كانت خلافة «عثمان بن عفان» ـ رضي الله عنه ـ نقطة التحول الحقيقية لمجريات التاريخ الإسلامي؛ فقد حكم «عثمان» مدة اثنتي عشرة سنة، كانت آخر ست سنوات منها حبلى بالاعتراضات والاحتجاجات؛ على السياسة المالية والسياسة والإدارية لعثمان، تلك المعارضة انتهت بمقتل خليفة المسلمين في بيته.

ومنذ مقتل عثمان، وحتى يومنا هذا، لم تزل الأدبيات والتراثيات الإسلامية تصف الخارجين على الخليفة بأنهم بغاة، وبأنهم عاصون لله ورسوله، على الرغم من أن حزب المعارضة ـ آنذاك ـ ضم العديد من كبار الصحابة، مثل: «أبي ذر الغفاري»، و«طلحة بن عبيد الله»، و«عمار بن ياسر»، و«محمد بن أبي بكر»، وقد مورست بحق بعضهم سياسات التضييق والتغريب.

المعضلة التاريخية الممتدة ـ حتى يومنا ـ في نظام الإسلام السياسي تتمثل في شرعية الحاكم، ومصدر سلطته؛ فبحسب التاريخ، والمعطيات الاجتماعية المعاصرة، يعتبر الخروج على الخليفة عصيانًا لله، وخروجًا عن منهج الرسول الكريم؛ ذلك لأن الحاكم المسلم هو القائم بأمر الله، والحاكم بشريعته، فلا مجال لعزله، أو التحلل من عقدة بيعته، أو مقاتلته، إلا إذا وصل فسقه للكفر البواح، بـ«إجماع العلماء».

في أواخر القرن التاسع عشر، وفي ظل قيام الدول القومية، ومع بزوغ فكرة استقلال الدول عن «الإمبراطورية العثمانية» المريضة، لجأ السلطان العثماني «عبد الحميد الثاني» إلى إعادة فكرة الخلافة، ولقب نفسه بخليفه المسلمين؛ لكى يجذب البسطاء له؛ برمزية مقدسة؛ لإنقاذ دولته، ولإعطاء سلطته الشرعية الدينية.

وبعد قيام الثورة العربية الكبرى، واستقلال العالم العربي عن «تركيا»، وقيام الممالك والجمهوريات العربية المختلفة، كانت الأيديولوجية القومية قد بزغت في الأفق، وتربع دعاتها على ساحات الفكر الشعبي، وخصوصًا بعد احتلال فلسطين، عام 1984، فقامت الثورات، ووقعت الانقلابات العسكرية، حتى أصبح الوطن العربي خليطًا من دول وجمهوريات متفرقة، كان الدافع لها «البقاء في السلطة»، بحجة تحرير فلسطين، وإعادتها عربية حرة، بنفس أسلوب عبد الحميد الثاني تمامًا.

الإسلام السياسي ـ آنذاك ـ لم يكن له وزن أو فاعلية في الساحة السياسية العربية، ولكنه بدأ في النمو، واكتساب تأييد الجماهير العربية، وخصوصًا بعد النكسات والانكسارات التي أنتجها نظام حكم «عبد الناصر»، وبداية تحول الشعوب العربية إلى الالتزام الديني مجددًا؛ بعد انقضاء عصر الحرية النسبي الذي شهدته العديد من الدول العربية، وعلى رأسها مصر وسوريا والعراق، ولكن هذا الازدهار الملحوظ في شعبية الإسلام السياسي بقي محاصرًا، وبلا فاعلية؛ نتيجة القمع والتعذيب الذي تعرض له أقطاب الإسلام السياسي على يد الأنظمة العربية.

ومع اندلاع «الربيع العربي»، وما صحبه من تغيرات مضطربة في الأحداث، كانت الشعوب العربية قد سئمت ـ فعليًا ـ كل ما جربوه من أنظمة الحكم المتعاقبة، فكان الخيار المطروح والأوحد للغالبية العظمى منهم هو الخيار الإسلامي، فاستطاع الإسلام السياسي، ممثلًا في «الإخوان المسلمين»، الوصول إلى سدة الحكم، في كل من «تونس ومصر»؛ رغبة من الشعوب في منح الإسلام السياسي الفرصة لتحقيق الوعود الوردية بـ«الحرية والعدالة الاجتماعية»، النابعة من تطبيق تعاليم الإسلام الحنيف.

في مصر، غلب على معظم قيادات الصف الأول الإخواني التقارب مع التيار السلفي، المعروف بتشدده، والممثل في حزب «النور» السلفي، وذلك بعد تمكن التيار المتشدد، بين الأعوام 2005 – 2010، من إزاحة التيار الإخواني المعتدل، والأقرب إلى نبض، وثقافة الشارع المصري «الوسطية». هذا التشدد الديني والمظهري والسلوكي، لم يتقبله الشارع المصري بأريحية. كذلك ساهم وجود أصوات مغالية في تشددها الديني، ضمن الإخوان، وحلفائهم السلفيين، في تخويف قطاع عريض من أبناء الشعب المصري، ورسم صورة قاتمة للمستقبل، فلم يستطع هؤلاء من إقناع الشباب المصري غير المتحزب أنهم سيحافظون على هامش الحريات الشخصية والسياسية الموجودة.

كما أن الصورة العامة للإخوان المسلمين تعرضت للكثير من الاهتزازات، حتى أصبحت مشوشة ومشوهة، فمثلًا: بعد أن شتمت قيادات الإخوان المسلمين أمريكا وإسرائيل على مدى عقود طويلة، ووعدت جموع الشعب المصري بالرخاء والتحرر من التبعية للغرب، سارع الرئيس «محمد مرسي» إلى سحب سفير مصر في سوريا، وتعيين سفير لمصر في إسرائيل. كما أن الرحلات المكوكية لمحمد مرسي لأوروبا، والتي صورها الإعلام الإخواني بأنها ناجحة، وجلبت لمصر مليارات الدولارات، وستساهم في نقل مصر إلى درجة متميزة من الرخاء الاقتصادي، تبين لاحقًا أن جميعها، لم تدخل دولارًا واحدًا في خزينة مصر، باستثناء الأموال «القطرية»، والتي كانت تحصيل حاصل؛ نظرًا للتقارب الإخواني المصري والتركي مع الحليفة «قطر».

مرة أخرى، ملأت المليونيات الشوارع المصرية، ولكن ـ هذه المرة ـ بصورة حماسية تزيد كثيرًا عن المليونيات التي طالبت برحيل «مبارك»، بالرغم من أن الشعب المصري متدين بطبيعته، إلا أن الوعود الكاذبة، والصورة التي تشوشت بأفعال الجماعة نفسها، والكثير من الأسباب، التي يصعب سردها في مقال كهذا، كانت كافية لإقناع الشعب المصري بالنهضة العكسية، التي يقدمها تيار الإسلام السياسي، في بلد عريق، ومتمرس في الحضارة الإنسانية، بحجم مصر.

إن النماذج التي قدمها دعاة الإسلام السياسي، والحالمين بالخلافة للشعوب العربية، دعمت ـ وبقوة ـ حكم الإعدام الذي حكمت به الشعوب العربية على جماعاته؛ نظرًا لمناداتها بالعنف والسلوكيات اللاإنسانية كـ«داعش» مثلًا، وافتقار جماعات الإسلام السياسي إلى الرؤية السياسية الكفيلة بتحقيق التوازن والتوافق داخل المجتمعات العربية، ناهيك عن فقر الحلول المتوفرة في جعبة تيار الإسلام السياسي، والحالمين بالخلافة، للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فما قدمه تيار الإسلام السياسي، ما هو إلا محاولة لاجترار السياسات الاقتصادية والاجتماعية للأنظمة السابقة، والتي شكلت مرجل ثورات الشعوب على أنظمتها «الديكتاتورية»، ناهيك عن فشل تيار الإسلام السياسي في إيجاد حلول للمعضلات التاريخية «الخمس» الملتصقة بفكر التيار، منذ تشكله، والمتثلة في نظرته لـ: «المرأة، والمسيحيين، والديمقراطية، والحرية، والعلاقات مع الغرب»!

ومع نهاية حلم الخلافة الإسلامية، واتجاه الشعوب العربية نحو «العلمانية» تدريجيًا، بالرغم من بقاء بعض الجماعات المتطرفة تقاتل على الأرض من أجل إقامة «الخلافة الإسلامية»، على منهاج النبوة، كما يدعون، يبرز حل في الأفق، قد يريح الشعوب العربية من صداع الخلافة والمطالبين بها، وهو إقامة دولة مستقلة منزوعة السلاح أو إقليم بحكم ذاتي إسلامي، وعلى منهاج النبوة، يكون معقلًا لكل المطالبين بالخلافة، ولأتباعهم، بحيث يعيشون فيها بحريتهم، ووفق معتقداتهم الخاصة بهم، كفكرة موسعة لدولة «الفاتيكان»، التي تمثل القيادة الروحية لطائفة المسيحيين الكاثوليك في العالم أجمع، والتي يزيد أتباعها عن 1.14 مليار نسمة، وهي مستقلة استقلالًا تامًا، ولا تخضع للسلطة الإيطالية، رغم وجودها على أرض إيطاليا.

فكرة الفاتيكان الإسلامي تتمثل في إعطاء الحالمين بالخلافة فرصة تشكيل خلافتهم على الأرض، وإدارة شئونهم الذاتية والإدارية بأنفسهم، والسماح لمن يرغب في التوجه للعيش بهذه الدولة الوليدة، بشرط بقائها منزوعة السلاح، وبهذا يكون حلم الطامحين بالسلطة «السيودينية»، قد تحقق، ويتفرغ باقي العرب من المسلمين والمسيحين للعلم، والإنجازات الحضارية، تحت خيمة «المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية» بعيدًا عن أية أيديولوجيات تعمل على تصنيف أبناء الشعب الواحد.

ربما يجدر بجامعة الدول العربية بحث هذه الفكرة، والتفكير بآلية إنشائها؛ نظرًا لما تلحقه الأيديولوجيات «السيودينية» من أضرار جسيمة بعالمنا العربي، تعيدنا كل يوم إلى الوراء ألف عام، خصوصًا مع تنامي التطرف الطائفي، والتشدد الديني، كردود فعل على المظالم والمجازر التي نشهدها يوميًا، كما أن خروج الإسلاميين من مشهد الحروب الأهلية قد يخفف من شدة تعقيد المشهد، مما قد يسهم في إيجاد حلول جذرية للصراعات المسلحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد