ظِل طائر خفيف بين الروتين والتحرر

من الروايات من تقف على أساس ثابت كجلمود صخر؛ تقرر هدفها، وتؤكده بوضوح، ومنها من تلتف بالمواضيع الكثيرة؛ فتكثر أهدافها، ولا تستطيع أن ترى بعين الحقيقة ما تعنيه، إلا بعد شحذ الذهن، والتفكير مليًا في القصة، قد يطول بك، مع صغر النص وتحديده.

ظل طائر خفيف؛ على الرغم من صغر حجمها، أتت من ذلك النوع؛ الذي يحتاج لأكثر من مجرد قراءة واحدة، بسيطة؛ لكي تفهم السؤال النقدي المقدس، لماذا كُتبت تلك الرواية؟

القصة

البطلة امرأة ملولة من الملل، حياتها متآكلة ذائبة في اللا شيء، حياة روتينية من اللا أهمية؛ فهي تبحث طوال النص عن جدوى حياتها، لماذا تقرر أن تأتي لهذا العالم؟ وكيف يمكنها الاستمرار؟

زوجها يشكل القيد الوحيد الرابط لحياتها دائمًا، هو المركب المسيطر على حياتها، ولكن هذا ظاهريًا؛ فهي من جهتها لا تطيعه، ولا تقبله، تفكر بالطلاق، وتحاول التحرر من الملل؛ بالانغماس في الملذات، والسعي وراء الغريزة، بشكل فج، وتحرير الذات؛ ينتج العواقب التي تكون دائمًا وخيمة على النفس، وقبلة الآلام لا ترضخ لها، وسيقتلك البشر على هذا.

فهل تغرق من وراء استسلامها الدائم للغريزة، أم ترجع للحياة المملة الروتينية؟ ومن سيتحمل تلك الآثام؟ وهل العالم يهتم بتلك الشخصية العادية؟

الحبكة

قد نقول إن الرواية بلا حبكة تقريبًا، فتأتي قفلتها سريعة متلاحقة، باعتبارها ضوءًا ينعكس بغتة على اللؤلؤة، فينيرها من الداخل بسرعة، حتى لا تدرك أنه أنارها، ستتحرر من إثمها، ولكن بطريقة مبتكرة سريعة، تنتهي قبل أن تبدأ.

البنية السردية

اعتمدت الرواية على أسلوب تيار الوعي، لبطلة الحكاية، ومن تحكي عنهم؛ فهذه التعددية السردية مع هذا الأسلوب؛ أتت جاعلة النص منفصلًا من الداخل، إلى جزيئات، ومع ذلك بدأ شبح الراوي العليم ظاهرًا، يحاول لحم النص في آلية واحدة وأكبر، وقد جاءت الجمل سريعة وقصيرة بالفصحى، منمقة وموجزة، تتسارع خلف بعضها، بإيقاع رقصة التانجو، مثل الماء الجاري فتعطي وضوحًا للنص؛ النص موجز بشكل كبير، تغطي كلمة محل جملة، وجملة محل فقرة.

اقرأ مثلًا هنا:

«هو لا يتحدث معي، وأنا يقتلني الفضول، مضغوط نفسيًا، يتحرك بعصبية، ويتنفس بصوت، سمعته في نومه يصرخ، هو السبب! قام مفزوعًا، أريد أن أعاتبه على ما حدث، لكن علام تحديدًا؟».

هكذا ترى كيف هي سرعة الجمل وقصرها.

الشخوص

لم يسم الكاتب أيًا من شخوصه باسم، لدينا الطبيب النفسي، وهو يحب البطلة، ويشفق عليها، ولكن يخاف، هو مثل أي طبيب.

وزوجة الطبيب، يمكن أن نطلق عليها العاهرة البتول، الشخصية المحرضة دائمًا، في نظر الجميع، ولكن هل هي كذلك في الحقيقة أم ماذا؟

والشاب اللطيف، دور المنقذ الطيب في النص.

والسباك؛ الآثم الذي ارتكب المعصية الكبرى؛ لذلك على الرغم من فساد كل الأبطال، يوصف هو بالعار .

زوجة الطبيب، والبطلة، وكل الشخوص تقريبًا، تتقاطع سيرهم مع بعضها، من سرد البطلة نفسها، في تيار وعيها، ومن الراوي العليم، لأحداث النصوص المتلاحقة، التي تُكوّن قصصًا منفصلة، تتجمع سويًا في المحصلة مكونة تلك الرواية.

اللغة

فصحى لم تتمسك بالمحسنات اللغوية، بل أتت باعتبارها نثرًا موجزًا للحكي، معتدلة قليلًا، حاول الكاتب قدر إمكانه، جعلها تخلو من الألفاظ العامية، والصور البلاغية الكثيرة.

المغزى

أظن أن الرواية تُبين فكرة نظرة المجتمع للإنسان، اهتمام الناس من عدمهم، وعلى ماذا يقوم، فالناس يضعون أحلامًا مسبقة، كثيرة ودائمة، لا يرون بعيون بعضهم.

رواية خفيفة تُقرأ في جلسة لا بأس بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد