اتسمت علاقة اليمن بالدولة العثمانية بالمد والجزر بين التبعية التامة في لحظات زمنية معينة وبين الحكم الذاتي، سببت هذه التذبذبات العديد من الأحداث السياسية والعسكرية التي اهتم بها المؤرخون المعاصرون لتلك الأحداث أو المعاصرون لنا[1]، ليأتي كتاب موقف المؤرخين اليمنيين المعاصرين للحكم العثماني الأول بين مؤيد ومخالف للدكتور أحمد المصري وهي رسالة ماجستير غير منشورة في 292 صفحة، والتي تركز على الجانب الفكري لتلك الفترة الممتدة من عام 1538م إلى 1635م وقد جعلها في قسمين: حيث احتوى القسم الأول على أربعة فصول والقسم الثاني على دراسة وتحقيق لمخطوطة بلوغ المرام في تاريخ دولة مولانا بهرام للمؤرخ اليمني المطيب الزبيدي[2].

وسوف نتناول في قراءتنا لهذا الكتاب الإجابة عن سؤال كيف أرخ الدكتور أحمد المصري لهذه الفترة التاريخية؟ والتي اختص منها الجانب الفكري من خلال الكتابة التاريخية، كما سينبثق منها سؤال لماذا كتب عن هذا الفترة؟ وما أهمية المصادر التي تناولها؟ وذلك بقراءة عامة للكتاب والإجابة عن هذه التساؤلات.

أولًا: منهجية المؤرخ وإشكالية الكتاب

لقد استخدم المصري المنهج التحليلي القائم على تفكيك المعلومات وتحليلها، ومن ثم إعادة تركيبها للوصول إلى النتائج المرجوة، وقد استطاع رغم صعوبة مهمة التأريخ الفكري وخاصة بأن أغلب المصادر ما زالت مخطوطات[3] إلا إنه استطاع استنطاقها واستخلاص أبرز النقاط التي حاول فيها الإجابة عن الإشكالية التي وضعها وهي الدور الذي لعبه المؤرخون في الصراع الدائر بين العثمانيين والأئمة الزيود من الجانب الفكري.

ثانيًا: التأريخ لهذه الفترة

تعتبر فترة الحكم العثماني الأول لليمن 1538-1635م من الفترات التاريخية التي عُنيت بدراسة الباحثين لكن التركيز الأعم كان على الجانب السياسي والعسكري أما جانب الفكري فقلما طرق هذا الباب وخصوصًا الصراع الفكري بين الأئمة الزيود والعثمانيين ودور المؤرخين في ذلك، لذا كانت الحاجة للمؤلف في الكتابة عن هذه الفترة هو التأريخ الفكري لها ودوره في إذكاء الصراع، ونرى بأنه قد وفق إلى حد بعيد في اختيار الموضوع كونه إضافة للمكتبة العربية واليمنية.

ثالثًا: قراءة عامة في فصول الكتاب

يبدأ الكاتب أحمد المصري الفصل الأول عن القوى السياسية في اليمن وموقفها من الزحف العثماني، حيث يعتبر الفصل الأول توطئة تاريخية أو مدخلا تاريخيا لمعرفة الأوضاع العامة في منطقة البحر الأحمر في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، من تأثير اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وما تبعها من غزوات برتغالية للسواحل اليمنية ثم حملات للدولة المملوكية وصولاً إلى التدخل العثماني لصد البرتغالي، كما وضح الوضع الداخلي لليمن، وبين القوى المسيطرة على الحكم، والتي أبدت مساعدتها في البداية للتواجد العثماني باعتباره حليفًا إسلاميًّا، ثم تغيير الوضع بعد التوسع العثماني في العمق اليمني ونشوب صراع بين العثمانيين والأئمة الزيود، وقد استطاع الكاتب تتبع الخطابات السياسية التي كان لها أُثر في الكتابات التاريخية كما سنلاحظ ذلك لاحقًا.

أما في الفصل الثاني الذي جعله تحت عنوان: المؤرخون وحركة التأليف التاريخي تطرق إلى الدور الذي لعبه المؤرخون خلال تلك المرحلة كما أنه وضح أن غزارة الإنتاج التاريخي ارتبط بقوة الدولة المسيطرة، ففي الوقت الذي كان الحكم العثماني يمر بمرحلة القوة والسيطرة شهدت غزارة في تأليف المصنفات التاريخية المؤيدة لهم، بينما كانت القوى الزيدية تمر بحالة ضعف انعكس ذلك على الكتابات التاريخية باستثناء قلة من المؤرخين منهم الحسن الزريقي مؤلف سيرة الإمام شرف الدين[4]، كما بين المصري بأن علم التاريخ من العلوم المرتبطة بالسياسة والدين، لذلك حملت الكتابات التاريخية التبعية الأيدولوجية لما أسماهم مؤرخي السلطة (الدولة العثمانية) ومؤرخي المعارضة (القوى الزيدية)، وقد وضع المؤلف نماذج من مؤرخي السلطة والمعارضة عارضًا أبرز المصنفات مع ذكر السلبيات والإيجابيات التي حوتها.

ثم انتقل إلى الفصل الثالث والذي عنونه بتوظيف الدين في خدمة الأغراض السياسية من واقع كتابات المؤرخين، حيث تناول القواعد الفقهية التي انطلق منها طرفان مسلمان، حيث حاول كل طرف إثبات شرعيته في الحكم عبرها، وتوظيف نصوص القرآن والحديث من قبل الأئمة الزيود لقتال العثمانيين كما قام مؤرخو السلطة بالمثل في توظيف النصوص في شرعية الدولة العثمانية.

أما في الفصل الرابع والأخير والمعنون بتوظيف الكرامات والشعر في خدمة السياسة من واقع كتابات المؤرخين فقد تناول في هذا الفصل الوسائل التي وجهت للعامة وهي المبالغات في كتابات المؤرخين عن الكرامات والبركات التي اختص بها الحاكم، كما تطرق الى توظيف الشعر والشعراء باعتبارها وسيلة إعلامية ذات صدى وتأثير وبرزت في كتابات المؤرخين، وفي القسم الأخير من الكتاب قام بدراسة وتحقيق لمخطوطة بلوغ المرام للمؤرخ اليمني المطيب الزبيدي وهي إحدى المصادر التي اعتمد عليها في كتابه.

رابعًا: طريقة التأريخ

لقد استعان الكاتب بمصنفات المؤرخين اليمنيين الذين عاصروا تلك الفترة بل وشاركوا في أحداثها وكتبوا ذلك في مصنفاتهم التي تعتبر مصادر للأحداث السياسية والعسكرية وبينت خطاباتهم السياسية والوسائل التي اعتمدوا عليها، حيث كان انتماء المؤرخين واضحًا لكل طرف، مما سهل المهمة على المؤلف في اختيار عينات منهم مثل الفتوحات المرادية في الجهات اليمانية للمؤرخ عبدالله بن داعر وكذلك اللآلئ المضيئة للمؤرخ أحمد الشرفي[5]، حيث حاول أن يستخرج منها أبرز الطرق والأفكار التي أيد بها كل مؤرخ للطرف الذي ينتمي إليه.

لقد قدم هذا الكتاب صورة جلية للتأثير الذي يلعبه المؤرخ وعلم التاريخ الصراعات سواءً الفكرية والسياسية ولكن نرى بأن المؤلف لم يقدم لنا مؤرخًا معاصرًا لتلك المرحلة ومحايدًا لا ينتمي لأي طرف، فهل يؤكد فرضية بعدم وجود مؤرخ محايد لأحداث عاصرها، أم أن تركيزه على طرفي الصراع والهدف الرئيسي للكتابة هو ما فرض عليه ذلك الأمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد