عندما يبتعد الأمر عنك يصبح إلقاء المزحة والسخرية من أحد الحاضرين أمرًا ترفيهيًا لا أكثر.

بطريقة ما تهرب أنت بنقطة ضعفك وترتمي بين أحضان الآخرين لتصبح واحدًا منهم، إما مستمعًا ضاحكًا على هذا الشخص الذي نسميه (طلع على المسرح) أو مشاركًا في إلقاء النكات التي ربما لا تمت للفكاهة بصِلَة لكنك فقط تريد أن تهرب.

مسميات مختلفة

يعتقد الكثيرون أن العديد من الأفعال أو الصفات تُولَد في عصرهم فقط، لكن هذا خطأ والصواب هو أن الإنسان يغير مسمى الأشياء من آن إلى الآخر، فأحيانا نسمي السخرية ضحكا وفكاهة وأحيانا نسميها عنصرية وأحيانا تنمرا، والغريب أن عند إطلاق المسمى لأول مرة تجده وقد شاع استخدامه بين الجميع وربما يطلقه البعض دون علم بمعناه الدقيق.

أتَعَجّب من الأمر الذي يجعل الإنسان ينفجر ضاحكا إثر مزحة ألقاها ممثل ما على ممثل آخر في سياق عمل (كوميدي) ويستنكر هو نفسه سخرية أحد الأشخاص من آخر في سياق كوميدي أيضًا لكنه ليس بعمل فني، وأعود لنفسي متسائلًا هل يختلف الأمران؟

يقف الممثل فلان على المسرح وأمامه ممثل آخر أو بالأحرى (كومبارس) ويبدأ البطل بإلقاء السخرية تباعًا على هيئة ما نسميه نحن (إفيه) ويهتز المسرح من أصوات ضحك الحاضرين وتتعالى الأصوات بالضحك أمام شاشات التلفاز، فأحيانا يتناول البطل حجم الكومبارس كأداة للضحك سواء كان هذا الكومبارس سمينا أو نحيفا أو قصيرا أو ربما يسخر من بشرته، وربما يجعل البطل من نفسه أداة للسخرية والضحك، والغريب أن الجميع أو غالبية المشاهدين يضحكون وتمر كل هذه السخرية ببساطة دون أن تدخل تحت أي مسمى آخر.

في الأوقات والظروف الطبيعية الهادئة يمر كل شيء بهدوء، لكن ما أن تتبدل الظروف حتى تتغير نبرة المشاهد بل الإعلام بل الدول بل الأديان، كل شيء يتغير، تتحول الضحكات إلى لعنات وتتحول المسميات، فهذا الذي كان يسخر وكنا نسمي سخريته فكاهة أصبح الآن متنمرا أو ربما عنصريا أو طائفيا أو أي تهمة أخرى قد يستحقها وقد لا يستحقها، الأمر ذاته ينطبق على الأشخاص العاديين في المجتمعات المختلفة، في المدارس، في الشوارع وعلى المقاهي قد يقبل البعض سخريتك ويقابلها بالضحك وقد تجد نفسك متنمرا أو عنصريا أو محرضا على الدولة!

وجهان مختلفان

السخرية أمر يحمل وجهين وجه حسن يكسر من حدة الأمور ويُسقِط ألوهية البعض من البشر ويخلق مناخا من الديمقراطية والفكاهة ويجعل الأمور أبسط مما قد تبدو عليها من قبل، فمثلا أن يتناول أحد مقدمي البرامج التلفزيونية أحداث الأسبوع في دولة عسكرية منتقدا ساخرا من بعض الوزراء والمسئولين ورجال الدين والشرطة وربما ينال الرئيس شيئا من السخرية فهذا أمر صحي جيد لكننا لا نقبل ذلك بالطبع، أو أن يمتلك صاحب مشكلة ما معنوية أو مادية القدرة على السخرية من حاله أو يتبادل السخرية هو وأصدقاؤه بصدر رحب فهذا أيضا أمر صحي يقلل من حدة المشكلة، حتى تلك الصفحات العديدة على مواقع التواصل التي تسمى (ساركازم) فكثيرا ما يكون محتواها جيدًا ويكسر من حدة الأشياء ومن ملل الأيام ويدعو للضحك.

ووجه سيئ كأن يصل البعض بسخريته إلى التعنت والملاحقة لشخص ما يعاني من مشكلة ما أو حتى لو أنه لا يعاني شيئا لكن هذا الساخر (المتنمر) يراه مدعاة للضحك والسخرية، فهذا بالطبع أمر غير مقبول فمعايرة البعض بلون البشرة والتعدي عليه أحيانا أمر دنيء، نعت البعض بأنهم (فلاحين) لا يفقهون شيئا أمر دنيء، اتهامك المستمر للمرأة بأنها غير جيدة لقيادة السيارات أمر ممل وسخيف، رغبتك الدائمة في التقليل من الأشخاص وإظهار نفسك وكأنك رجل كامل أمر خاطئ.

إن كنت قد سمحت لنفسك بالسخرية من الآخرين، فلا بد أن تقبل السخرية لأنك تحمل الكثير من العيوب حتى وإن لم ترها.

الشخصيات العامة

إذا كنت ممثلا أو لاعبا أو رجل دين أو إعلاميا أو سياسيا فهذا يعني أنك شخص مشهور ولامع له حلفاء ومعارضون، ربما لم تكن تعي حجم ذلك الأمر وتأثيره عليك قبل الشهرة التي كنت تسعى لها وربما لو علمت ذلك لتنازلت عن حلمك وربما لم تكن تسعى لشهرة، لكنك فقط كنت صغيرا مغرما بكرة القدم أو الفن أو الدين أو السياسة ودفعتك الظروف للوقوف أمام العدسات التي تلاحقك أينما حطت قدماك.

لكن إن كنت لا تعلم أو كنت تعلم فهذا لن يغير من الواقع شيئا، والواقع هو أنك تحصل على العديد من النعم نظير شهرتك وتبدو مغرما وسعيدا بهتافات المناصرين وبتهليل الكثيرين لك والانحياز لرأيك والاستماتة في الدفاع عنه بل عنك وعن كل شيء يخصك فأنت تبدو إلاها أو نبيا في أعين الأنصار الذين ربما قد ينقلبوا يوما ما ضدك، ولكن ما دامت الأمور تسير في صفك فأنت لا تذكر شيئا عن الشهرة سوى النعم وحب الناس وجلب المال، أما وإن انعكس الأمر وأصبحت مثلا لاعبا غير جيد في بعض الأحيان وهاجمتك الجماهير وانهالت عليك بالسخرية، فأنت هنا المظلوم الذي يعاني من التنمر والسخرية، فتلعن الشهرة وتلعن البشر وتلعن مواقع التواصل التي هي نفسها كانت قبل ذلك مصدر إعجابك وفخرك.

الجمهور عادة ما يكون مبالغا في إعلاء قيمة الأشخاص أو التقليل منهم، ويصبغ البعض منهم بصفات لا تمت لهم بصلة فمثلا ما دخل أن تكون لاعبا فذا بأن يتبعك الجمهور في آرائك الطبية، وما دخل أن تكون سياسيا ناجحا في أن يتبع البعض ذوقك الفني، وما دخل أن تكون رجل دين في أن يتبع الناس نظامك الغذائي، اللاعب ليس قديسا والممثل ليس قدوة ورجل الدين لا يزيد عن كونه فقيها في الدين ليس نبيا أو إلاها، رجل السياسة مهما بلغ فهو إنسان لا يخلو من الأخطاء ولا بد من انتقاده مهما بلغ منصبه، الإعلامي لا يقول كلاما منزلا من السماء فما الذنب من السخرية من أخباره.

تصحيح

لكن فقط لا بد أن يعلم الجمهور أن الشخصيات العامة بشر لهم طاقة، وأن سخريتك وانتقادك لا بد وأن تكون في موضعها الصحيح، فرجل الدين تعارضه في رأيه الديني لا أكثر والفنان تعارضه وتسخر من فنه لا أي شيء آخر، واللاعب تسخر من انعدام مهاراته ولا تنال من شكله أو من أصله، لا داعي من الانسياق خلف الساخرين والانغماس في السخرية والتفنن في مهاجمة الأشخاص وسبهم وجعلهم مصدرًا للضحك والتنمر.

فقط عليك أن تجعل من السخرية أمرًا صحيًّا تقَوِّم به نفسك والآخرين، وتشير إلى الأشياء المقصودة دون اللجوء للتقليل من شأن الإنسان من هيئته أو أصله أو جنسه أو دينه، وأن تضع نفسك محل الآخرين دائمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد