أنا أفضل أن يتخيل قارئ كتابي الشخصيات كما يحلو له، أن يرسم ملامحها كما يريد، أما عندما يشاهد الرواية على الشاشة فإن الشخصيات ستصبح ذات أشكال محددة هي أشكال الممثلين، وهي ليست تلك الشخصيات التي ستخيلها أثناء القراءة – جابرييل جارسيا ماركيز.

ما سأكتبه هنا ليس نقدًا موضوعيًا، ولا وجهة نظر ممكن أن تقيم حولها تقييم لرواية، أنا سأكتب عن مشاعري المتعلقة بتلك الرواية بشدة التي لم أقرأها مرة أو اثنتين، وكل مرة أقرأها أرى فيها ما لم أره أو ألحظه من قبل، ليس الغرض هنا تقييم عمل أدبي، أو عرض لأحداث أو أي شيء، أنا سأتكلم بعشوائية عن الرواية وتكوينها وإسقاطاتها علي الواقع الذي عاشه الرفيق ماركيز، تلك الرواية لم تكتب عبثًا إطلاقًا ولم تكن فراغ كاتب، لقد استطاعت تلك الرواية أن تتخذ مكانًا تاريخيًا لها في عالم الأدب والفن وستظل كذلك أبد الآبدين.

هي رواية عن كل شيء، هي رواية عن الحياة، ورواية عن القيم المعنوية كالحب والأمل والصبر والقوة واليأس.
والأهم أنها معبقة برائحة الموت الواعظ، الموت، الذي لاحقني في كل يوم قرأت جزءًا كنت أفقد ثلاثة أشخاص من الرواية، كأنه فخ وضعه جابرييل أن الموت سيلاحقك دومًا، عليك أن لا تنساه، تبدأ الرواية بالموت وتنتهي بالموت، تبدأ الرواية وقد رسم جارسيا خط كل شخصية وما ستؤول إليه نهايته أمام فصيلة الإعدام أو القتل أو طلقة بالرأس، لكل شخص طريقة سيموت بها ستجعلها محفورة بذاكرتك، وقد تأثر أيضًا جابرييل جارسيا كثيرًا بالقصص الدينية في بناء شخصياته، فقد رأينا ذلك واضحًا في رفع ريميديوس الجميلة إلي السماء مثل المسيح، وتلك القصة التي رسمتها فرناندا حول مجيء أوريليانو علي طريقة النبي موسى وجدوه في سلة في البحر، والحوارات الدينية التي تملأ الرواية على لسان أورسولا والدور الواضح لرجال الدين في تلك الرواية.

لقد كان جارسيا متأثرًا كثيرًا بالدين وما يضفيه من روحانية علي روايته لذلك أقام روايته علي عديد من القواعد الدينية التي تحرم كثيرًا من الأمور مثل الزنا وما يجلبه من عار وخزي، وما لاقاه الزنا في النهاية من ريح عاصفة أخذت بجذور البيت الذي ظل ينهار ويغرق في الخطيئة.. كما أن ماكوندو قد أوضح جارسيا من قبل أنها تمثل في نظره أمريكا اللاتينية، ولكنها أوحت لي أنا بقصة الخلق فقد أنزلنا جابرييل ماركيز روايته في زمن مجهول وأرض غابرة، كأنه يذكرنا بمبدأ حياتنا حينما نزل آدم وحواء في زمان وأرض مجهولين لنا حتى الآن، مطاردان والخطيئة تلاحقهما، نزلت أورسولا وخوسيه أركاديو بوينديا أرض ماكوندو ليبدأ حياة جديد وهم أيضًا مطاردان بخطيئة القتل، ليسرد لنا قصة أسرة، فقرية، فشعب، فدولة، فحرب، فتدهور، لنتنهي مع فرد واحد آخر في النهاية، وهي الدورة الطبيعية للحياة من البناء إلى الثبوت إلى القوة، ثم التخلخل، فالضعف فالانهيار.

كل تلك الأمور كانت تدور في إطار سحري أو ما يسمى بالواقعية السحرية، أحداث منطقية تتخللها أشياء أبعد ما تكون عن التصديق وأنت تشعر أنه لا غرابة فيما يحدث ويجري، ولكن هل توقفت الرواية عند هذا الحد؟ الإجابة لا، كانت الرواية مسرحًا كبيرًا لعرض الأفكار التي يتبناها ماركيز وليعيد كتابة صفحات تم تمزيقها من كتاب التاريخ الكولومبي.

كثير من القراء وأنا علي رأسهم في قراءتي الأولى لتلك الرواية، تعجب كثيرًا لحادثة شركة الموز، وماذا أراد منها جابرييل وما فائدة أن الجميع ينكرونها ولا أحد رآها أو عاشها سوى خوسيه أركاديو الثاني، الحقيقة أن واقعة شركة الموز كانت قد حدثت في الواقع لعمال في كولومبيا في السنة التي لحقت ميلاد ماركيز 1928 وكانت الشركة ملكًا للأمريكان وهي في الرواية ملك لصاحبها الأمريكي أيضًا، وقد حاولت الحكومة إنكار تلك الواقعة كثيرًا، ولم يُذكر عنها شيئًا في كتب التاريخ في كولومبيا حتي إن الناس ذهبوا بالفعل لإنكارها فيما بعد وهو ما تمثل في الرواية في تلك الجملة الحوارية البسيطة: تطلعت إليه المرأة بنظرة مشفقة وقالت: لم يسقط هنا أي موتى منذ زمن عمك الكولونيل.

وأراد جابرييل إظهار التكتم علي تلك الحادثة في موضع آخر من روايته: وكانت حالات ضعف الذاكرة تلك تصبح أشد حرجًا عند الحديث عن مجزرة العمال. فكلما تطرق أوريليانو إلي هذا الموضوع، لم تكن صاحبة المحل وحدها، وإنما كذلك بعض الأشخاص الذين يكبرونها سنًا، يرفضون الحكاية الملفقة عن العمال المحاصرين في المحطة وعن قطار المائتي عربة المحمل بالموتى، إنهم يصرون علي ما بقي مثبتًا، في نهاية المطاف، في الملفات القضائية وفي كتب المدرسة الابتدائية، لم يكن ثمة وجود لشركة الموز قط ، لقد كانت الرواية مسرحًا حقيقيًا لإعادة فتح ذلك الجزء من تاريخ العمال في كولومبيا، وقد انتشرت القصة بانتشار الرواية في العالم بالفعل حتى أصبح معترفًا بحقيقة الواقعة، أيضًا كان لذكر حادثة الموز رغبة حقيقية من الشخص الذي عاصر الحركات الشيوعية في العالم في ذلك الوقت لعرض الظلم الذي يتعرض له العمال علي يد الرأسماليين.

لقد كانت الحرب بين الليبراليين والمحافظين في تلك الرواية انعكاسًا للواقع الذي عاشه جابرييل جارسيا صغيرًا من فترة اضطرابات عنيفة ودموية والاضطهاد الدكتاتوري، فأراد أن يعرض تلك الحرب في مشاهده الروائية أن الطرفبن لا يتحاربان من أجل هدف حقيقي، وكليهما يطارد الطواحين ويسعي للسلطة بغض النظر عن كم الدم التي سيذرفها في هذا السبيل، وهو ما أصاب الكولونيل أوريليانو بوينديا أواخر عمره بعد راحته من الحروب والدماء والهزائم حينما قال لصديقه: لماذا نقاتل؟ ولكن هذا لا يلغي التأثر الواضح الذي أصاب ماركيز في حياته الواقعية من إيمان وتأييد للحركات التحررية والدول التي تقوم علي المبادئ الشيوعية والإشتراكية، وهذا لا يخفى علي أحد، فكانت معروفة علاقات ماركيز بقادة التحرر من كل الدول في ذلك الوقت، وبحكم عمله كمراسل صحافي أيضًا كان يؤمن بما يكتب، لقد أراد ماركيز تحويل كل أفكاره وكل ما عاصره وآمن به في روايته السحرية، بطريقته الساحرة، ولا عجب أنه أبدع في إنتاج هذا الأمر بهذا الشكل المتقن في مئوية العزلة فهو القائل: الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبح فنًا، وأيضًا معبرًا عن ثوريته قال: أعتقد أن واجب الكاتب الثوري أن يكتب جيدًا، ذلك هو التزامه، أن تندمج مع رواية 100 عام من العزلة التي تسير في خطوط متوازية بين السحر والواقع الأليم، يجب عليك أن تلقي نظرة على حياة كاتبها المؤمن الثوري الذي أراد ينصر المقهورين بقلمه ويكتب عنهم فخصص لهم أحداثًا هامشية في رواياته، ولكنها كانت الأحداث الأهم التي أهتم بها العالم حقًا، وجعلتهم ينظرون إلى قوة الأدب اللاتيني، وما فيه من سحر دمج الواقع بمساوئه ودمويته بالعالم الخيالي وشخصياته وأحداثه الذي يرفض المنطق قبولها.

لماذا كتبت تلك المقالة؟ أعتقد أني كتبتها ردًا صارخًا علي وسواس في عقلي كان دومًا يخبرني أن جابرييل جارسيا ماركيز ما هو إلا ثرثار كبير عاشق لتوريط شخصياته في مواقف لا أخلاقية ويجعل الشهوة تحيط بهم من كل اتجاه وينتظر ليري ماذا سيفعلون، كعادة الكتاب الذين يكتبون ويقيمون أعمالًا كاملة علي الجنس والرذيلة، ولكن الحق أن ماركيز ليس منهم، لهذا الرجل رؤية أعمق من ما توحي به روايته إلي القارئ، هي تقدم للقارئ الخيال والمتعة الأدبية ولا تفتقر أبدًا لهذا الجانب، ولكن جارسيا حينما يكتبها كان يفكر فيما هو أبعد من ذلك بكثير، كان يفكر في قضاياه التي يؤمن بها، أراد أن يطوع الخيال لخدمة الواقع، فخضع الإنسان تحت قلم جارسيا ماركيز ليخرج لنا تلك الرائعة الخالدة 100 عام من العزلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد