم تلبِّ طموحه وتطلعاته فضلاً عن ضرورياته من جانب ثانٍ.

إن الديمقراطية لا تعني السماح للشعب بأن يعبر عن رأيه فحسب، بل تعني الإصغاء وتنفيذ مطالبه؛ حتى تكون الحكومة قائمة بواجبها على أتم وجه فعلًا، وإلا ما فائدة تعبير الشعب عن رأيه وعدم استجابة الحكومة؟!

إن الحكومة التي تعمل من اجل الامتثال الحقيقي لتلبية ما يتطلع إليه شعبها هي حكومة تحترم نفسها، وتشيِّد لنفسها صرحًا في ذاكرة الشعب؛ لأن الحكومة التي لا تتطلع لتلبية ما يتطلع إليه الشعب تفقد احترامها أمامه ويسعى للخلاص منها بكل السُبُل.

فعدم امتثال الحكومة لإرادة الشعب والتغاضي عن مطالبه، يعني حفر الحكومة قبرها بيدها؛ إذ إن الشعب يعد نفسه مصدر السلطة، وهو من أعطاها المشروعية في إدارة شؤونه، ولكنه يجد نفسه بمعزل عن اهتماماتها.

بمعنى آخر، إن عدم استجابة الحكومة لمطالب الشعب يعني عدم احترامها له، بل إهانته، على اعتبار أن الشعب هو من أعطاها الإذن في إدارة شؤونه، لكنها تفرعنت عليه وضربت ثقته بها عرض الحائط، وتقوم بالتجاوز عليه حينما يمارس حقه في تصحيح مسارها.

وإن استمرار ممارسة الشعب لحقه في تصحيح مسار الحكومة، من خلال التظاهر والاحتجاج، وعدم استجابة الأخيرة يعني ارتفاع سخط الشعب تجاهها، ويرتفع سقف المطالب تلقائيًّا باستمرار التجاهل، من مطالب خدماتية واقتصادية إلى مطالب سياسية.

إذ يحضِّر الشعب ويعد لإنهاء وجود الحكومة التي لا تمتثل لإرادته، ولم تلبِّ طموحه وتطلعاته، والإنهاء لهكذا حكومات، يكون استحقاقًا طبيعيًّا لكل من يخل بالاتفاق من أبسط الأمور لأعقدها، لكن ما بالك إذا كانت الحكومة لم تُخل بالاتفاق فحسب، بل تشهر السلاح ضد شعبها، وتقمعه بالقنابل الصوتية والمسيلة للدموع؟!

حكومة بهذا النوع من الاستهتار هي حكومة استبدادية لا تستحق البقاء، ولا بُد من إزالتها وإقحامها إلى القضاء لتأخذ جزاءها العادل؛ نتيجة لإخلالها ببنود العقد وإشهار السلاح على شعبها. وهذا ما حصل في أغلب – إن لم نقُل كل – الحكومات المتعاقبة على العراق قبل عام 2003 وبعده.

لم يكُن الشعب العراقي الشعب الوحيد الذي تعرض لهكذا حكومات فاشلة بل أغلب حكومات المنطقة، كونها حكومات لا تُولي للإنسان القيمة العليا في كل سياساتها وقراراتها وقوانينها، ولم تجعله هدف التنمية ووسيلتها، بل جعلته في ذيل اهتماماتها، وهذا ما دفع أغلب شعوب المنطقة لرفض حكامها بالاحتجاجات المستمرة.

إن الحكومة التي لم تجعل الإنسان هدف التنمية ووسيلتها، ولا تمتثل لإرادة شعبها في تحقيق ما يتطلع ويطمح إليه، لا تُخلد نفسها باللون الأسود في ذاكرة الشعب، بل هي حكومة لا تستحق البقاء وستلقى حتفها اليوم أو غدًا، والتاريخ حافل بالتجارب.

خلاصة القول، إن الحكومة تستطيع أن تجعل تاريخها ناصع البياض من خلال تلبية ما يتطلع إليه الشعب، وتستطيع أيضًا، أن تجعل تاريخها قاتم السواد من خلال التغاضي وعدم الاهتمام بما يتطلع إليه الشعب، فيكون بقاؤها مقرونًا بمدى احترامها للشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد