في شهر فبراير من السنة الماضية ألح علَيَّ أحد المشايخ في طلب لقائه بعد طول غياب، فظننت أن ثمة مستجَدًًا يستوجب الحضور العاجل؛ لكن عند الاجتماع أخَذ يُفْرِغ ما لم يصبر على حبسه في صدره: «هل تعلم أن الصينيين الذين نَكَّلوا بالمسلمين الإيغُور وعزلوهم سَلّط عليهم ربُّ العزة جنْدًا من جنوده (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)، فكان الجزاء من جنس العمل: فيروس أدى إلى قتل وعزل الملايين من الكفار، يا له من عقاب! سبحانك ربي، ما أعْدَلك»!

هكذا، في بداية انتشار الوباء لم يكْترث شيخي للإشاعات التي قالت إن سبب المرض انتشار غاز سام في الجو أو بداية تشغيل أجهزة الجيل الخامس من الاتصالات، فقد بدا مقتنعًا بأن المرض عقاب إلهي للصين على ما فعلته بالمسلمين. لكن، عندما تهاوى مؤشر تكاثر الفيروس في الصين وعمَّ الوباء كل القارات عدَّل هذا التفسيرَ حيث ربط الوباء بِتَفَشّي الفاحشة وعدم الالتزام بالدين، فاعتبر الفيروس وخْزًا من الجِن مسيَّرا بأمر ربّه، يصيب به من يشاء ويصرفه عمّن يشاء، ونفى أن يكُون جسما ينتقل من شخص لآخر، مستدلًّا بالحديث المنسوب إلى رسول الله «لا عدوى ولا طيرة». لقد غَيّر رأيه لِئَلاّ يقول إن الذين تعافَوا في الصين تغلبوا على جنود الله، خرج مِن ورْطته بجعل الفيروس يَنال من كل الناس، عقابا لهم بما كسبت أيديهم: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رُفع إلا بتوبة؛ مستبعِدًا كعادته الأسباب الطبيعية ومتعلِّقا بالتفسيرات الغيبية.

ومع إغلاق المساجد ومنْع الحج شرَع الشيخ في التحذير من مؤامرة صهيونية: ما دامت المساجد محصَّنة من الأوبئة ومكّة محروسة بالملائكة فلا مبرر للإغلاق! والأمر لا يعدو أن يكون مدبَّرا من طرف أعداء الإسلام لطمس معالم الدين، ويستدعي استحضار الآية الكريمة ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ التوبة 32.

وأمام ظهور بُؤر قريبة وتسجيل حالات حرجة وسقوط ضحايا، بدأ الفقيه يتابع إحصائيات الرصد الوبائي مستشعرًا خطورة الوضع، فَطَوَّر خطابه مع الجائحة وصار يُرَوِّج لوسائله الخاصة في الوقاية والعلاج ضاربًا عرض الحائط بكل الطرق التي يوصي بها العاملون في قطاع الصحة؛ كان يستجير بأدعية الصباح والمساء ضد الفيروس اللعين، ويُسبغ الوضوء على المكاره ليحافظ على هالَته النورانية الواقية التي تعفيه من استعمال المُعقِّمات! وأمَرَ يومًا أتْباعه بالصعود إلى أسطح المنازل للدعاء اعتقادًا بوجود الله في السماء، وكان يقول واثقًا: «يزعُم بَعضُ مَنْ ينسبون أنفسَهم إلى العِلْم أنَّ منْع تَفَشي الوباء يقتضي إغلاق المساجد، وزَيَّن لهم بعض الأطباء سَوْأتهم، مُتَناسِين أن بيوت الله في حماية الملائكة ومحصنة بذكر الله وتلاوة القرآن. ولو كَلَّفوا أنفسهم أن يبحثوا عن الشفاء لَوَجَدوه في التضرع إلى الله والصلاة جماعةً في المساجد؛ وبما أن الفقهاء أعلم من الأطباء في هذه الأمور، احذروا أن تنتصروا للطب، فلحوم «العلماء» مسمومة، وسُمِّيتُها شديدة لا ينفع معها تِرْياق الأطباء. عليكم بالصبر واللجوء إلى الله، وسننتصر على فيروس كورونا بحلول رمضان لكون الصوم يقوي المناعة ويقضى على الميكروبات. وفي انتظار ذلك، أوصيكم بِخلْط القرنفل والقرفة بالماء الساخن للوقاية من المرض عن طريق المضمضة والاستنشاق. وإياكم من تبذير المال في تشخيص الأمراض، فلا لزوم للتحاليل والأشعة ما دامت الحبة السوداء دواء لكل داء».

وتمادى الواعظ في غَيِّه حين طفِق يزرع الشك ويُثير الفوضى بالاستخفاف بالإجراءات الاحترازية ورفْض معطيات علم الأوبئة، كما جاء في صفحة مُحِبي الشيخ على «فيسبوك»: «إن كورونا مجرد مؤامرة صهيونية الهدف منها إغلاق بيوت الله. وتعطيل صلاة الجماعة خشيةَ المرض قرارٌ غير شرعي ينطوي على إيديولوجيات فاسدة للمغرضين المتربصين بالإسلام. فحِفْظ الدِّين مقدم على حفظ النفس بوصفه أول الضروريات الخمس. واستنادًا إلى قول ابن تيمية «لا يحل إغلاق المساجد عما شُرِعت له» فكل فتاوي إغلاق المساجد باطلة. إنما كورونا مؤامرة يتزعمها المسيح الدجال الذي يمهد للخروج، وتُرَوِّج لها حناجر الشياطين من بني عِلْمان للسيطرة على البشر والتحكم في مصيرهم بِفرْض لقاح يُضْعف المناعة البدنية بعد أن تأكدوا من إضعاف المناعة الدينية».

وبعد فتْح المساجد رفَض الفقيه الصلاة بالتباعد ونَعَتها بصلاة الشطرنج التي يتخلل الشيطان صفوفها وتبطُل بوجود الفُرُجات. والحق يقال، فرِحَ المسلمون بالعودة إلى المساجد مع احترام الإجراءات الاحترازية، وإن كان بعض الأئمة يُصِرون دون أن يَدْرون على معارضة التباعد بترديد «استووا واعتدلوا وتراصوا» قبل تكبيرة الإحرام؛ فأيُّ تراصٍّ مع التباعد؟! أما الكمامة، فيزعم هذا الفقيه أنها فُرضت علينا من طرف من يسميهم زبانية إبليس من العلمانيين، فهو لا يستسيغها خاصة في المسجد لِما نُسِب لرسول الله مِن نهْي عن تغطية الفم في الصلاة؛ لكنه استحسن فرْضَها على النساء حتى بعد الوباء، واعتبرها مقدِّمة لوضع النقاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد