– لا يستطيع أحد أن ينكر دور أجهزة الاستخبارات في الحكم في العصر الحديث، فأجهزة الاستخبارات وإن كانت وظيفتها الرئيسية هي جمع المعلومات لا اتخاذ القرارات، إلا أنها تعتبر هي الحاكم الفعلي للعالم من خلال المعطيات التي تضعها أمام صانع القرار والتي قد توجهه إلى وجهة بعينها، فهي تحكم العالم ولكن من وراء ستار يحجب الشعوب عن رؤيتها، ويحفظ لها مكانها المميز في موقع المراقبة والتحليل.

لذا فإننا إن أطلقنا على أجهزة الاستخبارات وصف “الأشباح الحاكمة” فإننا لا نكون قد تجاوزنا الواقع كثيرًا.

– يتناول كتاب “رجل في الظلال” لكاتبه “إفرايم هالفي” رئيس الموساد السابق، والذي قضى أكثر من ثلاثين عامًا في العمل في العلاقة المعقدة بين صانع القرار السياسي وما أسماهم المحترفين، وهم أعضاء أجهزة الاستخبارات والعاملين فيها من خلال سرده لبعض المواقف والأحداث التي مرت به أثناء عمله في الجهاز وتخصصه في أمور الشرق الأوسط.

 

– إن كنت تبحث عن أسرار خطيرة أو اعترافات جديدة فإن هذا الكتاب لن يجيب سؤالك، ولا أعتقد أنك ستجد كتابًا يحتوي على هذه الأشياء أبدًا، وإنما هي بعض الأفكار التي تستطيع منها استخلاص طريقة تفكير هذه الأجهزة والقائمين عليها.

(1) يبدأ هالفي كتابه بفصل (نهاية حرب الثماني سنوات) والذي يحكي فيه عن الحرب الإيرانية العراقية التي انتهت عام 1988 وتبعاتها على منطقة الشرق الأوسط وإسرائيل بوجه خاص، فيقول:


وطوال ثماني سنوات تقريبًا وإسرائيل تقف موقف المتفرج، وهي تراقب المواجهة السنية الشيعية بارتياح كبير. فالإضعاف المتبادل للعراق وإيران، العدوين اللدودين لإسرائيل، يخدم المصالح الاستراتيجية لإسرائيل منذ وقت، ويسهم في تراجع خطر الجبهة الشرقية التي ظلت الميزة المحورية للتخطيط الإسرائيلي لعدة عقود.


بهذه البساطة يختزل هالفي مصلحة إسرائيل في انشغال الدول المحيطة بها في صراعات أخرى دينية أو مذهبية أو عقائدية.

  • من جهة أخرى يتحدث هالفى عن شروع إسرائيل في ذلك الوقت ببناء علاقات استراتيجية مع دول أبعد من منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا في أفريقيا والمغرب العربي تسمح لها ببسط نفوذها وقت اللزوم ولو بدون إشراك الولايات المتحدة في تفاصيل هذه العلاقات، من أجل إثبات قوتها وتماسكها كدولة أمام الولايات المتحدة، وإن كان الاعتماد الأكبر لإسرائيل على دعم الولايات المتحدة إلا أن علاقات كهذه قد تعمل على تقوية صورة إسرائيل كشريك للولايات المتحدة لا كتابع لها.(2) في الفصل الثاني والذي أسماه هالفي “العد التنازلي للحرب”، حرب احتلال العراق للكويت، يتحدث عن مقدمات الحرب، وكيف أن صدام الذي كان يحظى بالدعم من أمريكا عن طريق العمليات الاستخبارية في حربه ضد إيران مقابل أنه تحمل عنها مواجهة الخطر الإيراني، بات هو نفسه خطرًا على أمريكا عندما زاد نفوذه، وأصبحت بعض الشعوب العربية تراه بطلًا.هكذا أحوال السياسة فحليف اليوم هو عدو الغد، لكن أمريكا اختارت الحل غير المباشر بأن تترك لصدام الحبل كي يشنق به نفسه، وكان هذا الحبل هو “احتلال الكويت”.

    أضحت مواجهة صدام حسين بتحالف دولي ضرورة حتمية، وكان قرار أمريكا بأن تُستبعد إسرائيل من هذه المواجهة وتمارس ضبط النفس – على الرغم من الصواريخ التي وجهها صدام عن طريق الأراضي الأردنية ناحية إسرائيل- حتى لا تتخذ الدول العربية ذلك ذريعة للانسحاب من المواجهة التي أرادت أمريكا أن تشركهم فيها بشكل رئيسي.

(3) وبعد حرب إجلاء العراق عن الكويت باتت أمريكا والدول الأوروبية في مأزق آخر على الرغم من النجاح، فصورتها كمتدخل حربي في دول الشرق الأوسط أصبحت في حاجة إلى نفض غبار الحرب عنها عن طريق التوصل إلى حل في الصراع العربي الإسرائيلي، ويحدثنا “هالفي” بشكل خاص عن تفاصيل الاتفاقية الأردنية الإسرائيلية، حيث كان عنصرًا فاعلًا في عمليات المفاوضات السرية بين الأردن وإسرائيل، وكان يتمتع بعلاقات خاصة واحترام متبادل بينه وبين الملك حسين ملك الأردن؛ مما مكنه من إنجاز العديد من الأمور في هذا الشأن.

بحسب رواية “هالفي” فإن الأمر لم يكن من السهولة بمكان، فالطرفان يريدان الخروج بأقل الخسائر، والملك ورئيس الوزراء يريدان أن يحفظا صورتهما أمام شعوبهما.

كانت الخلافات تحدث على وضع كلمات بعينها في بيان الاتفاقية، ثم أصبح الخلاف الأكبر على مكان توقيع الاتفاقية في بقعة محددة بين الأردن وإسرائيل أم في مكان آخر حتى تدخلت أمريكا لتعلن غضبها من الطرفين بعبارة صيغت على لسان المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مفادها أن هذا العرس كان من البداية تحت رعاية أمريكا، وأنه لا بد أن ينجز هناك حيث إن أمريكا هي التي ستمد الأردن بصفقات السلاح بعد انقطاع طويل منذ أن وقف الملك حسين مع صدام قبيل حرب الخليج الثانية وهو ما حدث بالفعل، دُشنت المفاوضات في الكونجرس الأمريكي في يوليو 1994 ثم وقعت الاتفاقية على الحدود الأردنية الإسرائيلية بحضور كلينتون رئيس أمريكا في هذا الوقت في أكتوبرعام 1994.

رابط لخطاب الملك حسين في الكونجرس في بداية المفاوضات التمهيدية للاتفاقية:


رابط لتوقيع الاتفاقية في الأراضي الأردنية الإسرائيلية:

 

أجل هكذا كان الأمراء والملوك والرؤساء العرب يساقون إلى عقد الاتفاقيات مع إسرائيل، عن طريق قطع المعونات العسكرية عنهم عند غضب الأب الروحي “أمريكا” وإعادتها مرة أخرى عندما تعقد الاتفاقات مع الصغيرة المدللة “إسرائيل”.

(4) في الفصل الثامن يتحدث “هالفي” عن صفات القادة الذين قابلهم على مدى عمله في الموساد، فلا يخفي كراهيته لعرفات فيصفه بالمخادع الذي يجيد استجداء الأموال من القاصي والداني، ويساند المقاومة الفلسطينية بالسلاح من الخفاء، بينما يتظاهر برغبته في إقامة سلام مع إسرائيل ما جعل التخلص منه واستبداله بأبي مازن خطوة دبرت بعناية من الإدارة الإسرائيلية والأمريكية بمباركة الدول العربية.

يصف “هالفي” مبارك ضمنيًّا بأنه كان ذكيًّا في التعامل مع إسرائيل، فهو من ناحية كان يطلق للصحافة والإعلام العنان في القدح في إسرائيل ليل نهار، ولكنه من الجانب الآخر كان يتقدم بخطوات جدية في عملية السلام على عكس الكثير من رؤساء الدول الأخرى.

لا يخفي “هالفي” إعجابه بالملك حسين ذلك أنه كان مقربًا منه بشكل كبير، يثني عليه في خطواته نحو الاتفاقية مع إسرائيل، بينما يصف حافظ الأسد من خلال سياساته أنه لم يكن يريد السلام الحقيقي، وإنما كان يريد الحفاظ على حكم دولته لذا كانت خياراته دائمًا منصبة في هذا الصدد عن طريق التحالف مع إيران وروسيا من جهة، وعدم الاكتفاء بالتفاوض مع أمريكا.

(5) بعد ذلك يتطرق الكاتب إلى أمر في غاية الدقة، وهو علاقة أجهزة المخابرات بعملائها حول العالم، هذه العلاقة التي تسعى إسرائيل أن تظهرها بشكل قوي كلما سنحت لها الفرص، فهي لا تدخر جهدًا في إظهار جهاز مخابراتها بأنه لا يتخلى عن عملائه أبدًا مهما كانت الأخطار التي قد وقعوا فيها.

 

وقد اختار “هالفي” عملية محاولة اغتيال مشعل الفاشلة كمثال لذلك، فيحكي عن العملية التي فشلت في الأردن والعملاء الستة الذين قاموا بها احتمى منهم أربعة في السفارة الإسرائيلية واثنان تم القبض عليهم من قبل السلطات الأردنية، كان الملك حسين غاضبًا جدًا من استخدام بلاده في هذه العمليات وانتابه شعور بالخيانة، ولكن الموساد نجح في إثناءه عن أي فعل ضد العملاء الستة عن طريق المفاوضات، وحرر الستة أفراد مقابل تحرير الشيخ ياسين وبعض المحتجزين في السجون الإسرائيلية.


لكن هالفي لا يكتفي بهذا المثال فحسب، ولكنه يذكر بعدها مثالًا لعميل آخر فشلت عمليته في الدنمارك وألقي القبض عليه أيضًا، وكيف تدخل الموساد ليمنعه من دخول السجن في الدنمارك عن طريق مفاوضات جدية أسفرت عن إطلاق سراحه في نهاية الأمر وعودته إلى إسرائيل.

وسواء كانت هذه الحكايات حقيقية أم بها شيء من التضخيم، إلا أن إسرائيل تصر دائمًا على أن تصدرعن نفسها صورة البلد الذي لا يتخلى عن أصدقائه، وهو دهاء يجب علينا أن نتعلم منه.

(6) في نظري سيزيد الوضع من عزيمة الدول والمجتمعات على التحرك من أجل حماية نفسها مع تراجع الاعتبارات المتعلقة بالسيادة الوطنية للدول المستقلة. وفي مواجهة هذه الأخطار المميزة والتحذيرات المبكرة المنذرة بالسوء، ربما تلجأ الدول إلى المزيد والمزيد مما يمكن أن أسميه طرق المساعدة الذاتية، عبر مد يدها للتعامل مع عدوها بنفسها من غير أن تنتظر بالضرورة البلد الذي يأوي الإرهابين المحتملين أو المؤكدين. الحرب الأفغانية في عام 2002 تقدم لنا مثالًا واسع النطاق على ذلك، لكن في المستقبل، ربما ستبرز أكثر من حالة تحتاج فيها إحدى الدول إلى اتخاذ تدابير وقائية فعالة من جانب واحد.


نتيجة كل ما سبق هو أن أساسيات القانون الدولي التقليدي ستزول أمام الإملاءات التي تفرضها ضرورة البقاء القومي. وستعمد الحكومات والمسؤولون التنفيذيون الكبار إلى اتخاذ إجراءات من النادر أن أحدًا كان يحلم بها في الماضي”.

 

بهذه الكلمات استطلع هالفي مستقبل العالم في التعامل مع الإرهاب ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتحليله لمواطن الخلل الاستخباراتي الذي حال دون منع هذه الأحداث وما تلتها من أحداث إرهابية في العالم، فهو يرى أن العالم لا شك سيضطر لأن يخترق القوانين الدولية لمواجهة الإرهاب في العالم، وهو ما حدث ويحدث بالفعل.

 

ختامًا: فإن قراءة مذكرات الاستخباراتيين ربما تعتبر مدخلًا أكبر لفهم طريقة تعامل الدول من خلال أشخاصها المحجوبين عن الأنظار، أكثر من قراءة السياسيين البارزين الذين يسعون للضوء ويسعى الضوء لهم، فهذا العالم حقيقة يساس من خلال هؤلاء الرجال “رجال الظلال”.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد