انتشرت ظاهرة العنف ضد الزوجات بشكل كبير في المجتمعات العربية المسلمة والتي من المفترض أن العلاقة الزوجية بها قد بنيت على سنة الله ورسوله.

 

 

فأي عقل وأي أخلاق وأي حق يُعطَى للزوج – في تلك المجتمعات – في ضرب زوجته ضربًا مبرحًا خاصة إذا أصبحت هذه الزوجة أمًّا تُضرَب أمام أطفالها، وكيف سيصبح حال هؤلاء الأطفال فتيات كنّ أو ذكورًا، وأي ثمار ستُجنى في مثل هذه الأسرة وأي فائدة للمجتمع ستؤخذ منها.

 

 

 

 

 

فالذكر في مثل تلك الأسر سيكون بين أمرين إما أن أباه محق وبالتالي سيَربى على أن هذا هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع المرأة، أو سيرى أباه مجرمًا وسيربى على كراهيته. فأي نفسية سوية ستكون لرجل تربى على كراهية أبيه، والفتيات أيضًا سيكنّ بين أمرين إما كراهية أبيها وكراهية الرجال جميعًا – وذلك لأن حب الفتاة الأول هو الأب – وكراهية أمها التي تسمح له بضربها، أو ستربى على كراهية الضعف وستصبح إنسانة مشوهة.

 

 

 

 

 

ونجد أن بعض هؤلاء الذكور يستند على قول الله تعالى في كتابه العزيز في الآية 34 من سورة النساء:

 

 

 

 

 

“واللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا”.

 

 

 

 

 

فيفهمون من ذلك أن لهم كل الحق حيث أنهم مصرح لهم بالضرب أن يضربوا زوجاتهم كيفما شاؤوا. وهذا تفسير مغلوط للدين ولا يمت للحقيقة بأية صلة وذلك لأن هذه الآية فسرت على نحو دقيق لا يعيه معظم هؤلاء.

 

 

 

 

فنجد أن الطبري مثلا في تفسيره قال:

 

 

 

“نشوزهن” يعني: استعلاءهن على أزواجهن بغضًا منهن وإعراضًا عنهم والخلاف عليهم فيما لزمهن طاعتهم فيه وارتفاعهن عن فرشهم بالمعصية منهن. وأصل النشوز الارتفاع ومنه قيل للمكان المرتفع من الأرض نشز ونشاز. “فعظوهن” ذكّروهن الله, وخوّفوهن وعيده في ركوبها ما حرم الله عليها من معصية زوجها فيما أوجب عليها طاعته فيه، وقيل يعني: عظوهن بكتاب الله,

 

 

 

 

قال: أمره الله إذا نشزت أن يعظها ويذكرها الله ويعظم حقه عليه “واهجروهن في المضاجع” فاهجروهن بترك جماعهن في مضاجعتكم إياهن، “واضربوهن” يعني بذلك جل ثناؤه: فعظوهن أيها الرجال في نشوزهن, فإن أبين الإياب إلى ما يلزمهن لكم فشدوهن وثاقًا في منازلهن, واضربوهن ليؤبن إلى الواجب عليهن من طاعة الله في اللازم لهن من حقوقكم. وقال أهل التأويل: صفة الضرب التي أباح الله لزوج الناشز أن يضربها الضرب غير المبرح.

 

 

 

 

وفي تفسير السعدي رحمه الله جاء:

 

 

(وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) أي: ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن بأن تعصيه بالقول أو الفعل فإنه يؤدبها بالأسهل فالأسهل، (فَعِظُوهُنَّ) أي: ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته والترغيب في الطاعة، والترهيب من معصيته، فإن انتهت فذلك المطلوب، وإلا فيهجرها الزوج في المضجع، بأن لا يضاجعها، ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود، وإلا ضربها ضربًا غير مبرح، فإن حصل المقصود بواحد من هذه الأمور وأطعنكم (فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا)

 

 

 

أي: فقد حصل لكم ما تحبون فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية، والتنقيب عن العيوب التي يضر ذكرها ويحدث بسببه الشر.

 

 

 

 

 

أما ابن كثير فقد فسرها على النحو التالي:

 

 

(وَاضْرِبُوهُنَّ) أي: إذا لم يَرْتَدِعْن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في حجة الوداع: “واتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنهن عندكم عَوَانٌ، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فَعَلْن فاضربوهن ضَرْبا غير مُبَرِّح، ولهن رزْقُهنَّ وكِسْوتهن بالمعروف”.

 

 

 

 

وبذلك نجد أن الله جل وعلا قد جعل الضرب هو المرحلة الأخيرة في الخلاف بعد الموعظة والهجر، وحتى عند أمره بالهجر قد جعل حقوق الزوجة مصانة من المأكل والملبس، وقد وضع شروطا للضرب ألا يكون مبرحًا.

 

 

 

 

أما في السنة النبوية الشريفة فنجد:

 

 

 

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في معنى الضرب “ضربا غير مبرح” وقال: السواك ونحوه، وقال صلى الله عليه وسلم” لا تهجروا النساء إلا في المضاجع, واضربوهن ضربا غير مبرح”.

 

 

 

 

كما جاء أيضًا في الحديث الشريف:

 

 

حدثني عباس بن أبي طالب, قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير, عن شبل, قال سمعت أبا قزعة يحدث عن عمرو بن دينار, عن حكيم بن معاوية, عن أبيه: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال “يطعمها ويكسوها, ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلا في البيت”.

 

 

 

وهناك حديث آخر يقول حدثني المثنى, قال: حدثنا حبان بن موسى, قال: حدثنا ابن المبارك, قال أخبرنا بهز بن حكيم, عن جده, قال: قلت: يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال حرثك فأت حرثك أنى شئت, غير أن لا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت وأطعم إذا طعمت واكس إذا اكتسيت; كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض إلا بما حل عليها”.

 

 

 

 

ولن أذكر هنا وصايا النبي الكريم للرجل على المرأة ولا أوامره له ولا حتى حقوق المرأة التي كفلها الشرع والمنهج الإسلامي القويم، إذ أننا هنا بصدد مناقشة أمر آخر، وكما استعرضنا مختلف التفاسير والأحاديث الشريفة التي تعطي للرجل الحق الكامل في ضرب زوجته إذا لم تطعه في معروف، ولكن هذا لا يكون ولا يصح ولا يحق إلا بعد استخدامه الأساليب الأخرى وتبينه لفشلها في كل مرة،

 

 

 

 

أي أنه عندما تخطئ زوجته يبدأ في كل مرة بالوعظ والتبيين والترهيب ثم الهجر وأخيرًا الضرب، ولا يستسهل الأمر مستخدمًا مبدأ (هي مش بتيجي غير بالضرب) و(أنا عارف مراتي كويس) فمثل هذه الأمور لا تمت للشرع ولا للدين بأي صلة.

 

 

 

 

 

أما البعض الآخر من الذكور ممن لا يعرفون شيئًا عن كل ما قلنا ولا يفقهون في دينهم أمرًا صحيحًا أو حتى مغلوطًا، فهم نتاج ما قد تربوا عليه، وعلى الرغم من أن موروثاتنا الثقافية تجرم ضرب المرأة بشكل عام وتأبى على الرجل الحقيقي أن يستخدم القوة مع أي شخص أضعف منه، إلا أن ذلك لا يستطيع أن يوقف دائرة العنف الزوجي،

 

 

 

 

 

وتجد المرأة أنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا حيال هذا الأمر حتى لا تهدم بيتها لا سيما إن كانت لا تملك ملجأ آخر غير بيت زوجها، أو حرصًا منها على سلامة أبنائها وعدم افتراقهم عن أبيهم، ومثل هذه الأفكار أيضًا مصدرها الموروثات الثقافية الخاطئة والتربيه الخاطئة للأبناء.

 

 

 

 

 

 

إنها دائرة مفرغة، أسر مشوهة تنتج أسرًا أكثر تشوهًا ولا سبيل للخروج منها إلا بالعمل الجاد وتغيير مثل هذه الموروثات الثقافية الخاطئة، والتربية القويمة لكلا الزوجين، وأخيرًا سن التشريعات الرادعة للرجل والتي تتيح للمرأة أخذ حقوقها الإنسانية كاملة من أجل الحفاظ على أسرنا ومن ثم الحفاظ على مجتمعاتنا من الانهيار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد