إن آهات الشعب المصري التي تملأ أرجاء السماء، وصرخات المظلومين التي قضت مضاجع الأحرار، وما فعله السفاح بالوطن الجريح، من التفريط في أمنه المائي والاستراتيجي، وثروته الشبابية، لينادي بالثائرين رفقاء الميدان ورافعو لواء الحرية منذ يناير (كانون الثاني) 2011 حتى الآن، أن هلموا؛ فلقد تهيأت السماء والأرض لقدومكم من جديد مبشرين بالعيش والحرية والكرامة الاجتماعية.

إن انتصار الظلم في معركة العدالة، وسيادة الاستبداد في معركة الحرية، ليس نهاية المطاف، وإنما هي طبيعة العلاقة الأبدية بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، ولكن الشرط الوحيد لانتصار الحق هو الإيمان الثابت بصلاحية مبادئ ثورتنا لإصلاح المجتمع ونهضة الوطن، والتاريخ خير شاهد على انتصار الثورة الفرنسية بعد الانتكاسة الأولى بـ10 سنوات، وكذلك انتصار دعاة المساواة في أمريكا بعد صراع طويل لتزول التفرقة العنصرية إلى الأبد.

إن الثورة تموت يوم تموت في نفوس أصحابها، وتحيا يوم تكون مبادئها حية في نفوس أصحابها. ولقد رأيت عددًا ممن أعرفهم كانوا إلى جواري في ميدان التحرير أصابهم بعض اليأس، وآثروا السلامة، وهالني التفريط في مبادئ ثورتنا لمجرد أنهم أصابهم بلاء النظام أو أذية المجتمع، وما درى هؤلاء أنه لكل نهضة قاطرة يسير خلفها الجميع، ويكتسب الناس منها الثقة في انتصار الحق الذي يحملون، وهذه القاطرة هم المجموعة الثائرة التي تظل على مبادئها حتى تنتصر أو تموت، ولا حل لديها وقد ارتضت أن تقدم الوطن على الأموال والأنفس والثمرات. ومصر تستحق أن نعطيها روحنا طوعًا فداء لحريتها ورفعة لكرامتها.

إنني على يقين أن مبادئ الميدان التي جمعت كافة أطياف الشعب، مسلمين ومسيحيين، إسلاميين وليبراليين، رجالًا ونساءً، وهلم جرا، هي وحدها الكفيلة بجمع شمل هذا الشعب وإعادة هذا البلد إلى مثلث التأثير من جديد، وبدون هذه المبادئ سيظل الوطن كما أراده السفاح منقسمًا وممزقًا.

إننا حققنا كثيرًا من أهداف ثورتنا، وهي الحرية، وقد مارسناها إلى حد انتقاد رئيس الجمهورية المنتخب، والنوم بعدها بأمان، والكرامة وهي معرفتنا بأن أصواتنا الحرة في الانتخابات هي الكفيلة باختيار ممثل عن الشعب نرضاه مدافعًا عن قضايانا، ووصلت هذه الأهداف ذروتها يوم كان اختيار الرئيس يمضي وفقًا لإرادتنا، ثم مرت مبادئ يناير باختبار دقيق، لندرك من كان الثائر حقًّا ومن كان يبحث عن مصالحه، وما زال الاختبار ساريًا، وما زالت مركب الوطن تغرق من جديد في أزمات المياه والحقوق والحريات والخيانة، ببيع الوطن وتضييع العرض دونما مسحة من وطنية، ولا حل لذلك سوى أن تعود ثورة يناير لتتصدر المشهد من جديد معلنة أن الوطن أغلى من كل شيء وأن كل ما صدر خلال هذه الفترة البئيسة تحت حكم السفاح يعد لاغيًّا، وأن تراب الوطن أغلى علينا من أرواحنا وأهلينا، وأن المقابل الوحيد لنقص حصتنا من مياه النيل هو دمنا ولا شيء آخر.

إن هذا الوطن العظيم بتاريخه وحضارته وشعبه الكريم يفرض علينا كثائرين أن نحمل لواء الحق والعدالة والحرية، أن تسمو نفوسنا فوق أحقاد الانتقام، وأن نتسامى فوق مشاعر الانقسام، وأن نقدم الوطن ومصالحه العليا على ذواتنا ومصالحنا الخاصة، وقد رأيت بعض الثائرين يودون أن لو انتصرت الثورة من جديد؛ لينتقموا من ظالميهم، وهو حقهم، وهو ما أحسب أنه أكثر ما يهدد ثورة يناير الرائعة، ويؤذي الوطن، ويؤخر انتصار مبادئ ثورتنا.

إننا ننتصر بأخلاقنا نحن، لا بأخلاق الطغاة والمستبدين، وبالصورة المشرقة لوطننا الحر التي نقدمها للناس كي يدعموا نضالنا من أجل الحرية، نعم يوم تسمو أرواحنا إلى مستوى سعة الوطن لكافة الأطياف من مختلف التوجهات، ويوم يكون الهدف الأسمى لنا هو حرية هذا البلد وكرامته، حينها فحسب ستهتز أركان الوطن بحناجر هذا الشعب، كما اهتزت من قبل، معلنة صفحة جديدة من صفحات التاريخ، ومؤذنة بعودة الأحرار ومعها عودة الوطن من جديد.

واعلموا أن اليأس خيانة لأرواح من سبقونا، وأيضًا تضييع لحقوق الذين يدفعون ثمن الحرية سنوات يقضونها في سجون السفاحين سارقو الوطن ومستبدوه، ولقد علمتنا التجارب أنه لن تضيع ثورة يحيا ويموت لأجلها حاملو لوائها، وإن خفت حينًا، ستنتصر وإن طال المدى.

سأحمل روحي على راحتي … وأمضي بها في مهاوي الردى

فإما حياة تسر الصديق … وإما ممات يغيظ العدا

ويا مصر اشهدي أننا نعشق ترابك ونحملك في صدورنا عشقًا يخالط اللحم والضلوع، ونحيا وأنت في أنفاسنا تعطينها عبق الحياة وعطر الحرية وسنظل يا مصر على العهد ننافح وندافع عن حريتك مؤمنين بنصرنا ثابتين لا نحني رؤوسنا لظالم أبدًا.

ففي حبك يا بلادي كل شيء يهون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد