بعض الطقوس الزوجية لا تخضع للحقوق والواجبات، وإن تحولت بعد ذلك لبعد ثقافي خاطئ، المهم إن الثقافة تصنع الهوية وهي كيان متفاوت ومختلف باختلاف الأحوال والأعراف، حتى يصبح كل شيء جزءًا منها حتى الدين، وهي فلسفة تنزع من المعاني ما تريد، فتتلون حسب درجة حرارة المكان وأبعاد الزمان وتركن للثبات باستقرار بنائها.

ترى الزوج هائمًا على وجهه يبحث عن حياة مناسبة لاحتياجات أسرته وطموح رجولته، ولا يذكر زوجته أبدًا، لكن رائحة أناملها في قميصه النظيف وكتبه المرتبة ونكهة طعامه المميز، يسيح في الأرض، ثم يصعد لسمائها كالمسيح، تنسج ذريته وتربيه لتربيهم، وهي بذلك تزرع هويتها من جديد، لتكون مجتمعًا تسري فيه كالشريان والوريد، والهوية هي الأنا وإن كان الزوج الأنا العليا للبيت فهي أناه ولب قلبه، إن الزمن كفيل بصناعة تفاصيل لا تمحى، وهنا تتكون الثقافة لمجتمع الأسرة وتمتزج بالمجتمع الأوسع مجتمع الدولة أو القبيلة أو القومية أو العالم، في ثقافتنا الذكورية أو الأبوية أو البطرياريكة.

تتكون الثقافة من بعد عنيف ضد هذا اللب الذي ينبغي له أن يحتفظ برقته، فتتكون الثقافة من هرمون التيستيرون الذي دائمًا ما يحتاج للسيطرة على الأنثى حتى يسري داخل شريان ووريد الأسرة آخذها إلى بعد كبير عن الفطرة، بعد النرجسية المتوارثة والبرانويا.

نجد خلف هذا مخاوف الطفولة والحرمان من هوية مستقلة عن الأم في مرحلة المراهقة الأولى، وربما سلوك الأم الذكوري نتيجة ضغوط الحياة التي لم تنقذها منها نرجسية الزوج، ولم تتكفل ثقافتها الراسخة ببناء عقلية إبداعية مؤهلة لحل مثل هذه المشكلات النفسية أو السلوكية، التي تخاف حتى النظر لها من بعيد أو الاعتراف بها وإن عانقتها!

ويرجع هذا أيضًا لمرحلة المراهقة الأولى، والتمييز العنصري داخل بيئة النشأة، هي مجرد علامة تأنيث زائدة على كلمة ممسوخة ماديًا وباطنيًا، يتحدى المجتمع الفطرة ليفرض على المرأة أوهامه عن كل شيء، وينسى أنها من تصنع الهوية، وأنها مصنع الخلق البشري وربما اكتسبت بذلك صفة إلهية لا يشاركها فيها الرجل، ولكن معضلة الهوية الأساسية هي صراع الذكورة والأنوثة البدائية عندما تتبلور كل إنجازات الذكر والأنثى في أحلام ليلة الزفاف، كإثبات لرجولته التي لم يعد للتعبير عنها بطريقة أخرى لأنه من ربته كانت مقهورة أخرى كهذه المسكينة فقط لا تريد أكثر من إثبات عفتها لتنجو بحياتها! المجتمع الهرمي يعاني من هوية ممسوخة لا تعترف بالمرأة، وإن شرحنا هذا المجتمع بنفس الطريقة الهرمية بطريقة معاصرة من حيث التطور، سنجد أنه يتقدم على الأقل ممارسات فض غشاء البكارة بالقهر اختفت، وإن ظل الختان ضريبة إجبارية تدفعها الأنثى للذكر لتخبره أنها أقل منه في كل شيء، وإن كانت هي بالفعل كل شيء، وتظل هذه المنطقة المقدسة من جسد المرأة المقدسة منتهكة دائمًا، علميًا هو أحد أسباب المثلية الجنسية، فلا تتعجب من شخصية the girl king وبالمناسبة هي قصة حقيقية وإن اختلف مجمل الثقافة بين الشرق والغرب فالذكورة والأنوثة لا تختلف إلا باختلاف اللغة.

من اللطائف أن تجد اللغة العربية مثلًا والتي قال فيها شاعر النيل:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن..

تستخدم كلمات مجردة من التأنيث لوصف الأنثى ونفس الكلمات تصف الذكر، يقول بعض علماء اللغة أن صفات الوظائف التي كانت في بداية ممارستها مختصة بالذكور دون الإناث لا تؤنث، أي أنهم يصفون الوظيفة بالتذكير حتى ولو كانت المرأة صاحبتها، فيقولون عنها :مفتش، ومدير، ورئيس، وطيار، وضابط، وسفير … إلخ.

كذلك تمتنع الأسماء والصفات التي تنفرد أو تختص بها الإناث دون الذكور من التأنيث، أي أنها لا تؤنث (ممنوعة من التأنيث)، مثل حامل، حائض، طالق، طامث، عاقر، قاعد، كاعب، مرضع، ناشز، وناهد.

أما صفات الأعمال المشتركة بين الذكر والأنثى، ويستطيع كل منهما القيام بها فيمكن أن تذكر ويمكن أن تؤنث بحسب الفاعل ذكرًا كان أم أنثى.

وفي حديث رسول الله (النساء شقائق الرجال)

الشق: هو النصف أو الجانب المتماثل في كل شيء مع جزئه الآخر.

وبالنظر لكلمة زوج في معجم لسان العرب وفي القرآن الكريم سنجد أن:

(الزوج هو تعريف النوع)

الزوج: هو الصنف من كل شيء.

الزوج: الفرد الذي له قرين -ابن سيده-.

الزوج: عند النحويين الفرد.

قال الله تعالى «اسكن أنت وزوجك الجنة”

«امسك عليك زوجك».

«اسكن أنت وزوجك الجنة».

«يا أيها النبي قل لأزواجك».

قال بعض النحويين «أما الزوج فأهل الحجاز يضعونه للمذكر والمؤنث وضعًا واحدًا، تقول المرأة: هذا زوجي، ويقول الرجل: هذه زوجي».

وعندما يرسخ هذا المعنى قولًا وعملًا تتكون الهوية الحقيقية.

وما يدعو للاستدلال باللغة هنا أنها كائن حي فطري، ولغة بقوة العربية وأبعادها الفلسفية كفيلة باستحضار وسط جيد للتجربة البحثية، وإن خضع العرب للمنهج الهرمي على مستويات كثيرة نتج عنها وأد للبنات وختان وحروب وسبي، فإن الباحث عن الحقيقة سيجد نموذج خديجة بنت خويلد، ومثال هند، وسيبحر بين الفواطم، وسيصل لعكرشة التي نبهها علي كما قال معاوية!

عندما تتجرد اللغة من التأنيث الموضوع كالحلية الجميلة، نجد أن «زوج» و«وروح» بينهما نقاط زائدة اقتضتها العجمة لمن يهتم بالظاهر دون الباطن، ونجد أن اللغة على حقيقتها الحب، إذ الروح لا تؤنث، بل هي المطلق، تعلم من هم القوم الذين إذا عشقوا ماتوا -قبيلة عذرة أو الحب العذري-.

وتعلم أن اللغة حي يحيا وأن فراسة العرب فلسفتهم المجردة كخطوط البن، وملامح اليد، وحد العين، وأن قصيدة تمدح النبي كان لها أن تبدأ بالغزل!

وأن كل عاشق شهيد، وكل معشوق مشهود، ومن شهد الروح فما عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد