ازدهرت وسائل الاتصال الحديثة، وأصبحت المجتمعات الافتراضية ظاهرة واسعة الانتشار، مُمكّنة بذلك الأفراد من اختزال المسافات، والقدرة على التواصل مع الآخر بتجاوز حاجزي الزمان والمكان.

يرجع ظهور مصطلح المجتمع الافتراضي (The Virtual Community) لكتاب يحمل العنوان ذاته، من تأليف الأمريكي «هوارد راينجولد» (Haward Rhingold) سنة 1993، ويُشير إلى مجموعة من الأفراد التي تجتمع على هدف معين، وتربطهم اهتمامات مشتركة، عبر التفاعل وإبداء الرأي على وسائل التواصل الاجتماعي. تعمل هذه المجتمعات على إذكاء حسّ الانتماء، وتحقيق الاستفادة المتبادلة بين المستخدمين، وكسر الحواجز النفسية في التعبير والتواصل عن الموضوع المُشترك بينهم، كما تتميز باستعمال بعض مُستخدميها لأسماء مستعارة وهويات خفية، بالإضافة إلى استعمال أنواع جديدة من الرموز اللغوية والإشارات الخاصة.

ومن بين هذه المجتمعات التي تنشط افتراضيًا في الغرب، نجد ما يسمى بمجتمع «الريد بيل» أو «الحبة الحمراء» (Red pill)، وهي حركة ظهرت سنة 2012 على موقع ريديت (Reddit)، وتم تبنيها على نطاق أوسع من قبل مجموعات اليمين البديل والمتفوقين البيض وجماعات المانوسفير (Manosphere). يرى مُنتسبو الحركة أنها ردة فعل طبيعية على «التغول النسوي» في المجتمع الغربي، إذ جاءت لتوعية الرجال بخطورة الأفكار النسوية، وشرح طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، حيث تُسلّط الضوء على القوانين المُجحفة بحق الرجل في مؤسسة الزواج، كما تسعى لمُحاربة الأفكار التي يُروّج لها «الإعلام اليساري الليبرالي» القائم على النسوية، من تكريس لمظلومية المرأة وشيطنة للرجل.

يرى المُناصرون أن فلسفة الحركة ليست ضد فكرة الزواج لذاتها، وإنّما ضد القوانين المُتحيّزة ضد الرجال، حيث أصبح الرجل – وفق وصفهم – مجرد (ماكنة صراف آلي)، وطرف خاسر في قضايا الطلاق والحضانة والنفقة وغيرها. أمّا تيار «الميغتاو» (MGTOW، أي الرجال الماضون في طريقهم الخاص)، فهو يشترك مع الريد بيل في مُناهضة النسوية، والمركزية الأنثوية (Gynocentrism) التي اعتُبرت قائمة على كره الرجال (Misandry). لكن يختلف في مسألة دعوته إلى تجنّب أي علاقة مع النساء، واعتزال المجتمع الذي أفسدته النسوية.

اكتسبت الحركة شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي، وخصّص لها المهتمون مدونات وصفحات ومجموعات، وقنوات على «يوتيوب»، للتعريف بأفكارها، ولتبادل الخبرات والنصائح بين الأعضاء. وقد أصبحت لهذه الحركة أصداء داخل المتجمع الافتراضي العربي أيضًا، فأُنشئت عنها صفحات ومجموعات، تعريفا بها ونشرًا لأفكارها.

أصل التسمية

شعار «الحبة الحمراء» مستوحى من فيلم المصفوفة (The Matrix) الشهير، حيث يُعرض على البطل «نيو» الاختيار بين حبّتين، إحداهما حمراء والأخرى زرقاء، فالحمراء تُريه الحقيقة الغائبة عنه، أما الزرقاء فتُبقيه في الوهم الذي هو عليه.

يعني «أخذ الحبة الحمراء» أن الرجل قد فتح عينيه على «حقيقة المرأة»، وطبيعة العلاقة معها، أمّا أصحاب الحبة الزرقاء (blue pill) فهم «المُغيّبون عن الحقيقة»، المُناصرون للأفكار النّسوية، التي تسرّبت إليهم عبر الإعلام الموجّه والأعمال الأدبية والفنية المُروّجة لها.

تُطلَق على هذه الفئة عدة تسميات بقصد التشنيع والسخرية، كوسمهم بالدياثة والانبطاح، بسبب لُطفهم وتودّدهم المبالغ فيه تجاه النساء، واستعدادهم للتنازل عن كرامتهم في سبيل الحصول على علاقة أو اهتمام. ولعلّ أشهر تسمية متداولة، كلمة «سيمب» (simp)، وهي مأخوذة من الكلمة الإنجليزية (simpleton) التي تعني «مغفل». وهناك عبارات تحقيرية أخرى يوصفون بها مثل (Beta Male، nice guy، pathetic weasel، White Knight…).

فيلم «الحبة الحمراء»

في سنة 2016 صدر فيلم وثائقي بعنوان الحبة الحمراء (Red Pill)، من إنتاج وإخراج ناشطة نسوية سابقة، حيث يعرض الفيلم رحلتها من النسوية حتى انشقاقها عنها وتحولها لما يسمى «بمناصرة حقوق الرجال». أثار الفيلم جدلًا حين عرضه، وقد ساهم في زيادة انتشار فلسفة «الريد بيل» في الغرب.

وعلاقة بالنساء المُناهضات للنسوية في الغرب، يستشهد «الريد بيلز» (Red Pillers) بمجموعة من النماذج في هذا الصدد، مثل الأمريكية «هيلين سميث» (Helen Smith) في كتابها «الرجال في إضراب» (Men on Strike)، التي اعتبرت فيه أنّ الحركات النسوية أدّت إلى مقاطعة الرجال للزواج، واكتفائهم بعلاقات خارج إطاره، وذلك بسبب الهجوم على «الصفات الذكورية» بدعوى أنها ذكورية سامّة (Toxic masculinity). كما نجد الأمريكية «كريستينا هوف سومرز» (Christina Hoff Sommers) في كتابها « الحرب ضد الأولاد» (The War Against Boys) تتحدث فيه عن تفضيل البنات على الأولاد في المدارس، وآثار ذلك على مستقبلهم.

ويُشار أيضا إلى الألمانية «إستير فيلار» (Esther Vilar) في كتابها (The Manipulated Man) التي عرضت فيه لكيفية تلاعب النساء بالرجال. والألمانية «إيفا هيرمان» (Eva Herman) في كتابها «مبدأ حواء: من أجل أنوثة جديدة» (Das Eva-Prinzip: für eine neue Weiblichkeit)، التي دعت فيه المرأة للعودة إلى البيت، والاهتمام بأطفالها وأسرتها، حيث تقول: «إن الحركة النسوية سلبت النساء أنوثتهن، وإن ما دعت إليه لم يكن في صالح النساء، وإنه ينبغي أن يعاد الاعتبار إلى الأم وربة البيت، وأن يخرج المجتمع من تلك المعارك «الوهمية» بين النساء والرجال».

نجد أيضا الكاتبة الفرنسية «إليزابيث ليفي» (Élisabeth Lévy) التي تشغل مديرة تحرير صحيفة (Causeur)، حيث عنونت العدد الصادر بتاريخ 8 يوليو (تموز) 2015 بعنوان «الإرهاب النسوي» (la terreur féministe)، هاجمت فيه أفكار ما سُمّي «بالحركة النسوية الجديدة»، وفي وصفها لهذه الحركة اعتبرت ليفي أنّهنّ «لن يكُنّ راضيات إلّا عندما يكون الرجال نساءً مثل الأُخريات، وعندما يستأصلن فكرة الذكورة نفسها».

منظمات حقوق الرجل

تتقاطع حركات حقوق الرجل مع تيار الريد بيل في التصور المُناهض للنسوية، حيث تُطالب هذه الحركات – التي انتشرت افتراضيًا وميدانيًا – بحماية حقوق الرجل من التمييز الذي يطاله في قضايا الأسر، إذ غالبًا ما تُصدر المحاكم أحكامًا تصبّ في مصلحة المرأة. ويُؤكّد الأعضاء على أن الهدف هو منع التمييز في حق الرجل، وليس للأمر علاقة بكراهية المرأة (Misogyny).

ينتقدون ترويج الحركات النسويّة الدائم لمظلوميّة ‏المرأة، ‏مُعتبرين ذلك من أسباب تغذية الكراهية بين ‏الرجل ‏والمرأة، ‏وتكريسا لمشكلة الصراعٍ ‏بين ‏الجنسين.‏ كما يؤكدون أنّ النسويّة لا تسعى من أجل حقوق النساء، بل تعمل على انتزاع حقوق أصيلة للرجال، وتتبنّى خطابًا تمييزيًّا ضدّهم.

الأفكار والقضايا

يُثير مناصرو هذه الحركة مجموعة من القضايا التي يستشهدون بها على صحة رؤيتهم، كطرحهم لفكرة المركزية الأنثوية المُروّج لها، التي تعني تقديم مصلحة النساء على الرجال، ويستدلون لذلك مثلا بقضايا الحضانة والنفقة التي غالبًا ما يكون الرجل فيها طرفًا خاسرًا، كما يوردون مجموعة من الإحصائيات التي تُظهر أنّ غالبية قتلى الحروب، والمساجين، والمشردين، والمُنتحرين، هم من الرجال. فضلًا عن تسليط الإعلام الضوء على مظالم النساء، وتغافل القضايا التي يكون فيها الرجل ضحية.

كما يعرضون لمصطلحات تدعم تصورهم، مثل «الارتباط الفوقي» (Hypergamy)، الذي يعنون به أن المرأة تنجذب للرجل الذي يفوقها مالًا أو مكانة اجتماعية، ومن ثمّ فرؤية النساء للزواج مادية صرفة. ويُثيرون مسألة تفادي الانفراد بالنساء في أي مكان، تجنبا لتُهم الاعتداء والتحرش الجنسي، خاصة بعد حملة (#MeToo) التي ظهرت سنة 2017، حيث تمّت إدانة عشرات المشاهير من مختلف المجالات، على نحو أثار الشكوك في صحة المزاعم، ونزاهة الأحكام.

ويستعينون بدراسات وتحليلات تُفيد ميل أغلب النساء للارتباط بذكر ألفا (Alpha Male)، الأكثر ذكورية، الذي يتمتّع بكاريزما عالية وشخصية قوية، بل حتى الارتباط «بالباد بوي» (Bad Boy) ذي الطِّباع السيئة. في مقابل احتقارهن لذكر بيتا (Beta Male) «اللطيف والضعيف»، ولو أظهرن دعمهنّ له في العلن. كما أنّهن يُحدّدن مفهوم الرجولة وفقًا لمصالحهن.

وكثيرًا ما يقتبس مُناصرو هذه الحركة أفكار عالم النفس الكندي «جوردان بيترسون» (Jordan Peterson)، المعروف عنه انتقاده للصوابية السياسية، ومُناداته باستعادة الذكورية التقليدية، ومواجهة فوضى النسوية. كما يرى في ما يسمى «بالجندرية» سببًا في تفكيك الأسرة، وشذوذًا مُؤدّيًا إلى الانقراض.

ويُقصد بالصوابية السياسية (Political correctness)، فرض رقابة لغوية تجاه أساليب الخطاب والحوار والكتابة، بهدف تجنب الإساءة لأي جماعة من الناس. وبسبب السطوة الأيديولوجية والسياسية لهذه الصوابية، يُصبح كل من يخالفها عرضة للاتهام بالرجعية، والذكورية، والعنصرية، فيتحول بذلك أي نقد للنسوية مثلًا إلى ذكورية وتسلّط.

وفي الوسط الافتراضي العربي، يتم التعريف بأفكار هذه الحركة والترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف «توعية الرجال» بخطر البروباجندا النسوية القائمة على المظلومية والجندرية، وأثر ذلك على الرجل والمجتمع من خلال الدعم الإعلامي والقانوني الذي تحظى به النسوية.

يتم طرح المفاهيم والمصطلحات نفسها المتداولة في السياق الغربي، باعتبار تأثّر شريحة من المجتمع العربي بالأفكار النسوية، ووجود قوانين مماثلة نسبيًا لما يُسنّ هناك. كما تضاف مصطلحات خاصة مثل «النسوية الإسلامية»، أو «النسوية المتدثرة»، ويقصد بها المُسلمة التي تأخذ من النصوص الشرعية ما يوافق هواها، حيث تَستحضر الشرع فقط فيما يرتبط بحقوقها، وترفض أو تتحفظ على عدد من الأحكام الشرعية (الحجاب، التعدد، الميراث…)، ويتم اعتبارها على أنّها «أخطر من النسويات العلمانيات». ويؤكدون على أنّ الخطاب النسوي يُروّج لخطاب الكراهية ضد الرجل، مُستدلين على ذلك بتفاعل النسويات مع الحوادث التي يُقتل فيها الزوج مثلا على يد زوجته، حيث يعمدن لتبرير الجُرم باستحضار نغمة المظلومية، أو أخذ الأمر بنوع من الضحك والسخرية، فعند النسويات «الأنثى لا تُخطئ، وإن أخطأت فالسبب الذكور». وهذه الملاحظات تؤخذ إما من خلال تفاعلهن في الفضاء الافتراضي العام، أو بناء على ما يُسرّب من منشورات المجموعات النسائية المغلقة على «فيسبوك».
كما تُثار آراء وتخمينات عن مُخطّطات تستهدف «الرجولة»، تُروّجُ لكل ما من شأنه أن يؤدي إلى «تأنيث الرجل واسترجال المرأة»، ويُستحضر في هذا السياق ما يُعرف باتفاقية سيداو (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، التي يعتبرون أنّ هدفها تشویه الفِطرة من خلال تقبّل الشذوذ، واستضعاف الرجل، خدمة للأجندات النسوية و«النظام العالمي الجديد».

ماذا نُريد؟

حملت الموجة الأولى للنسوية شعار «تحرير المرأة» والدفاع عن حقوقها، ثم تحوّلت فيما بعد إلى «التمركز حول الأنثى» بحسب وصف المفكر المصري «عبد الوهاب المسيري»، وفق نموذج فكري (بارادايم) إنسانوي علماني مُناهِض للثوابت والكليات. حيث أفرزت مشروعًا جندريًا يقوم على إلغاء الفروق الجسدية الفطرية لفائدة جنس موحّد (unisex)، والدعوة للمساواة التامة، في سبيل «تمكين المرأة» المزعوم.

يرى المسيري في كتابه (قضية المرأة: بين التحرير والتمركز حول الأنثى) أن «مصطلح النسوية لا يُعبر عن تحرير المرأة، وإنما عن حالة الصراع مع الرجل، وتمركزها حول ذاتها، كنتاجٍ تاريخي لتحولات الإنسان الغربي». ويعتبر أنّه «في عالم كهذا، تظهر المرأة التي لا تشير لشيء إلا لذاتها، مكتفيةً بها خارج أي إطار اجتماعي، وفي حالة صراع كوني أزلي مع الرجل الذي ثارت على مفاهيمه المُحقّرة من شأنها، ليتحول التحرر إلى تمركز حول الذات وعداءً للآخر».

يسعى هذا التوجه إلى تفكيك البنيات الاجتماعية (الدين، اللغة، التاريخ…) وإعادة قراءتها من منظور أنثوي، إذ يفرض تصورات مفاهيمية تحت مُسمّيات أكاديمية جديدة شملت عدة قضايا (الأسرة، الأمومة…)، ونذكر في هذا الصدد «سيمون دو بوفوار»، إحدى رموز النسوية، التي كانت قد اعتبرت أنّ « المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح كذلك»، وأنّ «الأمومة مجرد خرافة».

استطاع الخطاب النسوي التأثير في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية عند الغرب، حيث تشكّلت قوى ضاغطة مؤثرة في الرأي العام، بدعم إعلاميّ ومؤسّساتيّ قوي، فتحوّلت الطروحات النسوية من إطارها النظري إلى واقع ملموس، تجلّى في استصدار قوانين لتمكين/استقواء المرأة، خاصة فيما يتعلق بقضايا الأسرة. وفي تفسير سبب هذا التحوّل، يرى المفكر المصري «محمد عمارة» في كتابه (الغرب والإسلام أين الخطأ وأين الصواب؟) أنّ «غلو التراث الغربي في احتقار المرأة فيه تفسير – وليس تبريرا – لاتخاذ النسوية هذه «النزعة الصراعية» ضد الرجل»، فكأنّ الأمر يُعبّر عن «نزعة انتقامية» أو «تصفية حساب تاريخية». ومع شعور الرجال هناك بأُثر ذلك على حقوقهم، يمكن تفهّم ظهور الحركات الذكورية الساعية للتعريف بمشاكلهم، ومحاولة التصدي لتلك الطُروحات.

لكن ما إن نُوجّه الدفة نحو مُجتمعنا الإسلامي الشرقي حتى نتساءل عن مدى تطابق الأوضاع، ومدى حاجتنا ل»فلسفة ذكورية» أو «حبة حمراء». إذ المفترض أنّنا نختلف بقيمنا وتصوّرنا، وتمثّلنا في الحياة عقيدة، وعبادة، وسلوكًا. لكن الواقع يُحدّثنا عن أنّنا في موضع المُتلقّي لكل ما يُنتجه الآخر، وأنّ منظومة قيمنا تزداد تلاشيًا يومًا يعد يوم، في سياق مُعولم مُهدّد للخصوصيات الهوياتية، عبر الأفكار الغربية الوافدة، خاصة في جانبها السلبي. فهل يُبرّر هذا الأمر استيراد الحلّ من النموذج الغربي نفسه الذي صدّر لنا المشكل؟

مبدئيا، لا ضير من الانفتاح على الآخر، والاطّلاع على ما لديه من أفكار وآراء، على أساس التعامل معها بحسّ نقدي، وعدم التسليم التام بكل التصوّرات المُثارة. فالأفكار والفلسفات الغربية الوافدة يؤخذ منها ويُرد، إذ يلتبس فيها الحق بالباطل، حيث تحمل ثقافة المجتمعات التي نشأت بها. فلا يمكن تبنّي كل تلك الأفكار دون نقد وتمحيص، ودون محاولة «لتبيئة المفاهيم» المُستوردة (بحسب تعبير محمد عابد الجابري).

يُحسب لهذا التيار تناوله لقضايا الرجل والمرأة من زاوية نظر أخرى، مغايرة عن تلك المُروّج لها إعلاميا، والمسنودة قانونيًا، والمُطبّع معها اجتماعيا. حيث يتم تسليط الضوء على بعض الأفكار والظواهر قصد إعادة النظر فيها، وتصحيح التصورات المغلوطة. كما يتم تشجيع الرجال على التطوير الذاتي وبناء الشخصية، والاهتمام بالدراسة والعمل والأنشطة البدنية، تعزيزًا لنمط العيش السليم.

لكن ما يُلاحظ على بعض الخطابات الرائجة داخله، اعتمادها على التنميط والقولبة، عبر تعميم الأحكام وإساءة الظن بجميع النساء دون استثناء. إضافة إلى توجهات داعية إما للعزوف عن الزواج، كرد فعل وحل مؤقت (أو نهائي)، أو الانغماس في العلاقات خارج إطاره والاكتفاء بذلك. وهنا ينبغي استحضار ضرورة خلق المواءمة بين الأفكار المستوردة وقيمنا وخصوصياتنا، فالتنفير من الزواج مثلًا فيه إعراض عن سنَّة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسلك غير الزواج سبيلًا قد يودي بالمرء للوقوع في المحظور.

إذ المفروض أن فلسفة التيار لا تقوم على الكراهية، بل تصف ما آلت إليه الأمور (تعطيل القوامة والولاية مثلًا)، وأثر ذلك على الفطرة السوية، في محاولة لاسترجاع الأدوار الفطرية لكل من الرجل والمرأة. فنقد الخطاب النسوي يستوجب تقديم خطاب مُتّزن، قائم على الحجة والمنطق، يُمكِّن من تشكيل مناعة فكرية وعقدية، لتحقيق العودة للمنبع الأصیل، حيث العدالة والرحمة، بدل الفردانية والأنانية.

وكما قال المسيري، ينبغي للحلول أن تُولّد انطلاقًا من «نماذجنا المعرفية ومنظومتنا القيمية والأخلاقية، وأن يُستبدل الحديث عن «حقوق الإنسان» الفرد، و«حقوق المرأة» الفرد، و«حقوق الطفل» الفرد، بالحديث عن «حقوق الأسرة» نقطةَ بداية يتفرّع عنها «حقوق الأفراد» داخل منظومة الأسرة، وبهذا نتجاوز فكرة تحقيق الذات بشكل فردي مطلق إلى تحقيق الذات داخل إطار الأسرة.. فالحل لا يتمثل بتمركز طرفي الأسرة على ذواتهما، كل على حدة، وإنما بانفتاح كل طرف على الآخر، والانطلاق من الأسرة كنقطة مركزية؛ مما يعيد الرجل لأهمية تفاعله الإنساني، ويحد من شعور المرأة بالمظلومية التي انعكست في محاولات تمركزها حول ذاتها».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد