كلما فتح الموضوع السياسي في وطننا العربي فلابد من أن تسمع كلمتين: الشريعة، والديمقراطية. جمهور الشعب العربي يرغب بطبيعة الحال في الحسنيين: تطبيق الشريعة، والتمتع بحسنات الديمقراطية، ومن هذا الباب يطل كتاب توفيق الشاوي (فقه الشورى والاستشارة).

كتب توفيق الشاوي القانوني المعارض لنظام عبد الناصر، والذي عمل بعد خروجه من معتقلات عبد الناصر في شمال أفريقيا والسعودية في عهد الملك الراحل فيصل رحمه الله هذا الكتاب كتعليق لترجمة كتاب حماه المستشار عبد الرزاق السنهوري في فقه الخلافة. لذلك فمما يعيب الكتاب طوله وتكرار نفس الأفكار مرارًا، لكن من خلال هذه المقالة سنخوض سويًا رحلة في فكر توفيق الشاوي السياسي وتأثيره على من بعده.

كتاب تأثر بهم الشاوي: عبد الرزاق السنهوري – محمود شلتوت – عباس العقاد – عبد القادر عودة.
– كتاب عاصرهم وناقشهم المؤلف: محمد سليم العوا – فهمي هويدي – عبد الحميد أبو سليمان.
فقه الشورى والاستشارة هو كتاب من مجلدين يناقش المؤلف فيه فكرة الشورى بشكل عام، ويقوم فيه بتحرير مصطلح الشورى، ومصطلح الاستشارة، ويفصلهم عن بعض، ثم يصنف أنواع الشورى والاستشارة وأحكامهم الشرعية، الأسئلة المركزية التي يجيب عنها المؤلف هو: هل الشورى ملزمة؟ وكيف نمارسها؟ وهل الديمقراطية تغني عن الشورى القديمة؟ وكيف مارس الخلفاء الراشدون ومن بعدهم الشورى؟
بعد الرجوع إلى الآيات الدالة على الشورى في القرآن الكريم، ثم الأحاديث والأفعال الدالة على الشورى ومكانتها في السنة النبوية وعلى رأس الدلائل عليها هي آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينتقل الشاوي سريعًا إلى الإجماع كمصدر تشريع لدراسة الخصائص الأخلاقية للشورى والنظام الاجتماعي المساند لها، فيذكر أن الشورى ليست فلسفة أو مذهبًا سياسيًا، بل هي مبدأ وخلق اجتماعي أصيل يبدأ من البيت وينتهي بمكتب الرئيس أو الملك. ويؤكد الشاوي على أن في تاريخ الدول الإسلامية منذ خلافة أبي بكر الصديق لسقوط الخلافة العثمانية فإن التشريع الذي كان يقوم به الفقهاء كان مستقلًا عن السلطة التنفيذية، ولا بأن يعود الفصل التام بينهما.
يصل الكاتب لمبحث مهم وحساس، وهو الحاكمية والشورى، ويفصل الكاتب بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر السيادي المهيمن على الدولة والمجتمع، ولا يحق للشورى تعطيل أي من أحكامها الثابتة، وبذلك تتمايز عن الديمقراطيات الحديثة، ويعرف الكاتب ما يسمى بالشورى الدستورية، ويفصلها عن الشورى الاجتماعية والفقهية والاستشارات الشخصية والقضائية، فيعرفها بأنها: الوسيلة التي فرضتها الشريعة لصدور قرار من الجماعة ملزم لها ولأفرادها وحكامها.

ويفرد الكاتب الكثير من النقاش لفكرة رئيسة عن جدوى الشورى، وهي فصل الجهاز التنفيذي في الدولة عن التشريعي، ويذكر أن تاريخ الإسلام لطالما كان المشرعون الفقهاء مستقلين عن الخلفاء والأمراء، وبذلك استمرت الشورى في الأمور الفقهيه والتشريعية، وإن تعطلت في موضوع اختيار ومراقبة الحكام، ولتفعيل الشورى من وجهة نظر الكاتب لا بد من موضوعين: الأول هو حرية الشورى والرأي بين أفراد المجتمع، والثانية العدالة التي بها يتم ترجيح رأي على آخر.

ويغوص الكاتب في أعماق الشورى، ويرى أن أولى وأهم شورى هي الشورى الاجتماعية، وأن ما مكن الاستبداد في الأمة هي أنماط التفكير التي تنشأ من البيت، والتي تكرس الاستبداد، وبالتالي فإن الشورى الاجتماعية هي أول لبنة في الوصول بالمجتمع للشورى الدستورية، لم يذكر الكاتب أمثلة وتحليلًا اجتماعيًا لهذا المعنى. وإن ذكر نقلًا عن الشيخ شلتوت أن الشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صورة من صور التكافل الاجتماعي.

باعتقادي أن أهم إضافة أضافها الكاتب لأدب السياسة الشرعية تحريره لمصطلح الشورى والاستشارة في الفصل الثاني من الكتاب؛ فقسم الشورى والاستشارة إلى سبعة أنواع: طلب المشورة الشخصية، طلب مسئول رأي خبراء، طلب قاضي رأي خبير في حكم شرعي، فتوى في حكم شرعي، تشاور الأمة بشأن قرار سياسي هام، تشاور ممثلي الأمة بشأن وضع نظام دستوري، وقرار مجتهدين لاستنباط حكم فقهي. فبين الشاوي أن آخر ثلاثة من هذه السبعة شورى منشأة، وقرارها ملزم للأمة، ولا يستبدل إلا بإجماع مماثل، أما أول أربعة أنواع فهي إما اختيارية لارتباطها بصاحب المشورة، أو عبارة عن فتوى فقهيه عادية. وهذا يزيل كثيرًا من الحيرة والتخبط في فهم التاريخ السياسي للسيرة وللخلفاء الراشدين، وهذا ما يفعله بالضبط الكاتب؛ فيراجع أبرز مواقف الخلفاء الراشدين الذين زعم أنهم لم يلتزموا برأي الشورى فيها، ويحقق فيها ويصنفها لأحد التصنيفات السبعة التي وضعها في الفصل الثاني، ويصل إلى استنتاج أن الخلفاء الراشدين وحتى الرسول الكريم التزموا بالشورى في القرارات السياسية الهامة، ووضع نظم الحكم، وحتى استنباط الأحكام الفقهيه الحديثة.

وينتقد الكاتب تقلص معنى الشورى في الكتابات الحديثة على القرارت الجماعية المتعلقة بنظام الدولة والحكم وتجاهل دورها في التقنين في الشئون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها مما يدخل في نطاق أحكام الفقه. بعد ذلك يناقش الكاتب السؤال (من هم أهل الشورى؟) فيفرق بين أهل الاستشارة في غير الشئون الفقهية ويسميهم (أهل الحل والعقد)، وبين أهل الفتوى في الفقه، ويرى أنه كما أن جمهور المسلمين هم من يرون تأهل أهل الفتوى للفقه، فكذلك هناك فئة من الناس متخصصين بشئون مختلفة من الاقتصاد للصناعة للحرب يشكلون بمجملهم أهم الحل والعقد، وقد يكونون وكلاء منتخبين عن الأمة، ولكن لا يعطيهم الشاوي حق التشريع الذي يعطيه فقط للفقهاء.

بعد ذلك يفرد الشاوي بعض صفحات كتابه لنقد الديمقراطيات الحديثة وحكم الأغلبية، وأن هذا الحكم غير محدود، ويمكن أن يؤدي إلى ظلم الأقليات أو طغيان الحزب الواحد مثل الشيوعية والنازية، وبالعكس، فإن حاكمية الشريعة في نظام الحكم الشورى تمنع هذا الطغيان والاستبداد السياسي التنفيذي والتشريعي ويخوض المؤلف في أكثر من موضوع متعلق بنظم الحكم ورأيه في هذه الموضوعات؛ فيعرج على موضوع تقنين الفقه وممانعة الفقهاء له ومناسبته للعصر الحديث، ثم موضوع إيجاد مجمع فقهي إسلامي، ثم موضوع حقوق الإنسان في ظل النظام الإسلامي وموضوع الجزية، ثم يضع الكاتب فصلًا كاملًا عن حرية الشورى وأهميتها لترشيد نظام الحكم، لاسيما أن الإمامة أو الخلافة أو نظام الرئاسة هي عقد، فلا بد من رضا الطرفين وحريتهم بالقبول أو الرفض لجعله شرعيًا وكاملًا، وينقل عن السنهوري فكرة الإمامة أو الخلافة الكاملة المكتملة الأركان، والخلافة الناقصة، وأبرز أمثلتها وصول شخص للحكم بطريق الإكراه مثلًا. ويرى أن من حرية الشورى محاسبة الحاكم وحق تقرير المصير مستندًا إلى سيرة الخلفاء الراشدين، وإن كانت الشريعة قررت هذه المبادىء فقد تركت تنظيم ممارساته للمجتمع المسلم في كل زمان ومكان.

يواصل الكاتب إبداعه بتحرير ودراسة المصطلح، ويقوم بدراسة لمصطلح البيعة السياسية في التاريخ الإسلامي، ويقسمها لأربعة أنواع: واحدة فقط هي بيعة الخلافة والإمارة، ويشبه هذه البيعة بالعقود، ولا بد لها طبعًا من الحرية من الطرفين والعرض والقبول، وأما معظم البيعات التي تؤخذ حاليًا فهي من وجهة نظره مجرد قسم على ولاء، ولا يجوز تسميتها أو تشبيهها بالبيعة التاريخية، مثل بيعة الخلفاء، ثم يجتهد الشاوي في استنباط شروط البيعة الصحيحة، ومنها أن تكون على القرآن والسنة، وتكون بحرية، وتكون سابقة على الولاية، وليست بعدها أو نتيجة لها، وبعد البيعة يعرج الكاتب على من يتولى الأشراف ومحاسبة ولي الأمر أو الحاكم فيقترح وجود رقابتين: الأولى قضائية، والثانية شعبية عن طريق ترشيح أهل الحل والعقد، لمجلس نيابي يقوم بهذه المهمة، إضافة إلى حق الأفراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يفتتح بعد ذلك المؤلف الفصل الثامن بتقديم وتحليل نظرية الخلافة الناقصة للسنهوري، ويقول إن معيار الحكم على أي نظام بأنه إسلامي أو لا هو مدى تطبيقه للشريعة الإسلامية، فإذا كان هناك خلل بالنظام مثلًا عن طريق تعطيل الشورى الدستورية باختيار الحاكم أو محاسبته أو تجاهل التشريع الإسلامي من الفقهاء وغيره، فلا بد من السعي لإصلاح عيوب ولايته أو عيوب الحكم بالوسائل السلمية إذا كان الخروج عليه مظنة فتنة، وعلى أية حال يجوز الاعتراف بشرعية الحكومات الناقصة في حالة الضرورة على القاعدة الفقهية من اختيار أخف الضررين، إنما النظرية تربط هذه الشرعية بالتزام المسلم الثابت بالقيام بواجبه الشرعي من أجل تصحيح ما يعتقد بوجوده في ذلك الواقع من خلل، وبذلك تصبح نظرية الحكومة الناقصة منطلق يسير منه الفقه الإسلامي لإصلاح النظم الدستورية في جميع الدول الإسلامية وتجديد فكرة وحدة الأمة وابتعادها عن وحدة الدولة.

ورد الشاوي على مجموعة من المفكرين الإسلاميين في هذا الفصل من ابن خلدون وتشريعه للعصبيه القبلية وفهمي هويدي والماوردي والشيخ علي عبد الرزاق، وحرر مصطلح الولاية العامة للأمراء عند الماوردي ليعني الحكم الذاتي في المصطلح الحديث، وتحرير مصطلح العصبية التي بنى عليها ابن خلدون نظريته في المقدمة لتعني ثقة الأغلبية، وتأييد الجمهور عند الشاوي. بعد ذلك يشن توفيق الشاوي هجومًا ضاريًا على فكرة سيادة الدولة، ويعتبرها تحريفًا للشريعة واستيراد ومجال للطغيان والاستبداد ويستبدل هذه الفكرة بسيادة الأمة كما في كتاب الله، ويفضل سيادة الشريعة وسلطات الدولة، ويفضل في رؤيته لمستقبل الدولة الإسلامية الفصل العضوي بين التشريع والرقابة والشورى الملزمة للسلطة التنفيذية، فهو يرى أن يكون هناك مجلسان منتخبان، الأول يضم غالبية من الفقهاء والعلماء وبعض الاختصاصيين في الاقتصاد والحرب، ويختص بالتشريع فقط، والآخر يضم منتخبين يكون بمثابة أهل الحل والعقد يقوم بالتصديق على عمل الحكومة وترشيح الوزراء والرقابة وغيرها. وختم الشاوي كتابه باقتراح قانون دولي يحكم العلاقات بين الدول الإسلامية، ويستمد مبادئه من القرآن الكريم والسنة النبوية.

رأيي في الكتاب: من أهم ما كتب في الشورى وأبدع الكاتب في تحرير المصطلحات ودراستها من الشورى والاستشارة والبيعة والولاية العامة للأمراء في كتب التراث. يعيب على الكاتب التكرار الكثير جدًا، ومتأثر بأسلوب من سبقه في لوم الاستعمار والإسهاب في الرد على المستشرقين وطلابهم في زمنه؛ مما أخرج السياق عن مكانه قليلًا. أيضًا توفيق الشاوي كعادة معظم الإسلاميين المؤلفين في هذا الموضوع لم يضع أي وزن لعملية التنمية في خطته للمستقبل، أو في نقده للوضع الحالي؛ فخلال أكثر من 840 صفحة لم يتطرق لهذا الموضوع إلا مرتين بإيجاز، أيضًا استند الشاوي على أن الدولة التي ستطبق الشريعة سيكون هناك فصل تلقائي بين التشريع والتنفيذ، وهذا غير مضمون، ولم يأت بنظام يسهل تطبيقه. لكنه لأي شخص مهتم بالسياسة والديمقراطية كتاب ثمين جدًا، وتوفيق الشاوي له تجربه غنية في رابطة المؤتمر الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد