إن الأوضاع التي يعيشها العالم اليوم مع جائحة (كوفيد-19)، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، تدعو إلى التكافل الاجتماعي، وقد استفادت منه بعض الدول والهيئات والمؤسسات التي سبق لها أن سنّت تشريعات وقوانين تخص نظام الزكاة، نذكر بعضها، وليس على سبيل الحصر:

المملكة العربية السعودية: صدر مرسوم ملكي سنة 1951 باستيفاء الزكاة الشرعية من الأفراد والشركات السعوديين.

اليمن: منذ سنة 1962 أخذ التنظيم الرسمي لتطبيق فريضة الزكاة في اليمن أشكالًا مختلفة، وفي 1975 صدر قرار جمهوري بإنشاء مصلحة الواجبات التي تسعى إلى جباية وتحصيل أموال الزكاة وتوزعها على مستحقيها.

الأردن: صدر أول قانون خاص لتفعيل الزكاة في المملكة الأردنية الهاشمية سنة 1944، وفي سنة 1978 صدر قانون صندوق الزكاة، ثم قانون في سنة 1988 أعطى الشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري للصندوق تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية.

ليبيا: صدر قانون الزكاة سنة 1971، وتضمن القانون أربعة أبواب جمعت أحكام الزكاة، والإجراءات الخاصة بجمعها، والعقوبات، والأحكام العامة.

البحرين: أصدرت قانون لإنشاء صندوق للزكاة سنة 1979.

باكستان: صدر قانون جزئي للزكاة سنة 1979، ثم قانون الزكاة والعشر سنة 1980.

ماليزيا: تأسيس بيت الزكاة والمال سنة 1980.

السودان: أنشئ صندوق الزكاة في السودان بقرار سنة 1980.

الكويت: تأسست لجان الزكاة في الكويت سنة 1981، وفي سنة 1982 صدر قانون بشأن إنشاء بيت الزكاة كهيئة عامة ذات ميزانية مستقلة.

قطر: صدر قانون بإنشاء صندوق الزكاة سنة 1991.

الجزائر: كان إنشاء صندوق الزكاة سنة 2003.

فلسطين: تأسست هيئة الزكاة الفلسطينية سنة 2008.

تُعد هذه الفريضة من أهم المؤسسات التشريعية الإسلامية التي تستطيع علاج كثير من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وقد تكفلت الشريعة المحمدية الشاملة لجميع مناحي الحياة ببيان مقاصدها وأهدافها، وضبط أنصبتها ومستحقيها، والأموال التي تجب فيها.

إن الزكاة علاوة على كونها فريضة من فرائض الإسلام، فهي حق للفقراء والمساكين والمحتاجين فريضة من الله في أموال الأغنياء، قصد إقامة التوازن الاقتصادي والتكافل الاجتماعي، ولقد أصبحت موضوع الساعة، من لدن الخبراء والاقتصاديين وأساتذة الشريعة والفقهاء، فالكل أصبح ينادي بإحياء هذه الركن الثالث من أركان الإسلام، خاصة في البلدان التي لم تلحق بعد بالركب كالمملكة المغربية وإن كان مشروع الزكاة مذ فترة وهو على الطاولة ينتظر التفعيل.

فالشريعة قد ألزمت أولي الأمر أو من ينوب عنهم كالمؤسسات والهيئات، بجمعها والسهر على توزيعها، يقول الإمام الرازي في تفسيره لآية: «إنما الصدقات…»، دلت هذه الآية على أن هذه الزكاة يتولى أخذها وتفرقتها الإمام ومن يلي من قبله؛ والدليل عليه: أن الله تعالى جعل للعاملين سهما فيه، وذلك يدل على أنه لابد في أداء هذه الزكوات من عامل، والعامل هو الذي نصبه الإمام لأخذ الزكوات (التفسير الكبير، 16/114).

وكذا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أرسل معاذ بن جبل إلى أهل اليمن فقال له: فإنْ هُمْ أطاعُوا لذلكَ، فأعْلِمْهُمْ أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عليهم صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِن أغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ في فُقَرائِهِمْ (صحيح مسلم) ، وكذا الخلفاء من بعده فقد أمر عمر بن عبد العزيز منادي ينادي في الناس: أين الغارمون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ (البداية والنهاية، ابن كثير: 12/696) فإذا تركت للأفراد كما هو الشأن الآن قد لا يدفعونها لمستحقيها، إما لضعف الوازع الديني، أو لقلة الوعي لدى كثيرين عن طريقة احتسابها بَلْه بمقاصدها، وكذا الانغماس الحاصل على الكَمَالِيّات مما يحول دون إخراجها، قال الإمام النووي: إن في الناس من يملك المال ولا يعرف ما يجب عليه، ومنهم من يبخل فوجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة (المجموع شرح المهذب، النووي، 1/167)

لكن كيف يمكن أن تساهم الزكاة في معالجة آثار الجوائح؟

تشير دراسة أنجزت من الهيئات المختصة في البنك الدولي إلى أن ثلاث مليارات من سكان العالم يعيشون في فقر و 46 مليون نسمة يعيشون بدخل يومي يساوي 1.25 دولار، و35% من مجمل هذا الرقم يوجد في العالم الإسلامي.

أضف إلى ما سبق ذكره من الركود الاقتصادي بسبب جائحة (كوفيد-19) فعدة شركات ومؤسسات توقفت إما نسبيًا أو كليًا، في المغرب عدد الشركات المتوقفة عن العمل 143 ألف شركة، مما ينتج عنه ارتفاع عدد البطالة، فبلغ عدد المصرح بهم في صندوق الضمان الاجتماعي 810 ألف شخص، ناهيك عن غير المصرح بهم، وأصحاب التجارة الحرة والفلاحين الصغار وغير ذلك، فقد قامت الدولة المغربية بعمل مشكور من خلال مساعدات قُدّمت لعدة فئات سواء المصرح بهم أو غير المصرح بهم.

 لكن هذه المساعدة هي مؤقتة لهذه الأزمة أي لثلاثة أشهر كما تم تحديدها من قبل الحكومة، وكذا لا تسمن ولا تغني، فهي في حدود ألفي درهم للمصرح بهم، وما بين 800 إلى 1200 درهم للفئة غير المصرح بهم (ينظر: التدابير المالية والاقتصادية لمجابهة الأزمة الناتجة عن جائحة كورونا (كوفيد -19) ببلادنا وزير الاقتصاد والمالية، 27 أبريل (نيسان) 2020، فمنهم من سيستأنف العمل بعد زوال هذه الجائحة – إن شاء الله – ومنهم من لن يستطيع فعل ذل، فمن مقاصد الزكاة إغناء الفقير والمسكين نفسه بنفسه بحيث يكون له مورد للدخل مستقر يكفيه عن المسألة، يقول الإمام الرملي الشافعي: ويعطى الفقير والمسكين إن لم يحسن كل منهما كسبًا بحرفة، ولا تجارة كفاية سنة والأصح كفاية عمره الغالب؛ لأن القصد إغناؤه··· أما من يحسن حرفة تكفيه لائقة فيعطى ثمن آلة حرفته وإن كثرت أو تجارة فيعطى رأس مال يكفيه (نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، 1/161)·

وبالتالي يتم إدماج فئة من العاطلين في الحركة الإنتاجية سواء الحرفيين منهم أو التجار أو الفلاحين.

ولإنجاح مؤسسة الزكاة يحتاج منا حسن النية أولًا، ثم إلى حسن التدبير الإداري والاستقلال المالي، وهم فئة العاملين عليها، فالشريعة خصصتهم لهم سهم مع الثمانية المذكورين في الآية: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم» [التوبة: 60]، فلابد عن حسن اختيار الموظفين لهذه المهام العظيمة، وأجورهم من دخل الزكاة، فنحتاج لإقامة هذه المؤسسة إلى مصلحة جباية الزكاة، ومصلحة متخصصة بتوزيع الزكاة، ومصلحة استثمار أموال الزكاة، ومصلحة التدقيق، ومصلحة الاستشارات الشرعية إلى غير ذلك من الأطر، فهو أيضًا مسلك لتشغيل فئة من العاطلين عن العمل. (ينظر مراحل وخطوات مشروع التطبيق المثالي لقانون الزكاة، إدريس الكتاني، ص 163، مجلة الزكاة وانعكاساتها في المجالين الاقتصادي والاجتماعي).

أما فيما يخص المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي تضررت أيضًا من هذه الجائحة فلا شك أن منها ما ستصبح معوزة، سواء باسترداد ما لها على الناس أو بدفع الديون المتركبة عليها إثر هذا الكساد الاقتصادي، فهذا صنف أيضًا راعته الشريعة وضربت له سهما مع المستحقين للزكاة، وهم الغارمون؛ المدينون الذين لزمتهم ديونهم وعجزوا عن سدادها، فيعطون من الزكاة ليفوا ديونهم، بدلًا عن إعلان إفلاسهم، ومن العلماء من أدخل في هذا الصنف أصحاب الجوائح، سواء من احترق متجره أو فسدت بضاعته أو تلف مصنعه، وهذا سيساهم في إعادة هيكلة هؤلاء المتضررين لاستعادت نشاطهم، الأمر الذي يؤول إلى إنعاش الاقتصاد الوطني والحد من الركود الاقتصادي، فالإسلام لا يسقط فيه الشريف، ولا يضيع فيه الأمين.

فهذه نماذج سيقت لبيان أثر الزكاة على الفرد والمجتمع، ودورها في التكافل الاجتماعي، فأصبح علينا لزامًا إحياء هذه الفريضة لاستكمال منظومة الاقتصاد الإسلامي من جهة، خاصة مع المصادقة الأخيرة على قانون التأمين التكافلي الذي له دور فعال في القطاع، سواء لحماية المستهلكين أو المؤسسات البنكية، وقبله البنوك التشاركية والصكوك، وفي انتظار مؤشر البورصة الإسلامي، الذي هو في طور التهيئة، ومن جهة أخرى لمواجهة الأزمة المرتقبة بعد رفع البلاء، فلا بد للجهات المعنية من رؤية واضحة وخطة إستراتجية لما بعد الجائحة.

فالزكاة هي جوهر النظام الاقتصادي الإسلامي الشامل لجميع مناحي الحياة، ولابد لِلَّيْلِ أَنْ يَنْجَلِي وتعود الأمور إلى نصابها، فالإسلام يريد أن يحرر العبد من هموم ضرورات الحياة المادية، ليتفرغ لما خلق له، وهو عبادة الله عز وجل، «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون»، ولا يعني هذا اعتزال الحياة، بل المقصد الثاني لإيجاد الخلق بعد العبادة هو الاستخلاف في الأرض والتنمية بالمفهوم الشامل.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره، فيتصدق منه، ويستغني به عن الناس، خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه، ذلك بأن اليد العليا أفضل من اليد السفلى وابدأ بمن تعول (رواه مسلم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الزكاة, مؤسسة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد