من الأحاديث التي يتم الترويج لها بقوّة عند المسلمين، حديث خير القرون، أي أن هذا الحديث المزعوم والمنسوب إلى الرسول عليه السلام، يقول إن الفضل مرتبط بالزمان فقط (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ)، ولأن المسلم لم يتعلم في المدرسة كيف يفكّر وكيف ينقد الواقع، أصبحت حقائق الدين ومرتكزاته عبارة عن أشخاص يسلّم لها بالخيرية المطلقة ويستسلم أمامه استسلامًا مطلقًا، لذلك في بادئ الأمر يظهر للمسلم أن السلفية تتعامل مع النصوص القرآنية وكأنها تركة ورثتها من الآباء والأجداد، فتحس منها نزعة احتكار الفهم واضحة جدّا، لكن في الحقيقة هذا الفهم أصلًا ليس فهمهم، فلم يسبق للسلفي وأن أعمل عقله في النصوص القرآنية، أو أبدى رأيه في قضيّة فقهية، بل السلفي هو رجل متقيّد بفهم معيّن للنص القرآني ويراه صالحًا لكل زمان ومكان وحتى إن عارض الواقع الذي يعيش فيه، متشبّثًا بالأسطورة التي يرددها «القابض على دينه كالقابض على جمرة»، المهم لسنا هنا لمناقشة السلفي بل سنناقش مسألة خير القرون وسنبرهن أن الفضل لا علاقة له لا بالزمان ولا بالمكان مثلما يدّعي السلفي.

عند الرجوع للنصوص القرآنية والكثيرة، بل وحتى من الأحاديث النبوية نجد أن الله تعالى لم يفرّق بين أمّة وأمّة ولم يجعل زمن الرسول هو أفضل الأزمان، «لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا» (125 سورة النساء)، بل ورد على الذين يقدّسون محمد عليه السلام قائلًا «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» (144 آل عمران)، فهذا قانون الله الذي يسري على البشر جميعًا دون استثناء، لكن العقل السلفي يرفض تقبّل هذه الحقيقة، وهذه من المكابرة المعروفة عنده، فهو يرى الجميع على خطأ وهو فقط على صواب معتمدًا على أكبر مرض يسيطر على العقل العربي وهو الجهل، فراح يبالغ ويخترع المناقب في شأن الصحابة بل اختلق لهم حتى الكرامات التي تبكي المسلم من الضحك، كالأسطورة التي نشروها حول أبي مسلم الخولاني والذي قالوا عنه إنه مشى فوق الماء! كما يرفض تطبيق أحكام الجرح والتعديل التي اخترعها بنفسه في الرواية، فأصبحت صحبة الرسول ناسخة للكبائر والجرائم مثلما قالوا عن الحديث إنه ناسخ للكتاب.

لن نبالغ إن قلنا إن ممن صحب الرسول كان منهم الفسقة والمنافقون، بل ولم يكن الرسول على علم بنفاق أصحابه، والله تعالى يقول «وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ» (101) وقال أيضًا «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» (155)، والقرآن تحاشى ذكر هؤلاء الصحابة بالأسماء ترفّعًا منه، بل وحتى أكثر الناس صحبة للرسول عبد الله بن مسعود لم يكن يعرف أسماءهم، لكن العقل السلفي يتغاضى عن كل هذا ويزعم أن الصحابة كلّهم عدول وعلى قلب واحد من الشريعة، ويبدو أن السلفي قد أخذ دينه من النفاق، إذ يرمي كل هذه النصوص وراء ظهر ويأتي ليخطب أمام الناس جاعلًا هذه الدنيا قد خلقت من أجل طائفة معيّنة من البشر.

وبما أن نصف الدين السلفي مبني على المغالطات والنكاية والهلوسة للعقل والمنطق، تكاد تحسّ أن فقههم مبني على نفس نظرة الأمويين لخصومهم من آل البيت وسائر المعارضين من الخوارج والمعتزلة والإباضية وغيرها من التسميات التي تحمل في طيّاتها الذمّ والتحقير، فيلجؤون إلى تبرير مواقف وجرائم الدولة الأموية مهما بلغت درجة فظاعتها، فلا يستطيع أن يتبرأ من معاوية بن أبي سفيان وولده يزيد اللذين لم يمنعهما إسلامهما من قتال آل بيت الرسول وجز رأس الحسين، رفقة مساعده السفّاح الحجاج بن يوسف الثقفي الأموي أعدم من العراقيين مئة وعشرين ألفًا واستباح نساء المسلمين وفي عهده تم ضرب أقدس المقدسات الإسلامية الكعبة بالمنجنيق وبعد ذلك يخرج علينا ابن كثير ويقول: «إن يومًا واحدًا من أيام معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته»! لا لشيء إلا لكون معاوية صحابيًا وعمر تابعيًا، بالرغم من كل ما اشتهر به عمر من تقوى وعدل، بحيث تكون مقارنته بمعاوية في واقع الحال كمقارنة ملاك بشيطان! ولا يستطيع أن يعترف أن من قتلوا الصحابي عثمان بن عفان ودفنوه في مقبرة يهود هم صحابة، فمن يرضى أن يكون هؤلاء الناس قدوة لهم ولأبنائهم؟ نحن لا ننكر تواجد بشر أنقياء صحبوا الرسول ووقفوا معه في أحلك الظروف ودفعوا دماءهم من أجل الدفاع عن الإسلام وعن الرسول، لكن هذا لا يعني تقديسهم وجعل زمانهم من أفضل الأزمان، وهم الذين عادوا إلى سفك الدماء بعد موت الرسول، فلو كانت المشكلة في الألقاب ومدح الصحابة وفضل كل واحد منهم على الإسلام والمسلمين لكان الأمر عاديًا، ولكن أن يصل الأمر إلى تقديس السابقين وتسفيه اللاحقين لمجرد صحبتهم للرسول ورؤيتهم له فلعمري تلك هي المصيبة والفتنة.

فمناهج الفقهاء التي عرضت السيرة النبوية صوّرتها بلا أخطاء وذنوب وبذلك نزعوا البشرية من الصحابة ولا ندري أين الضرر على الإسلام عندما نقول إن الصحابي الفلاني أخطأ، ولا يمكن إنكار أن الأحاديث التي تعظم من الصحابة وتجعلهم فوق البشر هي أحاديث اخترعت في العصر الأموي من طرف مجموعة من الفقهاء تقربًا لبني أمية، فحتى التعريف الذي وضعه علماء السنة للصحابة هو تعريف يهمل سيرة الصحابي وأفعاله وصدق إيمانه فالصحابة عندهم من رأى الرسول ولو ساعة فيقول البخاري: «من صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه» (تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير لابن الجوزي ص 101) فبهذه الطريقة يصبح المنافقون الذين صاحبوا الرسول ومن اشتهروا بالبغي والفجور صحابة كرامًا! لقد ذبحوا الصحابي سعد بن عبادة الذي رفض مبايعة أبي بكر ثم كذبوا واخترعوا خرافة تقول إن الجن هي التي قتلت سعدًا، بل وذهبوا بعيدًا في نسج الخزعبلات وقالوا إن الجن أنشدت شعرًا عندما قتلته (نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة/ ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده!)، فلا ندري ما مشكلة الجن مع سعد بن عبادة وماذا فعل لهم لكي يقتلوه!

صراحة لن تجد أكذوبة خير القرون صدى عند المسلمين إلا عندما يسود الجهل في مجتمعاتهم، لأن الله أكّد في القرآن أن الأنبياء والصالحين في أي زمان هم أقليّة في أقوامهم، إن العبرة هي في خيرية الأخلاق وليس في خيرية الأزمان، والدين الإسلامي عبارة عن رسالة عالمية لكل البشر، وليس رسالة إلى خراف العرب الضّالة وحدهم، وللأسف حتى من اخترع هذا الحديث الكاذب لم يحسب حسابه جيّدًا، ونسي أن فور وفاة الرسول سيعود العرب إلى عاداتهم القبلية، وستظهر
المعاصي والمنكرات في الدولة الأموية والعبّاسية بشكل لا مثيل له، فكيف يكون زمن الصحابة هو خير الأزمان وهو الذي شهد أكبر حركة ردّة عن الإسلام، وهو الزمن الذي شهد ذبح الصحابة لبعضهم البعض في موقعة الجمل والنهروان، وهو الزمن الذي أظهر المكر والخبث الدفين في بعضهم والاستعداد للتخلّي عن الأخلاق من أجل التشبّث بكرسي الحكم؟ وما رأيكم إن قلنا أغلب الصحابة الذين يدافع عنهم السلفي ويتّخذهم مطيّة لتكفير الأمة وكل من يحاول انتقادهم أغلبيتهم من الطلقاء وليسوا من خيرة الصحابة الأكثر إسلامًا منهم طولًا وعرضًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد