كم كنت أتمنى أن تخرج مبادرة من خلال باحث سياسي متميز كالدكتور عمرو حمزاوي ومشارك فيها مستشارسابق لرئيس أكبر دولة في العالم بشكل أكثر عملية وواقعية عن تلك التي خرجت به، كما نشرته بعض الصحف الإلكترونية تحت عنوان (روشتة للإصلاح السياسي في مصر).

ولا يحتاج الدكتور عمرو حمزاوي مساعدة أحد في كتابة مقالة عن مصر، ولكن كانت مشاركة (Michael McFaul) المستشار السابق للرئيس الأمريكي باراك أوباما نوعًا من الدعم السياسي لما أطلق عليه (مبادرة) كإشارة إلى أن هناك رغبة أمريكية لحلحلة الوضع المتأزم في مصر.

حيث تميل الدول الغربية عادة إلى إرسال إشارات للحلفاء أو الخصوم من خلال الصحافة والإعلام ومراكز البحوث، بحيث لا تتحمل تبعات هذه التصريحات غير الرسمية سواء دوليا أو أمام الرأي العام الداخلي.

وبالتعمق في التفكير لمعرفة الغرض من المبادرة ومن تتوجه إليه الرسالة القادمة من صحيفة الواشنطن بوست، هل هي موجهة لنظام السيسي كرسالة تحذير أو نصح، أم موجهة لمعارضيه كرسالة تطمين أو تحفيز.

ذكرت المقالة بمقدمتها أن المراهنة على دعم الغرب للأنظمة المستبدة ربما كان له فائدة على المدى القصير، إلا أن الرؤية الإستراتيجية البعيدة تقول أنها ستنتج أضرارًا بالغة على الغرب كحكومات ومجتمعات، وأقول أن هذا ما ذهب إليه أغلب الباحثين الغربيين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولكن سينصب التحليل على البنود الأربعة التي يمكن أن تكون عصب المباردة.

 

بنود المبادرة

  • أولا: النظام المصري يجب أن يطلق عشرات الآلاف من المسجونين السياسيين الذين قبض عليهم وبعضهم مسجون على اتهامات في غاية التفاهة.
  • ثانيا: إلغاء القوانين القمعية التي صدرت منذ 2013 ووضع إطار عمل للعدالة الانتقالية بما في ذلك إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة وإصلاح الأجهزة الأمنية.
  • ثالثا: يجب أن يسمح النظام لكل الأطراف بالدخول في العملية السياسية شريطة الخضوع بمصداقية لحكم القانون ونبذ العنف والتوقف عن خطاب الكراهية.
  • رابعا: في مرحلة ما ليست بعيدة جدا ينبغي على النظام أن يجري انتخابات برلمانية بسبب ارتفاع معدل شراء الأصوات وانخفاض المشاركة في العملية الانتخابية التي أفرزت برلمان 2015 والذي يمتلك نوابه شرعية ضئيلة، فقط انتخابات جديدة يمكن أن تمثل عملية بطيئة ومتطورة لاسترداد الشرعية البرلمانية، والتي يمكن أن تكون خطوة أولى صغرى نحو مراقبة سلطة الرئيس.

 

بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي

كانت المبادرة من الذكاء أن بدأت بالجرح الذي يشتكي منه الجميع وهو (إطلاق عشرات الآلاف من المعتقلين)، وهو الملف الذي حرص النظام العسكرى على تقوية موقفه فيه عبر اعتقال الآلاف من المعارضين لكي يصبحوا ورقة ضغط ومساومة في يده تجاه خصومه، فالمعتقلون يشكلون بالفعل ملفًا ضاغطًا على الجميع من الناحية الإنسانية في المقام الأول، ومن الناحية السياسية والحقوقية في مقامات أخرى.

ولكن للأسف، البنود التي تلتها يبدو أنها تتحدث في عالم مواز بعيد عن واقع مصر السياسي والاجتماعي والأمني. وكم كنت أتمنى أن تخرج مبادرة من خلال باحث سياسي مميز كالدكتور عمرو حمزاوي ومشارك فيها مستشار أكبر دولة في العالم بشكل أكثر عملية وواقعية، وما زلت أتمنى خروج مبادرة حقيقية تنهي هذه المأساة والملهاة التي يحياها الوطن منذ ثلاثة أعوام.

  • تتحدث المبادرة عن (إلغاء القوانين القمعية التي صدرت منذ 2013)

ألم يصل للدكتور (حمزاوي) ومستشار (أوباما) خبر اعتماد البرلمان الحالي لأكثر من ثلاثمائة قانون أصدرهم السيسي وسلفه في يومين فقط، فمن الذي سيلغي وبأي سلطة ونفس المبادرة تتحدث عن ضرورة انتخاب برلمان جديد بعد فترة ليست بالقصيرة، والجميع يعلم أن إجراء انتخابات برلمانية تحت أسنة هذه القوانين القمعية سيئة السمعة من المستحيل أن يأتي ببرلمان ممثل للشعب.

  • تتحدث المبادرة عن (وضع إطار عمل للعدالة الانتقالية بما في ذلك إنشاء لجنة الحقيقة والمصالحة)

من الذي سيشكل هذه اللجنة؟ وهل سيكون اختيارها من قبل الدولة القمعية أم بالانتخاب، أم أن الخارج سيتدخل ويفرضها؟ ومن سيعطي هذه اللجنة الصلاحيات والإمكانات اللازمة لأداء عملها، ألا يعلم أصحاب هذه المبادرة أن لجان تقصي الحقائق التي تشكلت بعد الثورة وبعد انتخاب الدكتور محمد مرسي لم تتعاون معها جميع مؤسسات الدولة، وأن النيابة العامة في قضية قتل المتظاهرين الكبرى المتهم فيها مبارك ورجاله ذكرت في مرافعاتها أنها لقيت العنت من مؤسسات الدولة في أثناء إجراء التحقيقات ولم تتجاوب معها أي مؤسسة أمنية في تلبية طلباتها حول جمع الأدلة.

وأين المنظومة القضائية النزيهة غير المُسيسة التي تحظى بثقة جميع الأطراف؟ والتي ستقوم بالفصل في الأحكام والتحقيق في الجرائم والمظالم وهي أهم مقومات العدالة الانتقالية، أرجو من الدكتور حمزاوي والسيد ميشيل فقط مراجعة الأحكام القضائية بعد الانقلاب العسكري وتصريحات القضاة وعلى رأسهم وزير العدل، والتي تدعو لحملات الإبادة الجماعية ولم تجد معارضة من قواعد القضاة ونواديهم ومجلسهم الأعلى.

ثم بنظرة واحدة على أداء وتصريحات (المجلس القومي لحقوق الإنسان) المُعيّن من الدولة، ستعرف أن القائمين على ملف حقوق الإنسان في مصر يمكن أن يندرجوا تحت مسمى المتسترين على الجرائم ضد الإنسانية، وأن الدولة تختار بعناية من يعمل لصالحها في هذا الملف.

  • تتحدث المبادرة عن (إصلاح الأجهزة الأمنية)

يعلم القاصي والداني أن الأجهزة الأمنية هي التي تحكم وتتحكم في مصر، ويعلم الجميع أن الفساد يرتع في هذه الأجهزة من (ساسها إلى راسها) فكيف يتم الطلب من هذه الأجهزة أن تصلح نفسها ولا يوجد سلطة فوقها في الدولة؟ وكيف يتم الإصلاح وأي عودة للديمقراطية والمشاركة السياسية والرقابة الشعبية سيحجم دور هذه الأجهزة ويفتح ملفات فسادها الكثيرة والمخبوءة.

  • تتحدث المبادرة عن (في مرحلة ما ليست بعيدة جدا ينبغي على النظام أن يجري انتخابات برلمانية بسبب ارتفاع معدل شراء الأصوات وانخفاض المشاركة في العملية الانتخابية التي أفرزت برلمان 2015)

(مرحلة ما ليست بعيدة جدا) أو كما ذكر في نص المقال الإنجليزي (at some point in the not-too-distant future)

البرلمان عمره أربعة أعوام، وتحقيق المصالحة وكشف الحقائق والعدالة الانتقالية كم سيكون عمرها ومن سيسبق من في الزمن والعمر؟! وهل سيحل (برلمان مرتضى منصور وتوفيق عكاشة) نفسه؟ وهل ما دفعوه في شراء الأصوات (طبقا للمبادرة) يمكن أن يتنازلوا عنه بسهولة؟ أم هل سيحل السيسي هذا البرلمان التابع لمخابراته لكي يأتي ببرلمان يحاسبه ويحاسب أجهزته؟

كل هذه الأسئلة تجعل المبادرة تحلق في سماء العوالم الافتراضية البعيدة عن الواقع.

 

الجيد في المباردة

حفلت المبادرة أو المقالة بإيجابيات عديدة؛ فقد قررت بعض الحقائق التي يجب أن يضعها معارضو الحكم العسكري في حسبانهم.

وسأذكرها نصًّا بدون تعليق فهي لا تحتاج لذلك.

“على أي حال المستبد الجديد في مصر لم يحقق الاستقرار ولكنه بذر بذور انعدام أمني هائل، فالرئيس عبد الفتاح السيسي ومنذ الانقلاب الذي أحضره للسلطة حاكم الطلاب ونشطاء حقوق الإنسان وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين وفي بعض الأحيان لجأ إلى القتل الجماعي كوسيلة للإمساك بالسلطة، السجون المصرية غير الآدمية والتي امتلأت تعد وصفة معروفة للتطرف، القتل العشوائي في سيناء يعزز التجنيد لحساب الدولة الإسلامية، وأي نظام يعتمد على مثل هذه الوسائل هو نظام ضعيف وغير مستقر”.

“النظام فشل في تحقيق استقرار اقتصادي، أكثر من 22 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر، معدل البطالة وصل إلى 13%، ومعدل النمو الاقتصادي أقل من 3%، المحتجون في تزايد خاصة بين الطلاب والعمال وموظفي الخدمة المدنية”.

“إستراتيجية السيسي القمعية في الحكم يمكن أن تستمر لفترة ولكن ليس لسنوات أو عقود، النظام المصري الآن يفتقر لمصادر الشرعية التي ساعدت بعض الأنظمة الاستبدادية في بعض الأماكن من العالم مثل النمو الاقتصادي أو الملكية أو الأيديولوجية، وبدون إصلاح هذا النظام سوف يسقط”.

 

غير الجيد في المبادرة

شرعية السيسي

تحدثت المقالة عن برلمان 2015 بأنه (بسبب ارتفاع معدل شراء الأصوات وانخفاض المشاركة في العملية الانتخابية التي أفرزت برلمان 2015 والذي يمتلك نوابه شرعية ضئيلة) ولم تتحدث عن شرعية السيسي نفسه الذي لم يذهب أحد لانتخابه، وكانت اللجان خاوية على عروشها تحت سمع وبصر كاميرات العالم أجمع، لكنه فجأة حصل على أكثر من عشرين مليون صوت وكانت الأصوات الباطلة أكثر عددًا من الأصوات التي حصل عليها منافسه الكومبارس.

الهدف هو الحفاظ على النظام

كانت النصائح المتعاقبة في المقال لها هدف واحد هو المحافظة على النظام نفسه وتحذيره من الانهيار، وكما نصت المقالة في ختامها بعد عرض البنود وضرورة الانفتاح السياسي:

Improbable? Maybe. But it is also the only plausible strategy for regime survival.

“بعيدة الاحتمال؟ ربما، لكنها الإستراتيجية الوحيدة المعقولة لبقاء النظام على قيد الحياة”.

فأعتقد أن مُطلقي المبادرة يقفون مع النظام في خندق واحد ضد قوى الإسلام السياسي، ولكنهم مختلفون في تكتيك المواجهة بين عنيف جدا أو احتوائي مع إطلاق الحريات بشكل محدود.

 

ردود أفعال متباينة من معارضي الانقلاب بالخارج

بادر الكثيرون من معارضي الحكم العسكري فور نشر المباردة بالترحيب بها، وكانت تصريحاتهم بالنسبة لي – على الأقل – صادمة وتؤكد أنه لا يوجد رؤية سياسية لدى الكثيرين منهم، وأن ما يحركهم النوايا الحسنة.

فما يُعرف باسم المجلس الثوري المصري الذي يضم أطيافًا شتى من معارضي الحكم العسكري رحب الناطق الرسمى له بالمبادرة كما رحب أيضًا حزب البناء والتنمية بالمبادرة وكلاهما قال أنه يمكن البناء عليها، ولا أدري أي بناء يمكن أن يقام على أساس هذه المبادرة التي تقوض كل ما يدعون إليه من إزاحة السيسي (شخصيا) ورجوع الجيش إلى ثكناته (فعليا) والمحاكمة والقصاص من القتلة (فوريا).

ولعلي كنت متوجسًا من ترحيب الإخوان لها إلا أن تصريح أمين لجنة العلاقات الخارجية بحزب “الحرية والعدالة” حول المبادرة – وإن كان لا يعبر عن الموقف الرسمي للجماعة – إلا أنه كان في مجمله جيدًا.
المعنى وليس اللفظ

لكي ألخص التحليل لبنود المبادرة فإنها تقول الآتي بالمعنى وليس بالنص:

  • أن نظام السيسي العسكري مقبول ومدعوم وجوده دوليا ولكن الاعتراض على سوء الأداء فقط.
  • لا يرى الغرب حتى الآن بديلا للعسكر في مصر.
  • يجب أن يُدخل النظام بعض التعديلات على هياكله الأمنية بحيث تكون أكثر إنسانية أو أقل قمعًا.
  • يجب أن يُدخل النظام بعض التعديلات على قوانينه المقيدة للحريات حتى يسمح للمجال العام أن يتنفس وإلا سينفجر.
  • إخراج عشرات الآلاف من المعتقلين ضرورة لحل الأزمة وفتح مجال العمل السياسي.
  • من الأفضل دمج الإسلاميين وخاصة الإخوان في العملية السياسية بمشاركة محدودة وبنسبة مسموح بها.
  • نسبة مشاركة الإسلاميين يتم تحديدها من قبل النظام من خلال معايير فضفاضة مثل الالتزام بنبذ العنف والإرهاب.
  • البرلمان باق كسلطة تشريعية ولكن بعد فترة يمكن إجراء انتخابات يشارك فيها الجميع لكي تأخذ بعض الصلاحيات الصغيرة لمراقبة رئيس الدولة.
  • المشاركة السياسية لمختلف القوى هو الضمان لعدم اتجاهها للعنف.

ولذلك إذا كانت هذه المبادرة موجهة للنظام فهي فقط في إطار النصح والتحذير، أما إذا كانت موجهة لجماعة الإخوان فستكون في إطار الإغراء وطلب تقديم التنازلات، فأرجو من أي عضو من جماعة الإخوان المسلمين داخل أو خارج مصر إن استطاع الوصول إلى قيادات الإخوان أن يخبرهم:

“أنه لا يوجد شيء جيد في مبادرة الدكتور عمرو حمزاوي سوى الإفراج عن المعتقلين”.

 

هوامش

طبقا لتعريف صحيفة الواشنطن بوست:-

د.عمرو حمزاوي

كان عضوًا في البرلمان المصري منذ عام 2011 وحتى تم حله عام 2012، وهو باحث علمي في مركز الديمقراطية والتنمية وسيادة القانون في جامعة ستانفورد.

مايكل ماكفول (Michael McFaul)

مساعد سابق خاص للرئيس أوباما في مجلس الأمن القومي، وسفير سابق للولايات المتحدة الأمريكية في روسيا، وزميل هوفر ومدير معهد سبوجلي للدراسات الدولية في ستانفورد.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد