إن الشباب هو ربيعنا، فمثلما لا خير في أرض ربيعها خريف أو شتاء, كذلك لا خير في أمة شبابها كهولة. فإذا كان الشيوخ خريف حياتنا فالشباب ربيعها. ومن حقنا أن ننعم به متفجرًا من أعماقنا, كما ننعم بالربيع متفجرًا من أحشاء الأرض, فلا نحول بلابلنا غربانا. إن ثروة الشباب في حضارتنا هي في صفاء بصره وبصيرته, وفي مضاء عزيمته والتي لولاها لما جرى مركب في بحر, ولا شيد حجر فوق حجر, ولا انطلق جناح في الفضاء, ولا علم ترعرع بين الناس ولم يكن ثورة على جهل، كل اختراع ثروة. كل اكتشاف ثروة. كل فكرة جديدة ثروة. وهذه الثروات هي التي بها تتجدد الحياة من يوم ليوم, ومن جيل لجيل ولهذا نصنع الحياة بالشباب.

يواجه الشباب في العالم العربي مؤخرًا الكثير من الصعوبات والتحديات التي أضعفته وزعزعته، فهم يتخبطون في الدروب كالقشة تحملها الأمواج المتلاطمة لا مرسى لها تتقاذفها الأمواج يمينًا ويسارًا.

ومن الصعوبات التي يواجهها الشباب في الفترة الراهنة:

 

أزمة الهوية

الشباب تائه ما بين الهوية العربية والإسلامية، وما بين الدعوة إلى التغريب والتحضر والانسياق وراء خطوط الموضة العالمية والاستماع إلى الموسيقى الغربية، حتى لغتنا العربية أصبحنا لا نتحدثها ولا نعرفها وهي طامة كبرى. كيف لنا أن نحافظ على هويتنا دون لغتنا العربية فأصبحنا نكتب ”الفرانكوأرب” بمعنى أدق الـ(لا لغة).

 

أزمة أخلاقية تربوية

للأسف، القليل من الآباء والمربين يجهلون الفرق بين “التربية” و“الرعاية”. الرعاية تتضمن تأمين المسكن والملبس والغذاء. بينما التربية شيء آخر. اقرأ عن “كيف تؤسس أسرة” وإلا فستفشل. مساكين أولئك الآباء! يظنون أن الرسوم المتحركة بريئة! 34% من مشاهد الجنس التي يتعرض لها الطفل هي في برامج الأطفال! 51% من معاني العنف التي ينشأ عليها الطفل هي في برامج الأطفال! التحديات أمام التربية تتغير عبر الزمن.

أصبحنا نعاني من السقوط في بئر انعدام الأخلاق، فأصبح الشاب يتلفظ بما لا يليق من أبشع وأشنع الألفاظ والكلمات. نفتقد الضمير والشهامة والمروءة والكرم والإخاء والإيثار، نفتقد الوازع الديني وحسن المعاملة وأصبح الشباب ضعيفًا منساقًا وراء أهوائه في ظل الانفتاح التكنولوجي وانتشار المواقع الإباحية والمخدرات والإدمان.

 

أزمة اقتصادية

* البطالة: إن الحصول على العمل من الحقوق الابتدائية لتكوين الأسرة وضمان الحياة العائلية، ولكن للأسف هناك عِلل وأسباب اقتصادية وثقافية مختلفة أدّت إلى بروز البطالة كظاهرة سيئة، إن البطالة وعدم الحصول على مورد مادي يعدّ في الحقيقة عقدة أمام الزواج في المجتمع المعاصر، ولابدّ من حل لهذه المشكلة، وعلى الشعب والحكومة أن يتعاضدا ويتعاونا لإيجاد حل أساسي وثابت لهذه المعضلة.

* السفر للخارج: الكثير من الشباب اضطرتهم ظروف العيش للسفر إلى الخارج ليجدوا متسعًا في بلاد أخرى بعد ما ضاقت عليهم أرض بلادهم بما رحبت “وهذه مأساة أخرى وكارثة مجتمعية نظرًا لما يترتب على السفر من خلل أسري”، باحثين عن أبسط أحلامهم وهي أن يجد  أساسيات البقاء على قيد الحياة؛ عملًا ومأكلًا ومسكنًا، ورعاية صحية واجتماعية كأي إنسان.

 

أزمة سياسية

فكلنا نعلم الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد والتغير والتطور الذي تم بفضل الشباب على مدار 5 سنوات، فقد دفع الشباب دماءهم وأرواحهم وأحلامهم ثمنًا لتحقيق ما طمحوا إليه، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ”فهم ما بين عاطل وجريح ومصاب وشهيد، ومعتقل وطريد، ومغترب أو مُغيب.

 

الشباب والزواج

”نعم لابد من حب لتملأ كوننا الأنوار” الحب فطرة فطرها الله في قلوبنا وكل نفس تهوى وتشتاق إلى أن تستقر وتؤسس أسرة مع شريك العمر، ولكن التحديات لم تقف عند هذا الحد بل أطاحت بحلم الزواج، فمن العقبات التي يقابلها الشاب المقبل على الزواج:

اختيار شريك العمر: تبدأ المعاناة مع اختيار الشريك الصحيح الذي يريد الشاب/ الفتاة اختياره. فهناك بعض المعايير التي يجب أن يضعها الشباب في حساباتهم مثل ”الدين” فاظفر بذات الدين تربت يداك، ”التوافق” الفكري والثقافي والاجتماعي والأخلاقي، ”القبول” أن يتقبل كل منهما الآخر ويحترمه. على الشباب الدعاء بالزوج/ الزوجة الصالحة والصيام حتى يرزقهم الله بما يتمنون.

أزمة السكن: فأصبح السكن عائقًا لنسبة كبيرة من الشباب نتيجة للبطالة ونفقات الزواج وكثرة الشباب وقلة الموارد المالية للشاب المقبل على الزواج.

المهور الغالية: إن المهر والصداق هو ما يتوافق عليه الرجل والمرأة من مال أو عمل أو شيء مشروع يتكفل الرجل بأدائه عند عقد النكاح. وعليه يتعهد الرجل حين عقد الزواج بأن يفعل للمرأة شيئًا أو يقدّم لها مالًا مهرًا لها، كما تعهّد موسى بن عمران على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام أن يعمل لمدة ثماني سنوات حينما تزوّج من ابنة شعيب. وأقلّ ما يمكن دفعه مهرًا هو أن يكون مما يتمول، وأكثره فهو أن لا يتجاوز مهر السُنّة وهو خمسمائة درهم وهو صداق مولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها. يقوم الأهل بتعقيد الأمور والمغالاة في المهور بما لا يطيق ولا يتحمل الشاب، ويتناسون حديث النبي صلى الله عليه وسلم ”إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”.

تكاليف حفلات العقد والزواج: إن دعوة الأشخاص لتناول الطعام والحلويات في حفلات العقد والزواج وإن كانت مما يحثّ عليه الإسلام ويقبله كل عقل سليم، إلا أن ما يحدث حاليًا في ظل الظروف الاجتماعية الراهنة هو الإسراف في نفقات هذه الحفلات الذي يؤدي إلى تعقيد الزواج بل وتعطيله أساسًا.

فلمَ لا يتخلى الأهل عن التكاليف الباهظة والمظاهر الكذابة مثل حفلات الأفراح، والزيادات في الفرش كالنيش، والأشياء المبالغ فيها والتي لا تستخدم ولكنها من أجل الزينة فقط. لمَ لا يبدأ الشباب حياتهم بما يحتاجونه فقط وما هو ضروري وبسيط وبمرور الوقت يكملون ما ينقصهم. أسوأ ما قد أرى أو أسمع هو تشاجر العائلتين على قطعة خشب أو متر قماش أو قطعة سجاد وقد ينهون الزيجة من أجلها.

الشباب مظلوم وضائع ما بين ظروف معيشة وظروف تربية وعادات وتقاليد عقيمة وأزمة أخلاق وتربية وهوية، لا ثقافة، لا أخلاق، لا دين، وتوافر كل سبل الانحراف. اختبار صعب في زمن صعب. طوبى لمن تمسك بطموحه وحلمه وحقق ذاته ونجا بنفسه في ظل التشوه الحالي. الشباب في متاهة يتخبطون ويبحثون عن المخرج. أتمنى أن نجد جميعًا الطريق ونعبر المتاهة بسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشباب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد