كنت أعتقد أن النجاح يحتاج لمحاولات كثيرة غير مؤذية، أو مؤذية قليلًا؛ حتى أبلغه، لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة.

لقد كانت المحاولة محفزة، وباعثة على المضي قدمًا، ولم يبقَ بيني وبين التحليق قليلًا، والارتفاع من على الأرض لفترة سوى محاولة أخرى، أكثر قوة، أكثر عزيمة وإصرارًا، وأكثر إيمانًا بتحقيق الهدف، لكن السقطة كانت تاريخية، وكانت قاسية ومؤلمة، لكن أسوأ ما في الأمر أنها خلفت جرحًا عميقًا، وأثرًا بليغًا، وسالت معه الكثير من الدماء والدموع.

كانت تلك محاولة طفل في السنوات الأولى من عمره، وهو يحاول القفز من أحد المرتفعات نحو أرض منحدرة، غير مستوية، مبلطة بحصوات كبيرة، ويعيد الكرة مرات ومرات، قبل أن يسقط في محاولته الثالثة، في دكان قريته عند مدخل الباب الرئيسي؛ درج طويل من الحجارة، ومرتفع ملتصق بالجدار الكبير الذي يحيط بواجهة «القصر» كما هو مسمى القرية عندنا، باعتباره دعامة له يشبه المدن الإمبريالية «المدن الملكية أو الإمبراطورية العتيقة»، بوسائله المتواضعة من طين، وخشب، وحجارة وبكثير من البساطة؛ حيث يجتمع سكان القصر، ويقضون يومهم ويدبرون شئونهم في ساحة كبيرة، يتوسطها طريق ضيق منعرج، به خليط من الأسفلت، والحفر، والتراب يربط القصر بباقي القصور، ويفك عنها عزلتها الجغرافية، بينهما بعض الجنان من النخيل، وبقليل من شجرات التين، حيث صوت الضفادع ممزوجًا بصوت اليمام يملأ المكان وسط صمت رهيب، وهو يقص تجربته.

استوعب الطفل بعد مضي سنوات كم كان ساذجًا في تقديره للأشياء آنذاك؛ ليس لأنه استمتع في البداية بمحاولة القفز، وتجربة شيء مختلف من نسج خياله، أو لأنه حلم أو تصور أن بإمكانه التحليق لمسافة قصيرة كالطيور؛ بل لأنه كان بحاجة أولًا لشيء يمكنه من الارتفاع فوق الدرج، والعودة بأمان، وقبله كان بحاجة لهدف وغاية لما يقوم به، والتركيز عليه، وفهم جدواه، وفهم جدوى لماذا الطيور بحاجة للطيران رغم قدرتها على المشي والسباحة والعيش في المرتفعات، بينما الإنسان لا يملك سوى القدرة على المشي والسباحة لكنه في الوقت ذاته يملك قدرات عقلية هائلة تفوق خياله وتصوراته وتدفعه إلى محاكاة الحيوانات والطيور؟

الأمر ذاته تبادر إلى ذهني وأنا أستمع إلى صديقي؛ وهو يسرد بشغف وغرابة قصة الندوب التي تعلو محياه، ومحاولاته المتكررة للقفز من المرتفعات، عندما كان طفلًا بمقربة من والده، الذي كان مستغرقًا في حديثه مع سكان القصر، وقد كان يحذره من السقوط بين الفينة والأخرى، لكنه سقط على كل حال، وأدمى رأسه، وتأذى بشدة، وتطلب الأمر منه أيامًا للعلاج، وزوال الألم، لكن أثر الحادث لا يزال موجودًا، وحُفِرَ في الذاكرة، أكثر مما حفر على جلده الفتي، ما غرس فيه بعد ذلك خوفًا وذعرًا من السقوط، لكن حدسه كان على حق، وأنه متأكد في قرارة نفسه بأنه حتمًا سيسقط مستقبلًا، وتلك لم تكن إلا البداية.

فشتان بين فكر ذلك الطفل، وبين هذا الشاب الذي أصبح عليه اليوم؛ بين ساذج عفوي تلقائي يفعل ما يمليه عليه فكره وخياله دون أن يلقي بالًا لما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك، أو في الغد، أو في القادم من الأيام، لقد كان مستمتعًا بالحدث، وبالفكرة، وباللحظة، وبذلك الشعور الذي خالجه حينئذٍ، وبين شاب في العشرينيَّات، عقلاني بدرجة كبيرة، واقعي لأبعد الحدود، مهووس بالمستقبل، منشغل في البحث عن المعنى، ومستغرق في تحقيق وجوده، يحمل مشاكل العالم بداخله.

إن ثقتي بأن ولع الأطفال بالأبطال، والخارقين الذين يشاهدونهم بسذاجة، واستحالة، ودهشة، ومحاولة التشبه بهم، فتراهم يضعون أقنعة، ويحملون أسلحة مزيفة، وربما يضعون أجنحة من قماش على أظهرهم، ويستمرون في الجري والقفز، وهم متحمسون وسعداء. إن ذلك نابع من إدراكي لحقيقة كم أن صديقي كان منتشيًّا بالخيال، عندما حاول أول مرة القفز والسقوط وتكرارهما؛ لأن التجربة منحته الشعور بالحماسة، وغير المألوف، وأنه كان مختلفًا، وخارقًا حيث اكتشف شيئًا جديدًا؛ مكنه من تجاوز الطبيعة والمجتمع، رغم أنه لم يكن على وعي تام بذلك، وكان يتألم في كل محاولة، لكنه كان يواصل.

اليوم أُدرك بعد سنوات بأن السقوط ليس فقط في الحب، أو في الامتحان، إنه شيء إيجابي، وضروري، وحتمي في كل الأحوال، سواء للطفل الساذج التلقائي، أو للشاب العقلاني الحريص على تفاديه، ليستوعب الدروس من الحياة، ويبحث أكثر وراء الألم، والمعاناة، والحوادث، والبحث حولها عن المعنى، وما هو أكبر، وإنه خطوة أولى نحو نهضة جديدة أكثر قوة، وحكمة، ونضجًا، وتقبلًا، وسماحة، وتسليمًا؛ حتى يحب ويجيد فن وإعادة السقوط، فهو مهارة أكثر منه موهبة وحظوة.

فالكثير لم يحظ بما يكفي من فرص السقوط، والفشل من ألم، ومعاناة، ووحدة وتيه؛ حتى يدرك كم هو صعب النهوض بعد ذلك، وكم هو جميل في الوقت ذاته إن استطعنا بلوغه، والتعود عليه، والتعايش معه، لأنه هو وحده الكفيل بصقل جوهرنا، والكشف عن معدننا، وإعطاء معنى لحياتنا.

صدقني لا بأس أن نعاني، أو نسقط، أو ننكسرـ أو يخيب ظننا في أنفسنا، وفي أقرب الناس إلينا؛ كي ننمو، فمن عاش التجربة ليس كمن سمع عنها، فالتجربة تصير ملكنا، ملازمة ووفية لنا، حتى تلك التي نتمنى محوها ونسيانها، عكس الذاكرة التي قد تخوننا، وقد لا نملكها وقت حاجتنا إليها.

فكل يتألم ويعاني بقدر عمقه أو سطحيته، كل حسب جوهره وطينته وكنهه؛ حتى يدرك أخيرًا أن حياته من دون تعلم النهوض بعد كل سقوط، والمضي قدمًا وأخذ العبرة، والدرس دون التراجع إلى الوراء، ودون أن يعيش حياته في الماضي بلا معنى، «فقد ينكسر المرء لكنه لا يهزم أبدًا، وغدًا يوم آخر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد