الديمقراطية كلمة تتردد إلى مسمعي كثيرًا ولكن ليومي هذا لم أرَها، باختصار لأني مواطنٌ عربي أولًا ومن ثم سوري والديمقراطية ليست من حقي أنا الإنسان ولا يجب عليّ أن أطبقها لأني ممنوعٌ من ذلك.

فمنذ أن كنت طالبًا في المدرسة الابتدائية أو حتى الإعدادية مثلًا كنا بعد أن نقوم بتحية العلم يصرخ الأستاذ «بالروح بالدم نفديك يا بشار» ونبدأ أنا والطلاب بترديد ذلك الشعار لأكثر من 12 سنة دراسية.

آل الأسد وحزب البعث الاشتراكي حرموا الشعب السوري بأن يعيش التغيير ومحروم بأن ينتخب أو يعيش حياة بطعم الديمقراطية مهما كانت بسيطة وحتى وإن كانت كاذبة، ففي سوريا لا تغيير ولا انتخاب فآل الأسد هم المنقذون وهم أهل الحركة التصحيحية وهم أهل الإنجازات وليس هناك مثيلٌ لهم في الخمسةِ والعشرين مليون سوري.

كنت طالبًا وأهتف لذلك الرئيس وبأن يعيش الرئيس رغم أني لم أرَ شيئًا منه فلم أرَ مثلًا أن يحفز سيادته الأطفال بتعلم القرآن أو بالذهاب لصلاة الفجر بالمساجد ويحصلون بالمقابل على دراجة هوائية، أو لم أر أن من يتفوق بالمدرسة يذهب إلى عمرة من نفقات الدولة إنما الذي كنت أراه عندما يتفوق أحد الطلبة أو يصبح رائدًا في مجال معين يذهب أحد الأعوام إلى ما يسمى بطلائع البعث وليس من أجل شيء إلا كي يهتف هناك «بالروح بالدم نفديك يا… وعاش حزب البعث العربي الاشتراكي وعاشت طلائع البعث».

الحياة بطعم الديمقراطية جميلة جدًا، ففي تركيا مثلًا هناك العديد من المرشحين للرئاسة والعديد من الأحزاب المرشحة للبرلمان وأما دور المواطن التركي فهو أن يعيش الديمقراطية وأن ينتخب من يشاء ويعطي صوته لمن يشاء دون خوفٍ بأنه سيذهب إلى مكان لا يعلمه إلا الله أو سيبقى بالسجن طوال حياته أو سيموت من كثرة التعذيب.

فالمواطن التركي مثلًا يمشي في الطريق ويرى سيارات الحملات الانتخابية لجميع المرشحين وعندما يرى مرشحه وحزبه الذي وضع فيه كل ثقته بأنه سيغير حياته للأفضل وسيقدم له الكثير يبدأون بتبادل الشعارات والإشارات، بينما لو رأى حزبًا آخر يكمل طريقه حتى بدون ابتسامة ولا يكلف نفسه بأن ينظر إليه بالأصل وذلك فقط لأنه يعيش حياة بطعم الديمقراطية.

فلا أذكر يومًا أن أبي أو أمي أو أي شخص سوري ذهب للانتخابات حتى ولو كان مرشحًا وحيدًا فالحمد لله ولأنهم يريدون راحة المواطن في سوريا الرئيس يُرشح وينتخب ويفوز بنفسه ولنفسه.

ففي سوريا أيضًا وليومنا هذا لو كان أستاذ أو دكتور يريد أن يعطي مثالًا عن الديمقراطية لذكر دولة غربية أو أي دولة أخرى غير عربية. وذكرت مثال تركيا لأني أعيش فيها وأرى ما يحدث ولو لم أبالغ في الأمر فبعض الأحيان أصبح سعيدًا وخاصة بعد أن بدأت أفهم ما معنى الانتخابات وطريقتها ومعنى الديمقراطية وكيف تُعاش حتى وإن كنت لاجئًا، فمن يرى الأتراك كيف ينتخبون ويعيشون الأيام الانتخابية يظن أنهم مشجعون لفرق كرة قدم وليس لأحزاب سياسية.

ما كنا نحتاجه في سوريا الكثير ولكن ربما كان أبرز احتياجاتنا التقليل من الفساد والسماح بالتعددية السياسية والحزبية، وأيضًا ما كنا نحتاجه التغيير في كل المجالات ورأيت أشخاصًا وسياسيين جددًا كي نرى ماذا سيقدمون لنا، فوصلت شرارة الربيع العربي وخرجنا وانتفضنا بعد عقود ولكن للأسف إلى أيامنا هذه لم نعِش تلك الحالة ولم يطرأ أي تغيير فالائتلاف والحكومة المؤقتة والكثير كغيرهم من أعضاء حزب البعث فالشعب السوري اليوم وبعد ثماني سنوات من الثورة لا يستطيع حتى أن يقوم بانتخاب رئيس لمجلس محلي لقرية أو حتى أي منصب آخر لا في الداخل ولا في الخارج.

والشعوب التي لا قيمة للإنسان فيها والتي تفدي بالروح وبالدم جلَّاديها لن يرحمها الآخرون فالديمقراطية حق لن يمنحنا إياه أحد وإنما يجب أن نأخذه نحن غصبًا، فما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة وحان الأوان كي نكفّ عن تمجيد رجال السياسة كان من كان كي نستطيع تغيير أنفسنا أولًا ومن ثم دولنا، فالشعب العربي الفشل يُلاحقه حتى في مسيرته الرياضية فنحن لا نستطيع أن نعيش حياة بطعم الفوز أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد