منذ زمن قديم والمجتمع ينظر لرجل الدين نظرة خاصة سببت له عزلة اجتماعية وأخرجته من إطار البشرية وما يعتريها من شهوات ورغبات ونمط عيش، ولو عدنا للتاريخ القديم لوجدنا شرارات تلك النظرة مبثوثة في القرآن الكريم حيث تعجبَ كفار قريش من الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم: (مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) وكأنهم بذلك يستنكرون على من حمل همّ الرسالة أن يعيش حياة طبيعية مثلهم، وقد جاء القرآن بنفي تلك النظرة الاجتماعية ورفضها، فالله عزوجل يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ويطلب منه تغيير تلك النظرة بقوله (قل إنما أنا بشر مثلكم)، وليقوم الرسول الكريم بالسعي في إماطة هذا المفهوم الخاطئ حين جاءه رجل ووقف بين يديه فارتعدت فرائصه مهابة منه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (هون عليك فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة) وهو بذلك يصور له الطبيعة البشرية وما يعتريها من حاجة للمأكل والملبس، كما صور له بيئة مكة ليشعره بالقواسم المشتركة وليكرّس التوجيه الرباني (قل إنما أنا بشر مثلكم) آكل كما تأكلون وألبس مما تلبسون وأسكن مما تسكنون، وأمي أيضًا كأمهاتكم تأكل القديد وهو اللحم المجفف، واختار القديد دون غيره، للدّلالة على أننا بشر نحتاج لكل شيء مثلكم حتى القديد.

كما أن هذا الخطاب وجّه للنصارى حين قدّسوا المسيح وأخرجوه من إطار البشرية فقال لهم عزوجل (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام) ورغم أن الخطاب جاء لنفي الألوهية عن المسيح وإثبات بشريته، إلا أن بعض البشر يعتقد أن كل مخلوق مرسل من عند الله هو مخلوق مقدّس قد يصل لمرحلة الألوهية، ويبدو أن تلك النظرة سُحبت على كل من تلبّس بلباس الدين وأخذ على عاتقه مسؤوليته.

ورغم الجهود التي بذلت لمحو تلك النظرة على مرّ التاريخ إلا أن لعنتها ما زالت تلاحق رجال الدين وتنغص معيشتهم، بل إن البعض منهم استسلم ولبس ثوبها رغمًا عنه، خوفًا من نظرة المجتمع، وعلى سبيل المثال أحد رجال الدين على إحدى القنوات الفضائية يتحدث عن سبب استقالته من منصبه الديني بسبب قيود المجتمع عليه، وأن استقالته جاءت رغبةً منه أن يعيش حياة طبيعية دون أن يُحصر في جلباب الشيخ الذي فصّله المجتمع بمقاسات ضيقة، ثم يذكر أنه وبعد أن ترك كرسي المشيخة مارس حياته كما يريد فخرج بالّلباس الذي يحب واندمج في المجتمع بشكل أكبر وخالط شرائح المجتمع دون مجاملات أو حدود، وانطلق يمارس هواياته دون حرج.

ولو عدنا لبدايات الإسلام لوجدنا أن المسلمين في ذلك الوقت لم يكونوا أقسامًا كما نحن اليوم، فليس هناك مسميات كشيخ أو مطوع أو ملتزم أو داعية أو مفت أو إمام أو غيرها من النعوت التي ساهمت في فصل رجل الدين عن المجتمع، وجعلت منه مخلوقًا مقدسًا، وحدّت له حدودًا خارج بؤرة المجتمع، ويبدو أن بعض رجال الدين قد انجرفوا لتلك النظرة فصدّقوها، ومارسوا نفس النظرة ضد غيرهم فسمّوا من ليسوا على شاكلتهم بالعوام، في إشارة منهم أنهم هم الخواص وبذلك يضعون أنفسهم في سلم الترتيب الاجتماعي ويستصغرون ويترفعون عمن دونهم -حسب اعتقادهم-!

إن مجتمعاتنا ساهمت في التفرقة بين أفراد المجتمع وأطيافه وجعلت من المجتمع الواحد عدة مجتمعات تتنابز فيما بينها بالانتماءات والمسميات، وقد أُسست تلك التفرقة عبر حلحلة النسيج الاجتماعي وحشر أجزاء منه في زوايا ضيقة تحت تصنيفات ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان.

وليس الأمر مقتصرًا علينا باعتبارنا مسلمين، بل إن الأمر موجود أيضًا في المجتمعات غير المسلمة، وهذا ربما يُشم منه روائح العلمانية والتي تدعو لفصل الدين عن الدولة، ولكن في حالتنا هذه فصل رجل الدين عن المجتمع.

إن مجتمعاتنا البشرية بحاجة للتقارب مع رجال الدين، ودمجهم في المجتمع ومسح غبار الوحشة عن قلوبهم وكسر الأصنام التي عشّشت على عقولهم وأبعدتهم عن قاعدة المجتمع، وجعلت منهم ملائكة يسبحون في عالم الخيال.

وأنا هنا لا أبرئ رجل الدين، فهو أيضًا شريك فيما حلّ به حين توارى في صومعته أو مصلّاه وانكفأ على نفسه يذم المجتمع ويراه منطقة محظورة تفسد عليه دينه وتبعده عن خالقه، وهذا لا يستقيم مع قول الرسول الله صلى الله عليه الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم -أو كما عليه الصلاة والسلام-.

إن المجتمع بحاجة ملحّة للتقارب مع رجال الدين وخلق أرضية مشتركة للتعايش بعيدًا عن التحزبات والمحسوبيات، فالبشر على اختلاف أديانهم إن لم يجتمعوا تحت مظلة الإنسانية فستحرقهم نار الكراهية، لأن كلا منهم يرى الآخر مخالفًا لدينه وعاداته واعتقاده.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدين, رأي, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد