أخيرًا يقول الدم العربي

أسيلُ.. فلا يتداعى ورائي النخيلُ،
ولا ينبُت الشجرُ المستحيلُ

أسيلُ.. أُروى الشقوق العطاش

وأسكبُ ذاكرتي للرمال، فلا يتخلق وجه المليحة

أو حُلم فارسها المستطار، وأنزف حتى النخاع،

وينحسر المد، وتُنبت فوقي حجارتكم مدنًا تتمدد أو تستطيل،

وتأكل ما يتبقى من الأرض، لكنها أضرحة!

قصيدة يقول الدم العربي -فاروق شوشة

الصراع العربي الإسرائيلي

هذا هو الجزء الثامن من سلسلة مقالاتي البحثية عن الصراع العربي الإسرائيلي، المقالات الماضية:

الإسرائيليون والفلسطينيون: الوصول للحائط المسدود!نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي(1)

الإسرائيليون والفلسطينيون.. الوصول للحائط المسدود! نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي (2)

الإسرائيليون والفلسطينيون: الوصول للحائط المسدود! نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي(3)

الإسرائيليون والفلسطينيون الوصول للحائط المسدود! نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي «4»

الإسرائيليون والفلسطينيون.. الوصول للحائط المسدود! نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي (5)

الإسرائيليون والفلسطينيون.. الوصول للحائط المسدود! نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي (6)

الإسرائيليون والفلسطينيون والوصول للحائط المسدود! نظرة بالعمق في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي (7)

ولقد كان تدافع الحوادث في مصر السبب في توقفي عن تكملة تلك السلسلة للكتابة عن الأحداث المتلاحقة في مصر المحروسة، واليوم أعود لتكملة السلسلة.

(1)

مؤتمر مدريد

«لماذا غفروا لحسين ولم يغفروا لي؟

إذا كان موقفي في حرب الخليج خطيئة فقد كان هو في نفس الموقف معنا، لكنهم يدعونه إلى مدريد، وأما نحنُ فمطرودون من رحمة الله!». ياسر عرفات

كانت منظمة التحرير في أسوأ أحوالها بعد انتهاء الحرب. فموقف «ياسر عرفات» في حرب الخليج وضع المنظمة في صف المهزومين، وبالإضافة لذلك فقد كانت المنظمة قبل الحرب بساعات قد فقدت عددًا كبيرًا من طلائع قيادتها بينهم «صلاح خلف» و«هايل عبد الحميد»، وكلاهما جرى اغتياله غدرًا في تونس برصاص فلسطيني تحيط بسيرته شكوك كثيرة. وهكذا فإن المنظمة المهزومة في حرب الخليج، والتي فقدت صفوة قيادتها في تصفيات فلسطينية فلسطينية كانت مستثناة من اللحظة الأولى من «بركات عصر التسويات الكبرى»، ومن «رحمة النظام العالمي الجديد»!

وكانت نهاية التفكير الأمريكي مؤتمر «مدريد للسلام»، أي أن مدريد ستكون هي مقر المؤتمر الرسمي، ولكن جلسات التفاوض ستجرى في وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، وكانت منظمة التحرير مستبعدة من العملية بعقاب مغلظ مرتين: مرة لأنها ارتكبت ما دعا الولايات المتحدة إلى قطع الحوار معها.

ومرة ثانية أشد وأقسى بسبب انحيازها للعراق في غزوه للكويت، وترتيبًا على ذلك فإن الذي يتفاوض عن الفلسطينيين لا بد أن يكون من فلسطينيي الداخل، والأهم أن يكون بلا علاقة بمنظمة التحرير.

ثم إن هذا الوفد الفلسطيني ينبغي أن يكون جزءًا من الوفد الأردني في المؤتمر.

وكان ياسر عرفات مستفزًا من هذا العقاب المغلظ، وكثيرًا ما ردد لكل من قابلوه تلك الأيام قوله:


«لماذا غفروا لحسين ولم يغفروا لي؟


إذا كان موقفي في حرب الخليج خطيئة فقد كان هو في نفس الموقف معنا، لكنهم يدعونه إلى مدريد، وأما نحنُ فمطرودون من رحمة الله!».

وبعد عناء طويل تم تشكيل وفد فلسطيني ملحق بالوفد الأردني، يضم شخصيات من الأرض المحتلة، إلى جانب بعض الأكاديميين الفلسطينيين الذين يعيشون خارج الأرض المحتلة.

وكانت قيادة المنظمة وعلى رأسها «عرفات» في تونس مستشاطة من الغضب؛ لأن وفدًا فلسطينيًّا لا تتواجد فيه بذاتها ونفسها في مدريد يمكن أن يصبح قيادة بديلة للعمل الفلسطيني إذا وجد الأرضية المناسبة والدعم الكافي.

الصراع العربي الإسرائيلي

مؤتمر مدريد


شروط شامير!

وانعقد مؤتمر مدريد، وصمم رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها «إسحاق شامير» على أن يرأس بنفسه وفد إسرائيل إلى مدريد، وأصر على وضع شروط لا يقبل فيها أنصاف حلول:

الصراع العربي الإسرائيلي

شامير


  1. إن أي عضو فلسطيني يدخل إلى قاعة المؤتمر لا يمكن أن يكون من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، وعلى هذا الأساس سُمح للدكتور «حيدر عبد الشافي» بالدخول، بينما جرى رفض دخول كل من الدكتورة «حنان عشراوي»، و«فيصل الحسيني».
    الصراع العربي الإسرائيلي

    حيدر عبد الشافي


    الصراع العربي الإسرائيلي

    حنان عشراوي


  2. وكان بين شروط شامير أنه إذا جرى ذكر لمنظمة التحرير في أي خطاب فلسطيني داخل قاعة المؤتمر فإنه سوف يعترض، وليكن ما يكون حتى وإن أدى الأمر إلى فشل المؤتمر!
  3. وأضاف شامير أنه إذا بدرت من جانب أحد من أعضاء الوفد الفلسطيني ضمن الوفد الأردني إشارة توحى بانتمائه لمنظمة التحرير، فإنه سوف يترك جلسة المؤتمر ويخرج. وكاد ذلك أن يحدث بالفعل حينما حاول الدكتور «صائب عريقات» عضو الوفد أن يضع على كتفه الكوفية الفلسطينية المشهورة، وكتب شامير إلى وزير الخارجية الأمريكي «جيمس بيكر» ورقة أثناء انعقاد إحدى الجلسات يلفت نظره إلى ما قام به عريقات، ويطلب إزالة هذه المخالفة للشروط فورًا.
    الصراع العربي الإسرائيلي

    صائب عريقات


    والواقع أن مؤتمر مدريد كان مشهدًا تلفزيونيًّا ملونًا قُصد به في الدرجة الأولى إعطاء الانطباع العام للأطراف وللعالم بأن العرب والإسرائيليين جلسوا جميعًا معًا في قاعة واحدة، وانهمكوا في صنع السلام.

    (2)

    الصورة التفاوضية

    «إن وزارة الخارجية الإسرائيلية هي التي توجه وزارة الخارجية الأمريكية وليس العكس، وإن الآراء الإسرائيلية تجيء إلى الوفود العربية بلسان أمريكي في كل مرة تتأزم فيها الأمور!». رئيس الوفد السوري

    وكانت مجمل الصورة لجلسات التفاوض كما يلي:

    على المسار السوري

    لم تكن هناك حركة تذكر على المسار السوري- الإسرائيلي،
    قد كانت حدة المواقف حاكمة على الجانبين من اللحظة الأولى. فالوفد السوري لم يكن مخولًا بالحديث في أية تفاصيل إلا بعد إقرار مبدأ «الانسحاب من الجولان».

    بينما الوفد الإسرائيلي لا يمانع من الانسحاب «في الجولان».

    وما بين كلمتي «من الجولان» و«في الجولان» تواصلت المناقشات عقيمة وفارغة. وبالتالي فإنه لم تكن هناك نتيجة تذكر.

    وكان المسار اللبناني

    في حالة انتظار للمسار السوري،
    وكان ذلك إحساس كل الوفود الأخرى تقريبًا، وكان الوفد الإسرائيلي يقول للبنانين ثلاث نقاط:

    1. لا بد ان تتخلصوا من كل الأجانب (سوريين– إيرانيين– فلسطينيين).
    2. عندما تتخلصون من الأجانب فإنكم سوف تتخلصون منا في نفس الوقت.
    3. نحن لا نريد شيئًا من لبنان، وإنما مجرد إجراءات أمنية ضرورية لأمن إسرائيل.

وعلى المجال الأردني

فقد كانت الأمور جاهزة لأن تتحرك وتسير، ذلك أنه عندما خرجت القضية الفلسطينية من اختصاص الوفد الأردني، وبعدما انقسم الوفد المشترك إلى وفدين مستقلين، كان الباقي أمام الوفد الأردني مسألة إجراءات وترتيبات لقضايا قابلة للتراضي بيسر ومرونة. وفي الواقع فإنه كان ممكنًا الوصول إلى اتفاق أردني– إسرائيلي في الجولة الأولى من المفاوضات.

لكن الملك «حسين» كان قد أعطى تعليمات إلى وفده مؤداها: «أنه كلما توصلتم مع الإسرائيليين إلى شيء ضعوه على الرف حتى تتجمع المسائل كلها وتتضح في المسارات الأخرى؛ لأننا نريد أن نكون آخر من يوقع».

وأما على الصعيد الفلسطيني

فقد كان التوتر دائمًا شديدًا. فالمشاكل معقدة، والوفد نفسه منقسم على بعضه إلى درجة أن الدكتور «حيدر عبد الشافي» قال مرة أمام الوفد الأردني: «نحن وفد منقسم على نفسه، وفي الحقيقة فنحن أربعة عشر وفدًا فلسطينيًّا، وكل عضو فينا وفد مستقل، وكل واحد يمثل نفسه، وله اتصالاته، وله ميادينه».

ولعل أكثر ما ضايق الأردنيين هو ما وجدوه من حساسيات بين أعضاء الوفد الفلسطيني، مبعثها المنافسة الشديدة على الظهور أمام أضواء الإعلام العالمي بين أعضائه، فكلهم أصبحوا نجومًا: «حنان عشراوي» نجمة كبيرة، و«فيصل الحسيني» يحاول أن يلحق بها، و«صائب عريقات» يُجرب حظه.

الصراع العربي الإسرائيلي

فيصل الحسيني


وبعد قليل بدأ الأردنيون يرون أن محادثات واشنطن لن تسفر عن شيء له قيمة بسبب الفوضى السائدة في الوفد الفلسطيني.

وربما كان في هذا التقدير بعض التجني؛ لأن الوفد الفلسطيني كان في حقيقة الأمر يواجه القضايا الأساسية في الصراع العربي الإسرائيلي. وكانت أمام هذا الوفد سدود شبه مستحيلة القفز فوقها تمثلها مسائل من حجم: قضية الاعتراف بوجود شعب فلسطيني له حق تقرير المصير، ومشاكل الهجرة والاستيطان، ومسألة مصير القدس.

وكانت مأساة الوفود العربية في محادثات واشنطن هي ضعفها الشديد أمام قوة الوفد الإسرائيلي، وكانت الأسباب متعددة، وأولها وأهمها هو توازن القوة بين العرب وإسرائيل، بعيدًا عن المفاوضات وعلى أرض الواقع، فأية عملية للتفاوض بين طرفين تنعكس عليها تلقائيًّا وقبل أن يدور أي حوار، حقائق موازين القوة بين الأطراف.

إضافة إلى ذلك فقد كان الوفد الإسرائيلي يتمتع بعدة مميزات:

  • تنسيق كامل مع الولايات المتحدة الأمريكية الراعية الوحيدة في الواقع للعملية التفاوضية.
  • صلة وثيقة مع مصر التي كانت تحاول دفع مسيرة السلام باتصال مع الحكومات العربية المتصلة بالتفاوض.
  • نتيجة ذلك كله فقد كان الوفد الإسرائيلي يملك صورة كاملة لكل جوانب العملية التفاوضية.
  • إضافة إلى ذلك فقد كان الوفد الإسرائيلي على صلة أقرب بالأوضاع والمشاعر الحقيقية في الأرض المحتلة التي هي سند الوفد الفلسطيني. فقد كان الوفد يتلقى يوميًّا تقارير من الجيش والمخابرات في إسرائيل تعتمد على كل المعلومات المتاحة لهذه الأجهزة.
  • إن الوفود العربية في بعض المراحل سادت بينها علاقات شك وريبة، بسبب مناورات الإسرائيليين. فقد رحوا يشيعون مثلًا إلى أن هناك تقدمًا على بعض المسارات لأن الواقف أكثر مرونة وأشد عجلة للوصول لحل، وكان ذلك يفعل تأثيره في الوفود العربية التي لم تكن تنسق مع بعضها، بل وكان بينها من يتعمد الإخفاء؛ بل وتضليل الوفود الأخرى لأسباب ضيقة وسطحية.

    لم تكن بين الفلسطينيين والأردنيين في معظم الأوقات رغبة في التنسيق، وحاول الملك «حسين» في اجتماع مع «ياسر عرفات» إنشاء ما أسماه الملك «غرفة عمليات مشتركة للمفاوضات»، وتحمس «عرفات»، ثم لم يحدث شيء.

    الصراع العربي الإسرائيلي

    عرفات والملك حسين


    ومن المفارقات أن الوفد الأردني كتب للملك «حسين»: «أنه يلاحظ أن الفلسطينيين قد اندفعوا كثيرًا في الاعتماد على نوايا الأمريكان، وإذا تركناهم فلن يعودوا إلينا أبدًا». والأهم أن رئيس الوفد الأردني لم يحتفظ بملاحظته بينه وبين ملكه، ولكنه واجه بها الوفد الفلسطيني ذات يوم أمام عدد من الوفود العربية في مدريد، وقال لهم:

    «يا إخوان.. الأمريكان والإسرائيليون سوف يجرفونكم إلى آخر الطريق».

    وبعد قليل وجدت الوفود العربية، وبعد ثلاث جولات من المفاوضات أنه من الضروري التوصل إلى حد أدنى من التنسيق بين الوفود.

    وتقرر عقد اجتماعات أسبوعية على مستوى الوفود الأربعة (السوري واللبناني والأردني والفلسطيني)، وقد كان الاتفاق أن يكون الاجتماع على مستوى رؤساء الوفود، لكن تلك الاجتماعات لم تؤد إلى نتيجة، ولم يحدث فيها ما هو أكثر من تبادل أحاديث عامة عن أجواء المفاوضات، بما في ذلك الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل.

    وذكر الدكتور «موفق علاف» رئيس الوفد السوري مرة:

    «أن وزارة الخارجية الإسرائيلية هي التي توجه وزارة الخارجية الأمريكية وليس العكس، وأن الآراء الإسرائيلية تجيء إلى الوفود العربية بلسان أمريكي في كل مرة تتأزم فيها الأمور!».

    وروى رئيس الوفد الأردني أن «روبنشتين» رئيس الوفد الإسرائيلي قال له صراحة إنه «إذا كان العرب ينتظرون أن يقوم الطرف الأمريكي بالضغط على إسرائيل فهم واهمون».

    ثم استكمل رئيس الوفد الأردني كلامه قائلًا: إنه عندما شكا من الانحياز الأمريكي مرة، رد عليه رئيس الوفد الإسرائيلي بقوله:

    «إذا كنتم كعرب تشعرون بالتحيز الأمريكي، فلماذا تصرون على إجراء المباحثات في واشنطن؟

    لماذا لا تطلبون بنقلها إلى المنطقة ذاتها أو بالقرب منها؟

    إن مجيئكم إلى واشنطن يكلفكم مالًا كثيرًا وغربة بعيدة عن عواصمكم.

    وإذا كنتم تتصورون أن بقاءكم في حضن وزارة الخارجية الأمريكية يؤثر في مواقف إسرائيل، فهذا لن يحدث وأنتم فيه على خطأ لأن وجود المفاوضات في مقر وزارة الخارجية الأمريكية يصنع غلالة وهم يجدر بالعرب أن يتخلصوا منه».

    والأهم أنه رغم وجود الوفود المتفاوضة فإن الأخبار الحقيقة كانت في مكان آخر بعيد في شمال أوروبا في عاصمة النرويج «أوسلو».

    وبالابتعاد عن مدريد وواشنطن انتهت مرحلة وبدأت مرحلة جديدة من ترحال العرب على الخريطة، للوصول للحائط المسدود في صراعهم مع إسرائيل!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد