أتحفنا نادي شومان السينمائي بتقديم هذه التحفة السينمائية، التي تعتبر الجزء الثاني من ثلاثية المخرج الفنلندي الشهير «آكي كوريسماكي»، حيث يتابع هنا قصة رجل يصل متأخرًا لهيلسنكي بالقطار، وبعد أن ينام على كرسي في منتزه «كايسانيمي» الشهير، تقوم مجموعة من الزعران الأشرار بالاعتداء عليه وسرقته وضربه بشكل مبرح حتى يفقد ذاكرته واسمه وأي شيء من ماضيه، كما لا يتمكن من العثور على عمل أو شقة، مما يجبره للعيش مشردًا بضواحي المدينة الفقيرة وعشوائياتها والحاويات المعدنية القذرة، محاولًا ببطء استرجاع حياته، الفيلم يستند لسينما المؤلف التي تعتمد على القصة والسيناريو والإخراج، وهو من بطولة كل من «ماركو بيلتولا وكاتي أوتينين وأنيكي تاهتي»، كما يعجز بطلنا عن تزويد السلطات بأية معلومات مفيدة، ولا يملك أية وسيلة شرعية لاسترجاع حياته، مضطرًا للعيش في مجتمع المشردين المتضامن، حيث يستأجر بيتًا قذرًا مكونًا من حاوية معدنية توفي صاحبها الأصلي، ثم يلتقي بالصدفة بعاملة الإنقاذ إيرما (كاتي كوتنن)، ويقع بحبها تدريجيًا، بعد أن تتبناه عائلة صغيرة لطيفة وتنقذه وتوفر له الرعاية الصحية والمأوى والمأكل، ثم يسعى جاهدًا لإعادة بناء حياته واسترجاع ذكرياته، ويكون صداقات جديدة ويجد عملًا يلائم خبراته ومؤهلاته كعامل لحام معادن، نال هذا الفيلم الرائع ثمان عشرة جائزة سينمائية دولية مختلفة، وعشرون ترشيحًا لجوائز هامة منها الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي.

إنه بمثابة «كوميديا تهريجية هادئة» حافلة بالمرح والطرافة تدغدغ الأحاسيس بالحد الأدنى من التعبيرات والإشارات والإيماءات، فيلم ممتع ينفذ لداخل جلد المشاهد الحساس ويجعله «يشعر بالرضا العميق دون أن يعرف لماذا» (كما قال أحدالنقاد) كما يغوص في قصص الفقراء والمهمشين بلا ميلودراما وزعيق وعواطف وتعال، ومع كم  كبير مما يسمى «الفكاهة الشريرة»، متحدثًا بمجاز وذكاء عن بدائل العولمة وممارسات الفساد والبيروقراطية والقيم الطوباوية لمجتمع حر بلا ضوابط؟

يتميز هذا الشريط عن أفلام المغامرات الشيقة بالتماسك الداخلي المحكم من حيث المكونات السينمائية كنمط السرد والتصوير البصري والألوان والسلوكيات البشرية، حيث يتحفنا بمشاهد بائسة لسكك حديدية صدئة وحاويات معدنية حقيرة حيث يسكن المضطهدون، ويبحث ببساطة عن الألوان والمفاجآت والفرح في أوساط عشوائيات هيلسنكي البائسة، كما يغوص في السلوكيات البيروقراطية العقيمة والشخصيات الطريفة بأسلوب سرد بطيء وممتع ربما حزين ورومانسي أحيانًا، يحمل نكهة واقعية لا تنسى، يخلط الدراما بالهزل والتهريج المعبر، باحثًا عن معنى الحياة، مسلطًا الأضواء على نمط الحياة والثقافة المحلية.

ويطرح الفيلم تساؤلات عن معنى التغيير بالحياة وبارتباطنا كبشر تائهين بثلاثية الزمان الأزلية (الماضي والحاضر والمستقبل) بالرغم من عدم تعمقه بثيمة «فقدان الذاكرة» كبعد فلسفي، ومع شخصيات تضج بالحياة والطرافة والغرابة وذات بعد إنساني صادق وعميق، مرح ومتألق ومقنع بالرغم من الغرابة في سياق حوارات شيقة ومثيرة للاهتمام مضحكة ومحزنة في تناوب إيقاعي جذاب.

حيثيات القصة المدهشة

يحفل هذا الفيلم الجميل بمشاهد كوميدية لافتة تنبع من طرافة الأحداث والمواقف، تستهل بمنظر بطلنا «المسكين ماركو» العجائبي وهو يجر قدميه لحمامات محطة القطارات بعد أن ضرب بضراوة حتى فقد وعيه ونزفت منه الدماء وارتج دماغه وكسرت أضلاعه ثم وضع الأشرار «قناعا معدنيا» فوق وجهه إمعانا في الاستهتار والسخرية، ثم نسمع حوارًا طريفًا بين طبيب الطوارئ العجوز المعالج والممرضة، يتحدث فيه الطبيب بلامبالاة وتهكم عن حالته الخطرة وإمكانية وفاته لخطورة حالته الميؤوس منها، ثم نراه فجأة وبعد مغادرة الممرضة يستيقظ مثل «الزومبي» ويصلح ويعدل بحركة سريعة أنفه المكسور مصدرًا صوتًا كرتونيًا طريفًا قبل أن يغادر بعجالة المستشفى هاربا متوجها لضواحي هيلسنكي الفقيرة. ثم نرى مشردًا عجوزًا ينزع عنه «جزمتيه الطويلتين» ويستبدلهما بحذائه البالي، وفجأة نرى طفلين طريفين يركضان ويستغيثان بأبيهما لإنقاذه وتحتضنه هذه الأسرة الكريمة اللطيفة الفقيرة وترعاه بالعلاج والمأكل حتى تعود له عافيته.

هذا الشخص المجهول الذي يتوجب عليه أن يبدأ حياته من الصفر، يتمتع بوسامة وجامد القسمات، يبدو سلوكه مضحكًا وحزينًا في آن واحد، بلا اسم ولا ذاكرة، يعتمد فقط على شكله وحظه وعطف الغرباء، يشق طريقه بين البائسين والمشردين ويلقى التعاطف من جيرانهم ومن ضمنهم حارس الأمن الانتهازي الصارم، ثم يذهب لجيش الخلاص ليتلقى الوجبات والملبس، ويلتقي بالضابطة الرائعة المتعاطفة إيرما (كاتي كوتنين)، وهي نفسها كانت قد مثلت بفيلم كوريسماكي السابق «السحب المتحركة» (1996) حيث فقدت هي وزوجها وظائفهم وواجها الفقر والعوز بهدوء وتماسك، والتي تقدم له هنا العطف والحنان، تملك هذه الممثلة وجهًا معبرًا قادرًا على البوح بالفرح الصغير والأمل وسط البؤس والخراب والمعاناة، كما نرى التأثير الإيجابي للموسيقى والغناء الرومانسي الجميل«الروك آن رول» في عدة مشاهد مؤثرة، ونلاحظ الطرافة والغرابة بودية الكلبة «هانيبال» التي لم تنبح مرة واحدة، بالرغم من لجوء صاحبها للتحذير من بطشها «إذا لم تدفع ما عليك فستقوم بعض أنفك ونزعه من وجهك»، وبدت كأنها تمثل دورها!

كما يتحدث الفيلم بقسوة عن انهيار طبقة أصحاب الأعمال الصغار الشرفاء الجدد، عندما يتم تجميد أموال رجل أعمال مجهول ويضطر عنوة لسحب أمواله من البنك مستخدما بندقية، وأثناء تواجد بطلنا البائس بالصدفة بالبنك، وحيث تتهمه الشرطة بالتواطؤ لتسهيل السرقة بعد أن يهرب رجل الأعمال، ثم تتم براءته بعد أن ترسل له صديقته الوفية محام مخضرم طريف ينقذه بالحجج القانونية المملة ثم يهديه سيجارًا فخمًا، محذرًا إياه من التورط مستقبلًا، ثم نلاحظ أن طيبة بطلنا اللافتة تستدرج رجل الأعمال لاحقًا لكي يوكل إليه بتوزيع حصص مالية بواسطة مظاريف مغلقة على العمال البائسين الذين عملوا معه ولم يتمكن من دفع مستحقاتهم، ثم نسمع طلقة انتحار رجل الأعمال النزيه المفلس، ونرى صاحبنا «ماركو» وهو يعود خائبًا بالقطار من رحلته لزيارة زوجته السابقة أو مطلقته، نراه يستمتع بوجبة سوشي فاخرة وساكي، متأملًا السيجار الفاخر، تقول له زوجته السابقة التي لم تبدُ سعيدة برؤياه ثانية وبدت وكأنها تتحدث عن ماض تم نسيانه وتجاهله «لقد كنت تفقد ممتلكاتك وتراهن عليها، لأنك كنت مدمنًا على القمار ولعب الورق»! كما بدت سعيدة وهي تعيش الآن مطلقة وبكنف رجل جديد، ويشعر الرجلان أن لا ضرورة أبدًا للمنافسة والقتال، وخاصة مع انتهاء إجراءات الطلاق بينهما (أي ماركو وزوجته)!

معظم شخصيات هذا الشريط الشيق لا تبتسم كثيرًا بل تبدو ساخرة، وتقوم بالإيماءات وتمارس التدخين والتفكير والتأمل وتتوقع الأسوأ دومًا، ولكنها متفائلة وتضج بالفرح والمرح والأمل الداخلي الكتوم متحدية ظروف الحياة وبؤس الحالة المعيشية وعبثية الوجود الإنساني!

يبقى أن أتطرق للمشاهد اللافتة في آخر الشريط التي ترينا نفس أفراد العصابة التي اعتدت عليه، وقد انتهوا من جديد من ضرب ضحية جديدة بنفس الطريقة العنيفة بعد أن سرقوه، وفيما يتقدمون ثانية للإجهاز على بطلنا «ماركو» نراه فجأة يتحلى بالشجاعة لمواجهتهم بجرأة، ثم نرى جموع المشردين يتقدمون ببسالة لمواجهة الأشرار وتلقينهم درسًا هذه المرة، فيما نرى نقيب الشرطة اللامبالي وصاحبنا يحاولان إنقاذ الرجل المسن المضروب لأن سيارة الإسعاف «تأتي متأخرة دائمًا» كما يقول ضابط الأمن الذي لا يتدخل في العراك القائم وكأن الأمر لا يعنيه بتاتًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد