بين مطرقة القانون وسندان الواقع يجد الشاب التونسي نفسه يتلهف ويتلهث ليعيش واقعه كما يراه فيجد المطرقة بالمرصادة أيقبل على الحياة أم يكتفي بقليل من الرغيف، وشربة ماء يروي بها ظمأه أو يصارع القانون؟

عند النظر إلى الخيار الأول تجد أن المجتمع التونسي وبالتحديد فئة الشباب تنقسم إلى نصفين؛ شاب خانع لا تسعه إلا غرفته المليئة برائحة دخان السجائر وفراشه الذي لا يزاوله إلا لدخول الحمام، لا يستيقظ إلا لمشاهدة أفلامه الإباحية، أو لتناول الطعام، لا يسلط أوامره إلا على أم أرهقها التعب، تطبخ ما تسير، أو شاب يعاني الأمريين ليتحصل على بعض الدنانير، لا يرحم من رئيسه في العمل، ولا تجازيه تلك النقود، أتجازيه شقاه أم تحمله الإهانات؟ يغادر عمله في ساعات متأخرة بحثًا عن الراحة يجد أمًا أو أبًا مريضين يحتاج لدواء، وأختًا تريد الدراسة، وثلاجة فارغة، ونقودًا لا تكفي أي راحة يرجوها هذا الشاب؟

رغيف خبز وشربة ماء هكذا أمر الحياة لا فرق بين سن العشرينات أو الثلاثنات أو أقل من ذلك فالحال واحدة ولا فرق بين الشاب الأول والشاب الثاني فالنتيجة واحدة: رغيف خبز وشربة ماء، ولا فرق بين الحقول التي ينتهجها الشابان والتي أغلبها تكون المطرقة.

يهرب الشاب من سندان الواقع وحلقاته المفرغة ليجرب المطرقة يحاول الشاب الأول كسر بعض قيوود هذه المطرقة فقد مل التسلط على أنه الضعيفة وتعب من رتابة الحياة فيستهلك المخدرات ثم يروجها ليكسب المال أو يفتح مع صديقه دار للدعارة يفجر من خلالها ما تعلمها في غرفته المظلمة فيجد القانون بالمرصاد جنح ومخالفات وجنايات استهلاك ترويج واستهلاك فلا يقف دوي سيارات الأمن عن البحث عن هذا الشاب ولا ينتهي حكمه في ذلك السجن حتى يحن لغيره وبذلك يكون القانون قد سلط مطرقته وكسر عنف شاب أصبح شيخًا دون أن يتغير واقعه رغيف خبز وشربة ماء.

أما الشاب الثاني لا يقدر على خرق قيمته وأخلاقه، وتسيطر عليه الأنا للأعلى فلا يخرق القانون لامتهان البغاء أو المخدرات، بل يبحث عن الطرق التي يمكنه من خلالها امتهان المهن الشرعية يريد فتح كشك فيجد القانون بالمرصاد رخيص وما يليها.. يريد استغلال ما تعلمه في المرحلة الثانوية واسترجاع ما فهم من مواد ليدرسها لبعض أطفال الحي يوم.. شهر.. حتى يبلغ أحد الجيران فيجد القانون بالمرصاد، رخص وإجراءات تطول كلما أراد هذا الشاب كسب رزقه بما تيسر، وجد المطرقة بالمرصاد، فينظر إلى خيارين: أيترك عائلته دون مال؟ أو يخرق القانون؟ يثور، بالتأكيد لن يتردد لحظة واحدة قبل ملامسة المطرقة، يتقاسم وضعها مع رفاقه ويغوص في عالم السوق السوداء. فيبيع ما تيسر من السبع التي تفرض ضرائب عالية بأقل الأسعار الرسمية.. شهر فعام فأعوان حتى يتقن هذه المهنة ويجمع ما أراده من المال هذا ما خيل له، لكن السندان غير ذلك يجد القانون بالمرصاد لا ينقضى شهره الأول حتى ترتصف سيارات الأمن أمام منزله ونشهد نفس المعادلات رشاوى وعطاءات.. جنح وجنايات.. فيجد الشاب نفسه ثانية بين حدي المطرقة، إما متهربًا ضريبيًا أو راشيًا، وفي الحالتين أشهر وأعوام من السجن.

نفس الشاب الذي ترك أما مريضة أنتظر الدواء ورغيف خبز وشربة ماء اليوم تحمل تلك الام رغيف الخبز للسجن وقد يحالفها الحظ وتخونها صحتها فتعجز على الوصول فيتقبل الشاب خبر الموت دون أن يقدر على حضور حتى الجنازة. تعود العجلة من جديد ويبسط السندان كفيه، أينقم على عذاب قضبان السجن أم على حرقة فراق الأم دون رؤيتها، ويتلاقى الشابان في غياهب السجن ويتقاسمان رغيف الخبز وشربة ماء.

شابان تونسييان من فئتين، لكن النتيجة واحدة سندان الواقع ومطرقة القانون.. مطرقة قضت على شابين ابتلعهما السندان دون رجعة.

هل سيكتفي السندان أم أن المطرقة لم تعلمه الاكتفاء برغيف خبز وشربة ماء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد