سم المخدرات ليست بالأمر الجديد، ولا الغريب بالنسبة إلى مجتمعانا العربي، فمنذ لحظة اكتشاف المخدرات المصنعة كيميائيًا، بدأ يتسارع انتشاره في البلدان العربية والشرق الأوسط. ولا متعاطيه يأخذ بالأمر العجيب لنا اليوم، نعم معظمهم في البداية كانو الفقراء ماديًا، وجسديًا، ونفسيًا (لم يشعروا بالسعادة من حياتهم الطبيعية) جهلاء عقليًا لإدراك مساوئه، لكن في هذا العصر لا يقتصر ذلك على هذه الحفنة، فأصبحوا الأغلبية بعد أن كانوا الأقلية، وأمسى جزء منهم أبناءنا، أباءنا، إخواننا وأخواتنا، ثم إنهم يملكون في المجتمع مناصب راقية، فهم الأطباء، والممرضات، والمهندسون، والمحامون، وغيرهم (لا حاجة لذكر السياسيين). فكم من أصدقاء لي فارقوا الحياة من وراء المخدرات، كم من أصحاب أعتزلت عنهم لتصرفاتهم غير لائقة والمؤذية للنفس سببها هذه السموم، كم من أناس كنت أحسبهم ذوي المراتب والمكانات ومن مستحقي الاحترام، تبينوا لاحقًا بأنهم لا يعرفون حتى الطريق إلى بيوتهم.

المهم أنه قد جرت الأمور كما جرت، وتعودنا على فقدان هؤلاء الناس مع مرور السنين، وأخذهم بنظر الاعتبار عند إحصاء أعداد الوفيات في المستشفيات والمقابر مثلما نعد أعداد الموتى في كبار العمر. لكني مررت بتجربة غيرت تفكيري تجاهم وأعطاني إحساسًا بفقدان الأمل أكثر في هؤلاء المرضى.

كنت أمشي في منطقة عامة (جيدة المجتمع نسبيًا) خلال الزقاق الذي أمشي به روتينيًا في طريقي إلى الكلية. فإذا بي أرى طالبًا وطالبة تقريبًا أصغر بقليل من عمري 22 عامًا، الفتاة كانت محجبة ومرتبة اللباس، وكذلك الشاب كان يلبس قميصًا أبيض وبنطلون أسود، بدوا مستعدين للذهاب إلى دراسة في إحدى المؤسسات التعليمية (تبينوا لاحقًا بأنهم طلاب في كليتي). من خلال مروري بالشارع تحسست بأنهم لاحظوني، ولم أهتم بذلك، وواصلت بالمشي إلى أن اقتربت مسافة قريبة منهم، هنا رأيت ورقة بيضاء على يد شاب ملفوفة بشكل مربع ومنتفخ كأنه مليء بالحصى، عرفت مباشرة أنه الميث (المخدر مصنع كيميائيًا)، وهو يراقبني وينتظر حتى أقترب منه لأعلم المسألة! وهو يسلمه للفتاة ويقول له بصوت مسموع «لا تعطي هذا لأحد». صدمت من هذا الموقف، كنت أعلم بالطبع أن هناك مخدرات يتوزع يمينًا ويسارًا في كليتي، في الأزقة، وفي المدينة الذي أعيش فيها، لا غرابة في هذا الأمر، ولكن صدمت لأني لم أرَ أشخاص مثل هؤلاء يريدون أن يتظاهروا في العلن تعاطيهم للمخدرات ويتفاخروا بعملية التبادل بينهم، بالرغم من أني لم أر المال يعطى من قبل الفتاة، ويمكن أن يستنتج القارئ كيف تدفع الفتاة لتلك المادة بدلًا عن المال. تجاهلت الأمر ذلك اليوم وواصلت يومي عاديًا، وقد حسبت بأن الشاب قد أخطأ في تفكير وتحليل (وهي العادة عند المتعاطين) في إجراء الصفقة بأتم سرية.

وفي الأسبوع التالي رأيت نفس هذين مع نفس النية في إحدى زوايا حديقة الكلية، وشاءت الأقدار أن أمشي نحوهما مثل يوم السابق. هذه المرة بدأت بالمشي بطيئًا لأفكر في الموقف، فهم كذلك بدأوا بالانتظار حتى أتى بالقرب منهم ليبادلوا العملية مجددًا، عنده أدركت بأنهم يفعلون ذلك عن قصد ليثبتوا شخصيتهم المنحرفة، ونسيت بأن المتاجر والمتعاطي قد أصبحوا من شخصيات النبيلة في هذا الزمن. لمحت له ولها بنظرة ليعلموا بوجودي، وهم بادلوني النظرة الباردة، تخيلت فقط كيف يجري الحديث بينهم وبيني إذا باشرتهم بالكلام، وعلمت أن مبادرتي لم يكن ذا الفائدة لهم، فلم أستطع أن أعبر عن الأمر من الناحية الدينية، فالمدينة التي أنا أعيش فيها ملئى بالمواعظ و«بوسترات» إسلامية وجوامع خطيبة، إذًا هم أدركوا ذلك وعلموا بحرمته، ولم أقدر أن أكلمهم من الناحية العلمية لمضار المخدرات، وكيف يؤدي إلى هلاك بمتعاطيه وانطوائه حول نفسه ليترك المجتمع نفسيًا ويفارقه جسديًا، فهم كانوا طلاب الصحة، ومحاضراتنا هي مليئة بمعلومات طبية عن مضار المخدرات بأنواعه. هم هؤلاء (متعاطي المخدرات) عادة يتبعون فلسفة عدمية أو وجودية في حياتهم بحيث ينظرون إلى الحياة كأنها مشاعر فقط، وهي الغاية عندهم (الهروب من مشاعرهم السيئة إلى مشاعر ممتعة) وهدفهم الرئيس من العيش.

فكرت طويلًا في هذا الموقف، إلى أن أجرى بي خط تفكيري إلى هذه المسلسلات والأفلام التي تجسد مخدرات ومتاجريه ومتعاطيه تجسدًا فخمًا لا عيب فيه، يرى فيه ما يرى ويقلد فيه ما يرى من قبل شبابنا وبناتنا، حتى أدى بهم الأمر إلى عدم الخوف من نظرة المجتمع وعقوبة الحكومة القائمة. هؤلاء طبعًا لا شك أنهم يظنون في هذا السن ناهض أن التهور والانحراف هو عنوان المسيرة، والتعاند والمتعة السلبية هي جزء من انفتاح المجتمع العربي للأفكار العالمية الغربية، لا بل أصبح من واجب المجتمع أن يضموهم ويحسبوهم قطعة منهم من دون انتقاد ولا التدخل، النصح أصبح تدخلًا في شأن ما لا يعنيك عندهم، والعبر أصبحت أخطاء أغبياء من قبلهم، وهم على أساس أذكى من الذين ماتوا جراء زيادة الجرع واكتساب الأمراض القاتلة.

هذه الأفلام والمسلسلات التي يكون أبطالها والشخصيات المؤثرة فيها من متعاطي ومتاجري المخدرات قد ترك أثرًا مطبوعًا عند صغار مجتمعنا فرديًا وغير منظور المجتمع نحوهم. نعلم تمام العلم بأن أغلبية هؤلاء متعاطون، هم أشخاص عادييون لا يعانون من أمراض نفسية ولا جسدية (قبل التعاطي)، وإنما يريدون الوصول إلى النشوة طوال فترة وعيهم، لكن المعرفة يا أخي القارئ أن تعلم بأنهم يأخذون شهوة ثانية منه، وهي نظرة المجتمع لهم نظرة الاحترام، نظرة التهور والمرونة، نظرة الشجاعة والقوة، ونظرة العناد والنقاض ضد الحكومة والأنظمة، أو على أقل نظرة التمييز والاختلاف عن عادات المجتمع والأشخاص المعتدلين (هذه واحدة من أسباب تعاطيه، وهو لأخذ طريق أخر عن الأغلبية لتسليط الضوء على أنفسهم بأنهم مميزون). أنا أعلم بأنه من حقهم أن يفكروا بذلك النحو. الأفلام التي نتحدث عنها لها إقبال كبير عند الجماهير والمعجبين أكثر، والمقلدين أوسع، فلا شك بأن المتعاطي يستنتج من هذا أن المجتمع يتقبل مثل هذه التصرفات ويحرض عليها. هل يا ترى يتقبل المجتمع فعلًا مثل السلوكيات السلبية المضار له؟ لماذا لا، ما هو المجتمع سوى مجموعة من أناس يشاركون نفس الأهداف، ويفكرون بنفس الأفكار، ويتأثرون لأشخاص حولهم.

لا يجب علي أن أزيد الكلمات أكثر من هذا (لغرض النشر وكذلك لا أريد أن أشعرك بالملل)، أن المغزى الذي أريد أن أوصله هو بأن هؤلاء المتعاطين قد تجاوزوا مرحلة التعاطي والنشوة، بالإضافة إليه تطوروا ليبحثوا عن الشعور بالشهوة الاجتماعية والشهرية (التشهر)، من خلال تظاهرهم علنًا بالتعاطي يحسبون أنهم أصبحوا فوق مستوى البشر، ويظنون بأنهم امتلكوا شيئًا من الشجاعة التي لا يوجد في مجتمعهم الحاضر، وسوف يكافئهم الناس على هذا باحترامهم لهم، وبالنظر إليهم نظرة العبيد لأسيادهم.

لا شك في أيامي القادمة سوف يعرفني الزمن على كثير منهم، أسوأ حالًا من هذه الأشخاص بالتأكيد، في عملي «هههه» لا بد أن يوجد. أتصور فقط معاناة المرضى الذين يحقنونهم بالماء والملح بدلًا عن المسكنات التي يجب أن تساعدهم في أسوأ آلامهم، والتي هي من واجب المستشفى توفيره لهم، بدلًا عنها يقوم ضعاف الفهم هؤلاء بتعاطيه للاستراحة من مشاكلهم الوهمية التي هم تخيلوها. فأعاننا الله على هذه مؤثرات، لا يوجد حول ولا قوة بيد الفرد أن يغير شيئًا من واقع الحال سوى التوعية الخالية. الأمر أصبح خارج عن السيطرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد