دليل بناء التحالفات السياسية والعسكرية في اليمن.‎

يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته الشهيرة «عابرون في كلام عابر»: أيها المارون في الكلمات العابرة كالغبار المر، مروا أينما شئتم، ولكن لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة، فلنا في أرضنا ما نعمل، ولنا قمح نربيه، ونسقيه ندى أجسادنا، ولنا ما ليس يرضيكم، هنا حجر. فخدوا الماضي، إذا شئتم إلى سوق التحف، وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد إن شئتم على صحن خزف، لنا ما ليس يرضيكم، لنا المستقبل ولنا في أرضنا ما نعمل.

رغم استمرار الصراع على أرض الواقع في اليمن، ففرصة استعادة الدولة قد تكون الأخيرة للبلد، ومعها يتطلب العودة خطوة إلى الخلف، وفيها يجري ترتيب البيت اليمني، والتخلص من الشوائب، لكن يجب النظر إلى كون الشراكة مع التحالف العربي لدعم الشرعية تدار من رؤية نموذج بلد مستقر يجري الوصول فيه إلى توافق في ترتيب الأولويات والإطار الزمني لتنفيذها.

كيف نصنع يمنًا مستقرًّا في محيط إقليمي مضطرب؟

سياسة جذب الاستثمارات الأجنبية تعد حلًّا ناجعًا، كونها تتزامن مع سياسة حماية الاستثمارات، وضرورة التزامها بفرض بيئة استقرار موجهة بحصافة ضد الحوثيين.
بالفعل، عانى أبناء اليمن من الاستبداد المركزي والإهمال الطرفي الساحلي، والتهميش التنموي عهودًا طويلة، في حين يقودونا الحوثيون إلى تلكم العهود بوتيرة عالية جدًّا، فنحن في مرحلة الغموض والشكوك إذا لم يكن الحل في استعادة النظام السابق في اليمن بسبب غياب الثقة، فما الحل؟ يبدو أن الكتل السياسية فقدت الأجواء التي تعينها على القيام بدور ريادي بما في ذلك الفعل الثوري بشقيه المعارض أو الحزبي، فالساسة لم يثبتوا جديتهم في استعادة ثقة الشعب. بالمجمل نحتاج إلى تهدئة الأوضاع واستعادة هيبة الدولة، وكلها لا تحدث إلا من بوابة استعادة ثقة الشعب، وباختصار شديد، فإن المعارضة للحلفاء والشركاء في زمن الحرب تعد خيانة للوطن.
السلوك المذهبي والمناطقي للحوثيين لا تكمن خطورته في أنه انطلق من بيئة قبلية جاهلة تدمن القات والثأر، بل أم الكوارث أن تمدد الحوثيين إلى مناطق لم تخضع لهم من قبل سيحولونها بفعل قبضتهم الأمنية، وسياسة الإفقار والتجويع إلى بيئة أفكار طائفية سلالية جديدة، تجري فيها إعادة تدوير للطائفية الميليشاوية في مجتمع قبلي كاد أن يتحول إلى مدني.

كيف نستعيد الإيمان بالدولة الوطنية؟

احترام المصالح الأساسية لليمنيين في يمن مستقر للجميع بنظرة ديمومة راسخة، وهذا يتطلب إصلاح ما خربته الحرب في اليمن، وبالتأكيد يتوجب عدم تشكيل مجلس أمن وطني من لون واحد، بل يجب فيه تنحية الكتل السياسية جانبًا، والتفاهم معها على أن تثبط نشاطها مؤقتًا حتى تستعاد الدولة في مقابل غربلة الكيانات المسلحة، وتصويب العقيدة والولاء العسكري.

كيف نصنع بلدًا مستقرًّا بأوراق الفيدرالية؟

بصناعة مواقف وطنية وليست حزبية، بقيادات ديناميكية وتخطيط براغماتي مناسب، والابتعاد عن الاغتراب والاستلاب، وفيها يصنع القرار السيادي والإعلامي داخل المختبر الوطني، ونستفيد من أن الحوثيين يعانون من العزلة لكونهم إرهابًا فكريًّا وماديًّا ضد اليمنيين، لكنها مرهونة بمدى نجاحنا في تشكيل جماعة مصلحة استعادة الدولة، ووضع الخطط الحربية الصحيحة لاجتثاث الإرهاب الحوثي.

لكل زمان استحقاقاته، وله أفكاره وأساليبه، ويجب تقديم التهديد الداخلي الحوثي والعمالة لدولة أجنبية اسمها «إيران» فوق كل الاعتبارات، والسعي لحفظ النطام العام، واستقرار النطام الداخلي بحيث يجب الابتعاد عن الظواهر التي لا تمثل الاستقرار، وعلى رأسها القدح بحق التحالف العربي لدعم الشرعية، وتخوين بعضنا بعضًا، بل نحاول أن نصنع عملية استقرار معينة بأي قدر من الدقة، وعدمية الاستقرار وكارثية الحرب التي ذقناها في غياب الاستقرار الداخلي الطبيعي هي دليلنا الاستراتيجي الوطني.

يجب أن نستعيد القيادة العسكرية وزمام المبادرة في استعادة الدولة، نطرًا إلى أن عامل زعزعة الاستقرار في اليمن مبتدؤه ومنتهاه هي الحركة الحوثية وكيل إيران في اليمن، ومعركة استعادة الدولة لا بد توجه صوب الثقل الحوثي ومركز التحكم والسيطرة في صنعاء والحديدة.

قد تكون الأخيرة لبلد مستقر، تجمع استعادة الدولة في اليمن.

نجحت الدولة في اليمن في أن تختار حلفاءها في اليمن ، لكنها فشلت في التفاوض على شروط التحالف. القاعدة الاستراتيجية في تأصيل وضوابط التحالفات، من هم أصدقاؤنا؟ من هم أعداؤنا؟ وكيف نزيد الدعم والموارد لصالح أهداف الدولة وليس العكس.

نحن نحتاج إلى حليف استراتيجي ليس هدفه تأمين حدوده، بقدر ما يقف معنا بهدف استراتيجي لنحرر العاصمة صنعاء، فالوصول لصنعاء سيعني اجتثات مشكلة الحوثيين من الجذور، وفي المقابل فكذلك نحن نحتاج إلى حليف ينجح في تحرير مدن وموانئ الحديدة.

– حول مسألة التحالفات في اليمن: بأي مضمون وفق أي شروط:-

الشرط الأول: المصلحة المشتركة في الخلاص من الحوثيين، وبالتالي فالأتراك والقطريون ليس لهم مصلحة في القضاء على الحوثيين، وليس لنا مصلحة في وجودهم، فتركيا بلد ديكتاتوري ثلث الشعب في السجون، وتتاجر بمعاناة السوريين، وتقاتل من أجل مصالحها في سوريا، وليس من أجل مصالح الشعب السوري، بينما قطر دولة ذات رقم صفر، لكنها تمتلك المال وتدثر ببروباغاندا الدور الإقليمي والإعلام، لكنها باتت مجمعًا وقواعد عسكرية للأتراك، والإيرانيين، والأمريكان.

الشرط الثاني: ليس من مصلحتنا محاربة الجماعات الدينية الأخرى في هذا التوقيت بالذات، أي توقيت استعادة الدولة؛ فالسياسة تلزمك محاربة كل جماعة دينية على حدة، ومن يمارس دورًا يخالف هذا الشرط فهو حليف غير جيد في توقيت استعادة الدولة.

الشرط الثالث: ليس من مضمون التحالف أن تتوسع المعارك نحو المنافذ البحرية والبرية ومنابع النفط، إلا في حدود حمايتها وتسخيرها لصالح زيادة دعم وموارد الدولة لصالح حرب استعادة الدولة.

الشرط الرابع: ترجمة الاعتماد على الذات بالاستفادة من التحالفات، وليس ترجمة التحالفات إلى فقدان القدرة على الدفاع عن الذات والفكرة التي طلبنا فيها تدخل الأشقاء لمساعدتنا.

بالرجوع لتكلفة التحرير، فهي فاتورة مستحقة الدفع ستضمها اتفاقيات الشراكة والتوأمة الاستراتيجية، في المكامن النفطية المشتركة، والاقتصاد الأزرق.

أي إن النموذج الاستراتيجي للتحالفات في اليمن يتطلب عودة جميع القيادة العسكرية والأمنية، والسياسية، والإعلامية إلى داخل اليمن، كون الوقت الذي تقضيه خارج اليمن هو السبب في جعل التحالفات فاقدة لأي مضمون وطني، وتندرج ضمن أعمال الارتزاق، وفي الوقت عينه هناك قاعدة استراتيجية تقول: لا يمكنك التفاوض والتحالف من أجل وطن وأنت في الأساس لم تعد موجودًا فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اليمن
عرض التعليقات
تحميل المزيد