اقتربت ذكرى وفاتك الثامنة عشر، ولذلك أكتب لك هذه السطور علها تعبر عالم الفناء إلى عالم الخلود لتخاطب روحك وتسألها، أنا الشاب الذي لم يبلغ الثلاثين، ولم يعش يومًا في عصرك المديد، وأنت الرجل الذي عاش كل القرن العشرين، فكتبت فصولًا من تاريخ تونس الحديث ملأت أحداثًا لم يزل أثرها قائمًا إلى اليوم. أكتب لك احترامًا وعرفانًا ووفاءً، وأسألك تذكيرًا لا استفسارًا؛ فــ(إن الذكرى تنفع المؤمنين).

لا شك أن لك من الأخطاء الكثير، من احتكار الحكم إلى قمع المعارضين، ومن الانقلاب على الرفقاء إلى ملاحقة الخصوم، لكن ألم يكن ذلك دأب أهل السياسة منذ غابر الأزمان؟ ثم خلافًا لزمننا الحالي، هل الدمقراطية الموضة السائدة في العالم العربي طوال القرن العشرين، سواء كانت الأنظمة ملكيه أو جمهورية، محافظة أو تقدمية، موالية للمعسكر الشرقي أو الغربي؟

لكن لك من النقاط المضيئة ما يجهله أو يتجاهله الحاقدون ومن المفاخر ما ينساه أو يتناساه الجاحدون.

ألست من صارع الاستعمار خفية وجهرًا، سلمًا وحربًا، داخل تونس وفي المحافل الدولية من القاهرة والرياض وباريس ونيويورك؟ ألست من نفي في الصحاري القاحلة والجزر النائية، ورمي سنين طويلة في السجون والمعتقلات الإستعمارية؟ ألست من جاب البلاد طولًا وعرضًا محرضا على مقاومة المحتل بكل الوسائل ومن خاطب كل الشرائح بما يفهمون حتى يتركوا ما يفرقهم ويضعفهم إلى ما يوحدهم ويقويهم؟

ألست من شاكس الإستعمار بلغته وفي عقر داره وأحرجه مع حلفائه؟ ألم تنجح مع رفاقك في تحويل حلم الإستقلال من شعارات بعيدة المنال إلى واقع وحقيقة في بضع وعشرين عامًا؟

هل يمكن وصفك بعد كل هذا كله بعميل الاستعمار وابن فرنسا المدلل؟ أم أنه من الإجحاف إنكار هذه المأثر فقط لأنك لم تلق بألاف التونسيين الى أتون حروب غير متكافئة مع عدو متجبر وفضلت المراوحة بين الضغوطات الخارجية والمفاوضات المباشرة والمقاومة السلمية والمسلحة؟

ثم ألم تخض معركة أكبر هي معركة تأسيس الدولة، فقدت جيلًا بنى إدارة جديدة فبدء بتعميم التعليم وتوحيده وخصه بثلث ميزانية البلاد ووضع قانونا جعل من المرأة شريكًا في العائلة والمجتمع وحارب كل أشكال التخلف الحضاري والتأخر الفكري؟ ألم تدفع التونسيين نحو حب الفن والثقافة والعلوم فعجت البلاد بالمسارح ودور السينما والمهرجانات رغم ضعف الموارد؟ هل فكر زعيم عربي غيرك أن يجعل في قصره مسرحًا تلقى فيه القصائد ويبدع فوقه المبدعون عوضًا عن الغرف التي يكنز فيها الذهب والفضة؟ ألم تشهد الدبلوماسيه التونسية عصرًا ذهبيًا جمع بين استقلالية القرار الوطني وسياسة عدم الإنحياز ومناصرة القضايا العادلة؟ ألم يثبت الزمن ولو متأخرًا صوابية أفكارك وبعد نظرك في كثير من القضايا العربية والعالمية؟ دعنا من كل هذا، ألم تزهد في مغريات الحياة وفرضت ذلك على من عملوا معك، فلم تملك لنفسك ولو بيتًا، بل لم يرث أهلك سوى بضع مئات من الدنانير بعد وفاتك؟

هل جزاء من أفنى شبابه وأنهك صحته وترفع عن المكاسب والمغانم إلا التقدير والإجلال؟ هل يكفي أن تكون نزيهًا عفيفًا أم يجب أن تكون منزهًا معصومًا لتذكرك الأجيال باحترام وتبجيل؟

قد تطول قائمة أسئلتي، لكني لا أريد منك جوابًا، ولا أرجو منك نفعًا، فأنت في الدار الأخرة ربما ترقب ما نحصد من بعض ما زرعت وأنا أحد أبناء شعبك، لم أدخل يومًا معترك السياسة، لكني لم أغفل أن أبحث عن الحقيقة التاريخية لمرحلة غير بعيدة عاشتها هذه الأرض التي أحببتها وتحبك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد