في مراحل حياتنا لا بد من وجود حب كبير، حب مقدس نعيش به ونكتشف العالم من خلاله، حتى نحصل على كياننا، شعور الحب كخامة مجردة لباقي المشاعر الإنسانية والأحداث هو المصدر الأساسي لاستمداد طاقة الحياة والوحيد أيضًا.

اتفقنا أن الطاقة التي نحيا بها هي الحب، ومنذ كنا أجنة أحبنا الله وحفظنا لأنه يحبنا، ثم جعل الأم خليفة له في إصدار حب مباشر للطفل، ورغم آلامها إلا أنها تستمتع بأن تكون مصدرًا للحب، ثم يأتي دور الأب فيتفاعل مع الطفل ويعطيه أيضًا حبًا، وفي ظل الرعاية الإلهية ينمو الطفل، فإن قصر أحد الآباء في الرعاية أنتج خللاً في النمو، كل ما هو سلبي هنا كان نتيجة خلل في النمو، وكل خلل في النمو كان نتيجة خلل في الحب، وأية جريمة أبشع من أن تفسد منبعًا لمصدر الطاقة الأساسي، أنت جاهل وظالم عندها، وأنت أيضًا إنسان مكرم عند حفظ الأمانة وإعداد إنسان آخر مؤهل لأن يتحمل أمانة طفل.

أطفالكم هم الأمانة وامتداد خلافة الله في الأرض، إنهم صورة الجنة التي تجلت على الأرض عندما هبط آدم.

تستطيع أن تشعر بأن العطاء أساس للحب، أو أنه ناتجه المنطقي، بل تراه يده البناءة ولغته المسموعة وصورته الجلية في مراحل الحياة المختلفة يتفاوت العطاء بتفاوت مسارات الحب بين الإزهار والجفاف.

سيدى كل كلمة ونظرة تبني في صفحة طفلك البيضاء بيتًا لا سطرا، إنه الأرض الخصبة كما خلقها الله فانظر ماذا تبني؟

هل رأيت طفلاً يبخل على والديه بقبله أو عناق؟

متأكدة أنك رأيت أبًا أو أمًا لا يرد إلى ذهنها ذلك، لأنهم في مثل فطرة أولادهم في مراحلهم الأولى قتل داخلهم الشعور ودفن، فحرمنا على الولد البكاء، أرهبنا البنت من فكرة الحب وكأننا نهرب من فطرتنا التي آلمتنا يومًا ورأينا أن وأدها في أطفالنا هو النجاة لهم، ولكن بذلك نحن نشرد الإنسانية نشردها في طرقات الأذى المنتهية بالموت ولا تخلو من ألم واضطراب نفسي.

فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه من لا يَرحم لا يُرحم».

إننا نسعى لوراثة كل شيء مصطنع من صنيعة الآباء والأجداد، لا نفكر بمنطق الصح والخطأ النسبي المرتكز على القلب والعقل معًا، أورثنا الله الجينات الإنسانية ورزقنا الاختلاف وكرمنا بالعقل ونحن نصر على الاستنساخ في كل شيء، حتى أصبحنا بلا شيء، أسهل شيء علينا الخجل من الجميل والطيب والتخلي عنه، بداية من جمال الطبيعة أو الأنثى إلى أفعال الصالحين بادعاء أنهم يخسرون.

وفي هذه النقطة يمكنني أن أعبر بالعامية «بنتكسف»  بصوت ساخر خبيث بعض الشيء.

جيد أن نفكر بمساعدة أبنائنا، ولكن الفوز بالمساعدة الحقيقية، التفكير بمساعدة الآخرين بماذا قد ينتهي؟

هل سينتهى بخذلان أم سينتهي برضا؟!

ولماذا لا نترفع عن مواطن الخذلان!

أعتقد أنه ينتهي بخذلان إذا كنت تنتظر من ذلك شيئًا شخصيًّا، وهي حالة نادرة من العطاء المطلق  نراها مثلاً في أب أو أم يعطيان بلا حدود وبلا مقابل لهدف بعيد المدى إن لم يتحقق شعرا بخذلان الولد أو البنت، لكنهما لا ينتبها إلى أنهم انتظرا شيئًا لنفسيهما، شيئًا قد يكون أنانيًا ولم لا، ومن من يتعلم الجيل كله الأنانية المفرطة؟ لكن النتيجة المؤسفة شعور بالمرارة قد يرى البعض بأن مشاعره السلبية هنا بسبب انتظاره من ابنه أن يصبح أفضل منه كي لا يشعر بألم سبقه إليه هو، غريب أن الألم هو أكثر ما يؤلم الإنسان، أو لكي يفقد فرحًا قد افتقده هو، في رأيي لا أعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي والجوهري، وليس كل ما نتوهمه من أسباب حقيقي، إنه لا يدرك أنه عالق في فشله النسبي في شيء ما بنى عليه جميع آماله، وكأنه الصنم الذي لا ينكسر وإن عجز صنمه عن النطق يجلس بجانبه يبكيه، نعم تتحول الأحلام إلى أصنام من صنع الفشل؛ فنكفر ولا ندري، ونظن أننا على حق، ونظن أننا مؤمنون مثاليون نتبع ما ترك لنا الآباء والأجداد!

ألا ترى معي أن هذه الفكرة أهلكت أممًا.

دائرة مغلقة وعقد لا تنفك فمتى نكسرها؟

متى نمحو شوائب الماضي التي طمست على قلوبنا وأفسدت مكنون عقولنا؟ لماذا يفرض البعض رغباته على البعض ويفرض البعض الآخر رغباته على آخرين؟

ننتقل إلى مرحلة العطاء المنتهية إلى حالة الرضا، حيث يشرق القلب وتهفو عليه نسمات اليقين بفكرة العطاء الإنسانية اللامحدودة، ويضيء العقل بالخبرات التي تجلب أقل ما تجلب لصاحبها الرضا والسعادة، فأنت هنا تعطي دون تعصب لرأي، تعطي وأنت مقدر لمن قبلت نفسه منك العطاء وسيبادلك بالتقدير، وبالتحديد إذا كان طفل زرعت فيه قيمة حقيقية.

ابحث بداخلك عن قفل الدائرة المغلقة للماضي، اكسره واكسر صنم الحلم البالي، واهزم الفشل.

أعانني الله وإياكم على تنفيذ جوهر هذا المقال، وأتمنى أن أكون قد أفدتكم واستمتعتم بالقراءة، «إلى أن نلتقي».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد