مُعلميّ وصديقي العزيز، تحية طيبة أينما كنت، بادئ ذي بدء، أعتذر لك على العنوان الذي سيفهم من خلاله – للوهلة الأولى – أن هذا الخطاب موجه إلى صديق لي مصاب بمرض الإيدز، عافاك الله وعافانا، وهذا بالطبع يجافي الحقيقة، لأنك غير مصاب بالإيدز من الأساس، فأنا استخدمت هذا العنوان لـ«جر» رجل القارئ من ناحية، ولاتساقه الشديد مع ما أود أن أقوله لك في هذا الخطاب من ناحية ثانية.

فمثلما أنت اتهمت بإصابتك بمرض الإيدز بعد دفاعك عن مرضى الإيدز الذين ينظر إليهم نظرة سلبية من قبل المجتمع المصري بصورة عامة، والمجتمع الصغير الذي تحيا فيه بصورة خاصة، تُوجه الاتهامات الجزافية في الوقت الراهن لثورة يناير ولنشطاء ثورة يناير ولكل مدافع عن نزاهة ثورة يناير من قبل شريحة كبيرة من المجتمع المصري، والأمر هنا ليس على وجه التخصيص، أي إنه لا يتعلق فقط بثورة يناير ونشطاء ثورة يناير، بل إن توجيه الاتهامات يمتد إلى كل عازف عن التعقل بالعقلية القطيعية، ولكل شخص يحمل راية أفكار تتنافر مع أفكار المحيط الذي يحيا فيه، فأنا نفسي اتهمت بالإلحاد والردة من بعض الزملاء لمجرد رفضي تقديس الشيخ محمد متولي الشعراوي، عليه رحمة الله، ورفضي تقديس أيضًا التابعين وتابعي التابعين عليهم جميعًا رحمة الله، والمفارقة العجيبة هنا تتمثل في تلبيتي لأذان الصلاة الذي صدح أثناء المناقشة في حين أنه لم يحرك في أي زميل من الزملاء الذين اتهموني بالإلحاد آنذاك ساكنًا.

أيًا كان الأمر؛ فأنا وأنت نعي جيدًا أن جسامة الاتهامات التي وجهت، وما زالت توجه وستوجه إلينا، هي نتيجة اختلافنا مع قيم هذا المجتمع، وتتضاءل إزاء الاتهامات التي توجه لثورة يناير ونشطاء ثورة يناير. فلك أن تتخيل أن ثورة يناير التي ولدت من رحم معاناة الشعب المصري عبرالعقود المباركية التعيسة، باتت ينظر إليها كوبال مطلق حل على هذه البلد من قبل شريحة بكل أسف كبيرة من أبناء هذا الشعب الذي سالت دماء خيرة شبابه للمطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

والإشارة هنا ليست للدجالين والأفاقين وماسحي الجوخ المنتفعين، من تشويه ثورة يناير الآن بعدما جاء عليهم وقت كانوا يتمسحون فيها وفي سيرتها وسيرة شهدائها الأبرار، إنما الإشارة إلى المواطن المستقر، على حد وصف الأديب علاء الأسواني في إحدى مقالاته، فالشريحة الكبيرة التي تهاجم ثورة يناير ونشطائها، السواد الأعظم منها يحمل عقلية المواطن المستقر الذي دائمًا وأبدًا يجزم بأن فكرة الإصلاح هي والعبث سيان، ومن الأنجع التركيز في السعي وراء لقمة العيش والسعي الدءوب لتحسين المركز المالي للأسرة إذا كنت متزوجًا، أو تكوين ذاتك تمهيدًا للزواج إذا كنت غير متزوج، فأي حديث آخر هو ضرب من ضروب العبث والجنون، وتَديُّن هذه الفئة، على حد وصف الأسواني، شكلي لا يدفع أفرادها إلى مقارعة الظلم والفساد من جهة، ولا يدفعهم أيضًا إلى الكف عن النفاق من جهة أخرى، وهذه الفئة بالمناسبة هي في الغالب التي تفرغ المهن ذات الطبيعة الإنسانية من جوهرها الإنساني، وتجعل مهنة مثل مهنة الطب عبارة عن أداة للظفر بالأموال والوجاهة الاجتماعية، ومهنة مثل مهنة المحاماة ذريعة للاستقواء بها على المعدومين، بل الأنكى أن هذا المواطن في أغلب الظن هو الذي يفرغ العلم من مضمونه، ويصوره في صورة مطية للوصول إلى مآربه التي تتمثل في كثير من الأحيان – إن لم يكن في كل الأحيان – في الحصول على الأموال والمكانة الاجتماعية التي ينبهر بها أغلبية أفراد هذا المجتمع.

بكل أسف المواطن المستقر لا يوجد عنده ثمة حياء، وهو يوجه الاتهامات الجزافية سواء إلى نشطاء ثورة يناير الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، أو إلى النشطاء الذين ضحوا بحريتهم في سبيل كلمة الحق والثبات على مواقفهم، وأنا لا أخفي عليك إني بشكل أو بآخر عاجز عن فهم عقلية هذا المواطن، فإنه إذا كان منتفعًا من الفساد فمن السهل أن نخمن الأسباب التي تدفعه إلى الصمت وتشويه الآخرين، إلا أنه غير منتفع من هذا الرضوخ، فبالرغم من عدم فهمي لعقليته على وجه دقيق، كما سبقت الإشارة، فإنه في تقديري يريد أن يسير الجميع على النمط ذاته الذي يسير عليه، فمثلما هو يرضخ للظلم ولجبنه دون أن يغالبه، يريد الجميع أن يذعن إلى الظلم والجبن، والقناعة هذه ليست من نتاج قريحتي بل تجلت ليّ أثناء حواري مع مواطن ينتمي إلى هذه الشريحة، لا سيما عندما جاءت سيرة المدون علاء عبد الفتاح، فقال ليّ نصًّا بعد أن بلغ به الغضب مبلغه: «أنا مابحبوش ده فاكر نفسه هيحرر العالم»، ثم استرسل في توجيه الاتهامات المكارثية له ولأسرته الكريمة ولكل مدافع عن حقوق الإنسان.

فعلى عكس عادتي قررت أن أقفل باب الحوار معه فورًا عندما تحدث بهذه الصيغة على من يضحي بحريته لأجل الدفاع عن حقوق الإنسان، لأني تعلمت من الأيام ومناقشاتي مع «طوب الأرض» بأنه لا توجد جدوى من الحوار مع هؤلاء الصنوف من المواطنين، إلا أن غلق باب الحوار معه إن كان مكنني من الفرار من الدوران في دائرة مفرغة معه، لم يمكِّن ذهني من تجاوز هذا الحوار، وما زلت أفكر فيه بصورة مستمرة لاسيما أنني أزعم أن هذا المواطن يمثل الشريحة الكبيرة التي توجه إلى ثورة يناير ونشطائها اتهامات قبل النوم وعند الاستيقاظ، فعلاء عبد الفتاح والنشطاء الذين على غراره غير محبوبين من هذه الشريحة لأنهم يفعلون ما يستعصي على نفوسهم الجبانة المليئة بالأنانية أن تفعله، فشجاعتهم في الدفاع عن مواقفهم التي قد تتفق أو تختلف معها تذكرهم بنقائصهم هذه، فيلوذون بالتشدق بهذه التشنيعات والتُرُهات لاستساغة خنوعهم لكل ذي سلطان، فهذه هي النتيجة التي أستقيتها من حواري مع هذا المواطن وقد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، أرأيت الآن يا عزيزي كيف تفكر هذه الفئة التي تضم أغلبية أفراد الوسط الذي تحيا فيه، وأغلبية أفراد الوسط الذي أحيا فيه؟

صديقي العزيز، كنت أود أن أستمر في الكتابة إليك، فكما تعلم الأمور كلها متداخله بعضها في بعض، والحديث فيها لا ينتهي، ولكنني أخشى القارئ الذي قد يضيق بيّ وبك، فيذكُرنا «بما فيه النصيب»، تحياتي لك ولأقرانك المدافعين عن حقوق الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد