كنت في طريق العودة إلى البيت عندما لاحظت بجانبي الطريق السريع مزدحمًا بصور اللصوص سارقي رمضان من ممثلين ومهرجين. يبدو أن موسم العسل المتشرب بالسموم قد أتى، وبدأ الباعة يفرشون بضاعتهم كالعادة. لم أكترث، لكن ما لفت نظري فعلًا، بل وصدمني، لافتة يتصدرها داعية إسلامي مشهور، تحمل عنوانًا بخط سميك: الإنسانية قبل التدين.

لفت نظري السماجة والصراحة الفجة بين حروف الكلمات الثلاث، وكأنه يقول: اسمعوا، أنا عالم دين، لكنني أقول لكم دعوا أمر الدين جانبًا الآن. سنناقش أمرًا أهم، أمرًا هو المنبع الرئيس وليس الدين كما تظنون؛ دعونا نتحدث عن الإنسانية التي هي مصدر الخير والسلام، ثم يأتي التدين ليكملها، أو أن التدين قد يحتوي على بعض الثغور، فهيا نسدها بالإنسانية.

العلمانية تأمر، فنقول سمعًا وطاعة

لوهلة فكرت: كم مليونا من المسلمين العوام أو عابري السبيل سيرى هذا الكلام وقد لا ينكره؟

الأسبوع الماضي شيخٌ يكفر النصارى ويقول كلمة حق في الدين – هرمنا والله من أجل أن نسمع مثلها – ثم ما لبث أن انكشف ثغر واسع من الجهل بالعقيدة لدى المسلمين المعاصرين. ثم ما كان بعد محاولات تشويه العقيدة إلا الانتقال إلى ركن آخر من أركان المؤامرة. جاء مثقف كريم وقرر أن الوقت مناسب وأن العوام بحاجة لتسليط الضوء على ما يدّعي أنها نقاط سوداء في تاريخهم، ليطعن في قائد عظيم وراء آخر، خاتمًا كلامه أن يا مسلمين، حضارتكم قامت على يد العلماء كالجزري وابن النفيس وغيرهم، ولم يكن للقادة العسكريين أي أهمية إنما كانت تدفعهم أهواء شخصية.

فحتى ما كان يربطنا بهويتنا من تاريخ يحافظ على بصيص انتماء بداخلنا، ها هو تُشَنّ عليه الحرب كذلك.

ثم يتبعهم شيخ مبجل بالتضامن مع الخطة طويلة المدى التي تتبناها مؤسساتنا التعليمية حاصرة التعليم والخطاب الديني في أخلاقيات الدين – بل وبشكل نظري لا يتعدى الورق –، ليقرر أن الوقت قد حان ليقبل المسلمون فكرة الإنسانية قبل التدين – أو قد ننبذ التدين ونكتفي بالإنسانية لاحقًا – لتبدو لنا الأمور في صورة مغايرة للحقيقة، لتنال العلمنة منا.

لماذا نتحامل على الإنسانية؟

قد يظنّ البعض أنني أتحامل على الإنسانية بشكل كبير، إذ ربما لا يكون هناك تعارض حقيقي بين الأمرين –الإنسانية والتدين– لكنه طبع العسل، لا يعرف فيه السم إلا بعد تجرعه والموت بدائه، فدعونا نحرر المصطلح لندرك أبعاد الأمر.

بدايةً، لا بد أن نفرّق بين مفهوم الفطرة الذي هو جبلة الإنسان والطبيعة السوية التي خلق عليها والذي هو التدين بالأساس –في قول الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) سورة الروم– وبين مفهوم الإنسانية.

أطلقت الإنسانية في البداية على منهج الدراسة الكلاسيكية التي تقدمها المدارس الألمانية. وبعد الثورة الفرنسية، انتشرت الإنسانية، باعتبارها فكرًا يقول إنه من الممكن إيجاد الفضيلة الإنسانية بواسطة العقل البشري دون الحاجة إلى الأديان، لأنهم وجدوا أن حياتهم لا تنتظم إلا بوجود الأخلاق الاجتماعية. وقامت بين مؤيد لها مثل التنويريين، ومعارض لها بوصفها تأليها للبشر مثل المحافظين. مبادئ الإنسانية مرتكزة على العقلانية التجريبية (التفكير والاستدلال) واللا مذهبية، والمساواة، وعدم التعرض للديانات الأخرى بالنقد. لا تشترط الإيمان بإله معين ويكفي التراث البشري من مراجع وكتب وروايات. المحور هو الضمير البشري والخبرة الحياتية والفردانية، والمرجع هو القانون الوضعي، والغاية فصل الدين عن كافة جوانب الحياة، حتى عن الأخلاق.

فنجد أن الإنسانية نشأت بالأساس هروبًا من قيود التدين. لا تحبّذ الانتماء للعقائد ولا التاريخ، ولا تحبّذ أن يعيش المرء من أجل فكرة، بل هي غاية في السلبية. مَن صدّروها لنا لا هدف لهم سوى نزع الهوية ليزرعوا مكانها من الأفكار ما يرونه مناسبًا لوضعهم السلطوي. هل تساءلنا إلام يرجع الإنسانيون في حُكمهم على الأشياء إلا لأهوائهم الشخصية ونظرتهم القاصرة؟ لا يجب أن نغفل عن هذه الحقيقة.

فهيهات أن يمتنع امرئٌ عما يجلب له المنفعة إلا إذا آمن بالرقيب وباليوم الآخر. هذا لا يُعدّ منطقيًا أصلًا.

ثمّ ها نحن عشنا لنرى المسلمين تنزع منهم القوة شيئًا فشيئًا تحت مسمى الإنسانية. هكذا نشأت الإنسانية، وتصدرت لنا بوصفها غاية الدين الوحيدة، فكان من السهل الآن أن نهمش الدين بالكلية في مقابل الإنسانية. ليس مهما أن تعرف من أين أتيت، ولا إلى أين تعود، ولا حتى لماذا. ليس مهمًا أن تؤمن بالله كما هي فطرتك، ليس مهما أن تعمل من أجل عقيدة، ليس مهما أن تفهم الغاية الحقيقية من خلقك!

بدلا من ذلك كله، سنروج لمفهوم التعايش السلبي. سنخبر المسلمين أن القوة شر على المجتمع، هم لا يجب أن يكونوا أقوياء فكريًّا ولا عسكريًّا، يجب أن يكونوا سلبيين لا أكثر. يجب أن يبقوا إنسانيين، لا يغضبون لدين الله، متسامحين مع من يزدري دينهم، لا يردون على أعدائهم، لا يعظمون عقائدهم، ولا يسعون للتمكين، حتى يصيروا سكارى أو عرائس خشبية. فالقوة عنف، والانتماء إرهاب، وخدمة الدين غسيل أموال وفتنة. أفيقي يا أمة، فالحق بحاجة إلى قوة تحميه!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد