تمر الحركة الإسلامية في مصر بمحنةٍ عصيبةٍ قلما عرف التاريخُ مثلها، محنة شكلت مفاهيم وغيرت قناعات، محنة أحدثت خللًا عظيمًا في جسد الحركة الإسلامية؛ مما جعلها تفقد بوصلة الطريق وتدخل في تيه عام. ولست بصدد التشفي أو فقأ للجرح الملتهب وإنما توصيف للحدث ومحاولة رأب الصدع، وإقالة العثرات أمام طريق الحركة الإسلامية لتعود قاطرة للأمة الإسلامية من جديد.

بين ثنيات هذه السطور وعلى أربعة محاور أُحاول اكتشاف وتحليل مواطن الخلل، واستنباط الأسباب التي أودت بالحركة الإسلامية إلى هذا الحال، والدروس المستفادة من هذه المحنة.

أولًا..  المستوى السياسي:

اتخذت الحركة الإسلامية ولا سيما الإخوان منهجًا في التعامل السياسي مع الخصوم، اتسم بالمرونة والمشاركة وتقديم التنازلات وحسن الظن من خلال آليات عدة، أهمها المشاركة في الانتخابات على كافة المستويات السياسية وهو ما سماه الإمام حسن البنا «بالنضال الدستوري»، وظلت هذه الفكرة صائبة وصالحة للاستخدام إلا أن جاء انقلاب الثالث من يوليو 2013 على الدكتور محمد مرسي، ليؤكد أن الوصول لسدة الحكم لا سيما في دولة كمصر لا يكفي أن يكون بالمشاركة السياسية فحسب، وإنما الأمر يحتاج نوعًا من المراوغة والدهاء السياسي، وشيئًا من قوة تحمي السلطة المنتخبة. أدرك الكثير أن الانتخابات ليست كافية لثبيت مفهوم الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، فلربما تأتي دبابة عسكر لتطغىَ على أصوات الشعوب، كما أن العلاقة مع الغرب لا تكون إلا بمبدأ الند للند، وأن مجرد القبول بسياسات الغرب والخضوع لها معناه السريان في فلك النظام العالمي يحدد لك السياسات الخارجية والاقتصادية، وكذلك الرقابة على الوضع التعليمي والاجتماعي، والتأكد من أنه يمضي قدمًا وفق خطته.

مشهد مثير للانتباه حدث أيام ثورة يناير، أن شابًا كان يحمل لافتةً كبيرةً مكتوب عليها «لن تحكمنا أمريكا بعد اليوم». وتسأل الناس وقتها ما علاقة أمريكا بما يحدث في مصر، ولكن الأيام أثبتت أننا كنا وما زلنا ندور في فلك النظام العالمي لا نحيد عنه قيد أُنملة، أدرك الكثير أن الصراع ليس مع السيسي والانقلابيين، ولكن حقيقة الصراع تكمن في التخلص من التبعية الغربية، فالثورة الآن تقود معركتها الأهم ضد الهيمنة الغربية، ثم معركتها ضد النخب الجسرية المتمثلة في القيادات العسكرية، كما سماها عبد الوهاب المسيري.

ثانيًا.. المستوى الثقافي:

كثيرًا ما تُتهم الحركة الإسلامية بالضعف تجاه الجانب الثقافي، وقد انكشف هذا العوار بعد انقلاب الثالث من يوليو ليؤكد أهمية التثقيف ليس السياسي فقط وإنما التثقيف بشتى أنواعه وعلومه، ظهر هذا جليًا عندما ظن البعض من أبناء الحركة الإسلامية أن القيادات العسكرية ستُسلم السلطة للرئيس المنتخب وتخضع له بسهولة، وعندما ظن البعض أن المظاهرات والوقفات الاحتجاجية ستُسقط انقلابًا عسكريًّا، وعندما ظن البعض أن زيارة البيض الأبيض، ومجلس النواب الأمريكي والأوروبي ستُشكل وعيًا عند الغرب علهم يُدركون ما يحدث من قتل واعتقال وتشريد، فيتاضمنُون مع القضية، وكأنهم سفراء السلام الذين يرفضون إراقة الدماء، بل لا أبالغ إن قلت إن كل من تصدر للمسؤولية واتخاذ القرار، ولم يكن لديه القدر الكافي من الثقافة العامة، ولا سيما الثقافة السياسية هو مُشارك في الدماء التي سالت، مُشارك بجهله وعدم إدراكه الواقع جيدًا، فللكون سُنن تُحترم وقوانين تُطبق.

وفي خضم هذه الأزمة، رأى بعض الشباب أن التسليح بالعلم والاهتمام بالعلوم الشرعية، ودراسة المسائل الفقهية المتعلقة بما يحدث للمسلمين هو واجب الوقت لمواجهة خطر العلمنة، والإلحاد، والصوفية المتعلقة بحبال السلطة.

رأينا شبابًا يهتمون بدراسة العلوم الإنسانية باختلاف مشاربها وألوانِها، في التاريخ دراسًا وتأمُلًا وتجريدًا من العواطف والمشاعر التنظيمية، في العلوم السياسية بحثًا واستنباطًا بعيدًا عن معتقدات التيار الإسلامي منتهية الصلاحية، في التراث اللغوي ومُتون الحديث والتوحيد، ومن نافلة القول رأينا شبابًا يهتمون بكتابات بيجوفيتش، وقطب، والمودودي، ومالك بن نبي، ورفاعي سرور، وبعض الكتب الأجنبية المتعلقة بالشأن الإسلام السياسي.

ثالثًا.. المستوى الاجتماعي:

بعد انقلاب الثالث من يوليو اختلفت نظرة الإسلاميين للشعب، فبعد أن كان الشعب المصري من أعظم شعوب الأرض رُقيًا وثقافة وحرصًا على حريته وكرامته، أصبح ذات الشعب شعبًا يعشق العبودية والخنوع ويرضى بالظلم. والمشكلة هنا تكمن في فساد الطرح نفسه، الحقيقة أن الشعب المصري كسائر الشعوب، تثور لكرامتها وحريتها إذا توفرت لها المعلومات الصحيحة ولم يُمَارس عليها حربًا إعلامية ضروس فيها من التضليل وتزييف الحقائق ما تزول منه الجبال الرواسي، إن شعبنا إذا توفرت له منصة إعلامية تُبين له الحقائق لا شك أنه سيكون من أنقى شعوب الأرض والعكس صحيح، وقد تبين ذلك بعد مجزرة رابعة العدوية والنهضة وما حدث من حرق للجثث والمسجد، ولم يحرك أحدًا ساكنًا، ولن يحرك طالما هناك أداة إعلامية مضادة تتفنن في قلب الحقائق، وإبطال الحق وإحقاق الباطل، ولذا كان من الواجب على الإسلاميين تغيير هذه الصورة الذهنية عن شعبنا، والتعامل معه وفق خطه، ومنهج علمي مدروس حتى يستفيق من غفلته ذلك أفضل من إنزال السب واللعن به.

رابعًا.. المستوى الإيماني:

بعد مرور ثلاث سنوات من الانقلاب أصاب الحركة الإسلامية، وبالتحديد الإخوان حالة من هبوط المنحنى الإيماني إلا قليل، وهذا الهبوط كان نتيجة عدم الرقابة المعتادة من قبل جماعة الإخوان، والتي كانت بدورها التربوي تحافظ على سلوكيات وأداء الأفراد من خلال عقد اللقاءات سواء الأسبوعية أو الشهرية، والتي لم تعد كما كانت نظرًا للظروف الأمنية، إن غياب وسائل الرقابة والتربية أسهم في تفلت السلوك والحالة الإيمانية عمومًا، ظهر ذلك جليًا في استعراض بعض الشباب لبعض الكلمات المسيئة للسيسي والانقلابيين بدافع السخرية، والإقلال من شأنهم، وذهب بعضهم إلى التنظير الشرعي لإثبات مشروعية الأمر، وكأن الله يرضى عن سوء الأدب وتأويل النصوص ولي عنق الأدلة وتحميلها بما لا تحتمل لإثبات مشروعية هذا الفعل، أضف إلى ذلك غياب الاهتمام بالوعي الديني، وضعف الإطلاع عمومًا على الأمور الشرعية؛ نظرًا لانشغال الأفراد بالأحداث السياسية، وهو أمر معتاد في ظل ما يجري لكن أعتقد أن الأمر تجاوز الحد المسموح به.

على الرغم من أن ما أصاب الإسلاميين من أمر جلل، إلا أن هناك ضوء أمل ينبعث من بعيد نرى أثره في التغيرات الفكرية، والسياسية، والإدارية، والاجتماعية لدى قطاع ليس بالقليل من أبناء الحركة الإسلامية، ليؤكد أنه مهما طال الوقت واشتدت المحنة، فإن الأمر إلى زوال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد