غزيزي المواطن البسيط، سأخاطبك من القلب إلى القلب، ومحاولتي التملص من وطأة غروري الذي ينطوي على استخدامي بعض الكلمات العربية غير المتداولة ومجموعة من المصطلحات الفلسفية – التي كانت ترمي إلى أستعرض مهاراتي الزائفة وسعة إطلاعي في بداياتي في الكتابة الصحافية – خير دليل على صدق رغبتي، فأنا لا أريد أخاطب أحدًا غيرك لأني لا أجد نفسي إلا في التواجد مع أقرانك الذين على شاكلتك، فأنا منكم وأنتم مني، معذرة، فربما العبارة الأخيرة تسبب لك نوعًا من الغضب والقلق ناحيتي، لأنها أرتبطت في ذهنك بالدعاية الانتخابية، ولكن ما لا تعلمه إني قاطع عهدًا على نفسي بأني لن أسعى لممارسة السياسة ما دام لي في العمر بقية، فلا تحرمني من سعة صدرك.

عزيزي الموطن البسيط، لا أخفي عليك إني كنت فرد من أفراد الفريق المناوئ للتعديلات الدستورية الأخيرة في مصر، فبغض النظر عن فحوى هذه التعديلات، فأنا أؤمن أن الدساتير ـ التشريع الرئيس ـ ليست مجالًا للعبث، فبالتالي الدستور الذي بالكاد أكمل نصف عقد منذ صياغته، والذي على أنقاض مواده التي تحفظ حرية الأفراد في التعبير عن أفكارهم وآرائهم زج بآلاف الشباب والشابات في غياهب السجون، لم يطبق حتى نكتشف بين عشية وضحاها أنه غير صالح، ثم نتذرع بمجموعة من الحجج الواهية حتى ندخل عليه تعديلات، فالسبب الرئيس لتعديل الدستور معروف للكافة، ولاداعي للخوض فيه، فأنا أعلم جيدًا أن سجني لا يرضيك، كما أن إفصاحي لك عن رفضي لهذه التعديلات هنا ليس توثيقًا لموقفي بمقدار رغبتي الجارفة في الإفصاح عن الغضب الذي تملكني عندما رأيت مواطنين خلال هذه العملية الأنتخابية يبيعون أصواتهم مقابل كراتين مليئة بالزيت والسكر وغيرها من المواد الغذائية، والغضب هنا مصدره الحاجة والظروف الاقتصادية المضنية التي دفعت المواطنين إلى مد أيديهم لأخذ هذه الكراتين، فيشهد الله أن قلبي انفطر عندما حكى أحد أقاربي ما رأه وهو ذاهب إلى عمله.

أعلم أن فضولك قد يدفعك إلى الرغبة في معرفة ما رأه هذا القريب، لذا فسأحكي لك؛ رأى أنُاس وصفهم ليّ بالغلابة يحمل كل منهم «بون» بـ100 جنيه لكي يصرفه من مول تجاري فخم التي على حد قوله لا يمكن أن يدخله هؤلاء المواطنون في ظروف غير ظروف الانتخابات، هذا هو ما قاله ليّ، فعلى عكس قناعتي بأن يهون كل شيء أمام كرامتنا، لم أدرِ إلا وأنا أقول «ميتين أبو السياسة على الساسة»، أعتذر عن هذه الصراحة الفجة، ولكن كان هذا رد فعلي، هل هناك هوان أكثر من ذلك؟ للأسف انحدر الحال بنا إلى مقايضة الناس على كرامتهم وحريتهم (الخبز مقابل الخنوع)، فاليمين الديني في مصر استخدم مثل هذه الوسائل سابقًا، واليوم الأحزاب الموالية للسلطة الحاكمة تستخدم نفس الوسائل الدنيئة للظفر بأصوات المواطنين الغلابة الذين لا يكونون محل اهتمام المسؤولين إلا في هذه المناسبات.

لا أريدك ان تغضب من أقراننا لأنهم في النهاية معذورون، فالحاجة والفقر المدقع كفيل من أن يكسر أنوفهم، ويجعلهم يطاطوا للريح في سبيل الحصول على لقمة العيش وإطعام أولادهم، لا أعتقد أن أقراننا يفرق معهم ديمقراطية وانتخابات نزيهة وتداول سلطة وفصل بين سلطات وما إلى ذلك من المبادئ الرائجة من قبل نخب القوى المدنية بقدر ما يفرق معهم إطعام أبنائهم، ولكن هذا لا ينال من أن هذه المبادئ قد تكون لهم طوق النجاة على المدى البعيد.

أعلم ردك، أقراننا لن يفرق معهم المدى البعيد بقدر ما هيفرق معهم توفير عشاء اليوم لأبنائهم، هذا عذر كافي، فالنخب الساخطة على أقراننا في الواقع لا يضعون أنفسهم للحظات مكان أقراننا الذين يعيلون أسر، ولكن بموضوعية هؤلاء النخب معذرون إلى حد ما؛ لأنهم يريدون العدالة الأجتماعية التي بلا أدنى شك ستضمنا تحت مظلتها مع أقراننا البسطاء، ولكن البؤس الذي يجعل صديق لي – بائع خضار – يصيبه العمى بعد أن أثقل الدين كاهله يدحض أي عذر لأي شخص يصب غضبه من الأوضاع الراهنة على أقراننا الذين دفعتهم الظروف الاقتصادية الطاحنة إلى الاستسلام لإغرائهم المتمثل في الكرتونة المليئة بالزيت والسكر أو البون بـ100جنيه.

لا تقل لي نحن أفضل من سوريا واليمن وليبيا، فأنا أعلم أنك كنت من المتيمين بالزعيم الملهم إلى حد قريب ولا أعلم هل ما زلت متيمًا به أم لا، ولا أعلم أيضًا مدى واقعة هذه الكلمات عليك، ولكن لابد أن تعلم جيدًا أننا لسنا أفضل، ولكن معاناتهم أكثر منا بمراحل هذا أمر لا شك فيه، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن ما سبب هذه المعاناة؟ هل الحاكم الذي يعتقد أنه ظل الله في الأرض ويقتل ويسرق ويتفنن في التنكيل بشعبه أم الشعب الذي غايته الوحيدة أن يحيا حياة أدمية (منتصب القامة أمشي على رأي  الفنان مارسيل خليفة)؟ لماذا الحكام في بلاد العرب عندما يجلسون على كراسي الحكم يلتصقون بها ويتشبثون به لدرجة تجعلهم يرون أرواح شعوبهم ليس لها قيمة بالنسبة لهم؟ أي يتشبثون بالسلطة ولو كان على أرواح شعب كامل باستثناء بالطبع الجوقة المحيطة بكل واحد فيهم، هل هذا يرجع السبب إلى زيادة سمنتهم أثناء حكمهم؟؛ فيؤدي هذا إلى التصاق مؤخراتهم في كراسي الحكم؛ فنحتاج أن نخلص الكراسي من مؤخراتهم ونخلص أنفسنا مع الكراسي؛ هذا أحتمال وارد هو الآخر!

لا أقصد أن أستخف دمي الثقيل، فأنا أكتب لك وأنا في غاية الحزن لما وصلنا إليه، بل الأكثر تعكيرًا لصفوي هو المبادئ التي تطرح أرضًا في سبيل جني المصالح، نعم فصديقي الذي كان ينتمي لحركة 6 أبريل والأن أصبح ينتمي إلى حزب من الأحزاب الضليعة في التزلف للنظام الحاكم، مثال يدعم مزاعمي، أعلم أنك ستقول لي إن هذه طبائع الأمور في مصر، ويجب عليّ أن أتقبلها كما هي، بالفعل سأحاول أتكيف معها إلى حد ما، ولكن ما يقلقني فعلًا أن هذا يصبح منهج حياة يتوارث من جيل إلى جيل؛ فالأجيال الصغيرة يترسخ في عقولها أنه لا يوجد شيء اسمه مبادئ أو كرامة أو حق أو عدل، والقناعة الوحيدة التي تسيطر على عقولهم هي أنهم لكي يصلوا إلى مآربهم ينبغي عليهم التملق دون العمل على أنفسهم.

عزيزي المواطن البسيط أينما كنت، أشكرك على سعة صدرك التي جعلتني أبوح ببعض ما في صدري، لذا فحتى لا أطيل عليك، لا أجد ختامًا أفضل من كلمات الشاعر أحمد فؤاد قاعود:

«المجتمع زى الرصيف
وسخ
ولازم يتكنس
فيه ناس بتعرق ع الرغيف
وناس بتعرق م التنس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

آيل للسقوط
منذ 4 أسابيع
المرأة