لم أتخيل أن يأتي يوم نشعر فيه أن واجبنا باعتبارنا مصريين وعربًا محبين للحرية أن ندعو للشعب الأمريكي بأن ينعموا بالحرية، لقد أصبح علينا دور إجباري في تقديم النصح والتحذير لشعوب نالت الحرية وذاقت حلاوتها في خطورة الانجراف نحو العنصرية والعودة إلى الخلف، فلم يكن يخيل لأحد أن يسير بعض الفئات من الشعب الأمريكي نحو الديكتاتورية والقمع، فإن المواطن الأمريكي لا يشعر بالخوف من المستقبل لأنه يعيش في حرية ورفاهية، ولم يأت في ذهنه إنه من الممكن أن يحرم منها وتتحول حياته إلى قمع واستبداد، فإن الشعوب التي تمتلك النعم ربما تستبعد زوالها، ولهذا فإن الاعتقاد في مسألة السقوط الحضاري أو شيوع العنف والإرهاب يبدو شيئًا بعيدًا عن فكر وعقل المواطن الأمريكي، ولهذا فليس غريبًا أن يظهر مؤيدون عنصريون يؤلهون ترامب مثلما يحدث في دولنا العربية البائسة، فلم يخطر ببال هؤلاء المواطنين أنهم يسيرون بالقرب من فوهة بركان يمكن أن يدمرهم،

لم يبق هنا سوى البؤساء من المواطنين العرب ليرشدوهم، فقد ظهرت أخيرًا فائدة حقيقية للقشة الصغيرة التي يمكن أن تساعد الكبار من الغرق في وحل الحروب الأهلية والاستبداد، ربما هي القشة التي ستقصم ظهر البعير إذا سمع المواطن الأمريكي جيدًا لهذا الصوت المقهور الذي يأتي له من تحت أنقاض الفقر والحرب ليقول له: صديقي الأمريكي أنت دائما تنظر لي باحتقار لأني صغير وفقير في نظرك وبالتأكيد كان يحكمك ولا يزال يحكمك من يعاديني ويقتلني، ولكني اليوم آتيك ناصحًا ألا تشرب هذا الدواء السام (دونالد ترامب) فإن فيه موتك ونهايتك، ليست نهايتك أنت وحدك، بل نهاية كثير من دول العالم الحر، وأرجو أن تصدقني ولا تعتقد إني أخدعك والدليل أني أصدقك الحديث إن مصلحتي تكمن في حريتك، إنني واقع تحت نيران الفاشية والقمع وسفك الدماء، وحريتك ستكون خيرًا لي وتمكنني أن أتنفس، صحيح أن كسب الحرية والعدل لا يأتي إلا من داخل بلادي ولكن استمرار تنفس الحرية في بلادك سيساعدني كثيرًا، فأنا أحاول وأتمنى أن تدعم تلك المحاولة، فإنك لن تفعل أي شيء سوى أن تختار الحرية والعدل في بلادك حتى لا تموت الحريات وحقوق الإنسان في العالم، وحتى لا يأتي يوم ندفن فيه كل القوانين والدساتير الداعية إلى الحق والعدل والمساواة.

 ربما يسأل أحد السائلين ويقول وماذا يعنينا في الحرية الأمريكية؟ وماذا يمكن أن نجنيه أو نستثمره في ذلك؟ وتأتي الإجابة الحاسمة فيما نراه من شكل العالم مع بداية بزوغ أضواء العنصرية اليمينية المتشددة المتمثلة في الإرهابي دونالد ترامب، والتي كان من أبرز نتائجها أولًا: توغل مصاصي الدماء من حكام العرب على رأس الحكومات العربية وثانيها تفكك وهزيمة دول الخليج العربي وتقلص اقتصادهم، ويسير بالتوازي مع ذلك صعود الأقطاب الشيوعية الشمولية مثل روسيا والصين اللذين يعدان من أكثر الدول الفاشية.

إذا أمعنا النظر في بلاد العالم من حولنا فسنجد إن الدول تنقسم إلى ثلاثة أقسام، الأولى – الدول الكبرى، والثانية – الدول المتوسطة، أما الثالثة فهي الدول النامية، أو كما يقال عنها (الدول المتخلفة)، وكان لهذا التقسيم أثر كبير على كافة البلاد جعل القوى الكبرى ذات أثر عميق، وبالتالي أضعف الدول هي الدول النامية التي تعد في عداد شبه الموتى التي لا يحق لها أن تعبر عن الرأي، ولا يمكن أن تتدخل في السياسات الخارجية للدول، فكل دولة تملك قرارها من خلال ثقلها السياسي والاقتصادي، ومن لا يملك خبزه لا يملك قراره ولا يحق له الاحتجاج لكونه فقيرًا معدمًا، ورغم ذلك فإن حركة التاريخ لا تتوقف عن السير فلا يبقى الضعيف ضعيفًا ولا يبقى القوي قويًا، فقد تتبدل الأدوار بين الكبار والصغار، وأثناء تلك التغييرات والانتقالات من الأعلى إلى الأسفل أو من الأسفل إلى الأعلى يبقى البعض في المنتصف، وينظر الصغار إلى الواقعين في المنطقة الوسطى متحيرين، هل سيصعدون أم يهبطون، وتبقى الدول الفقيرة تعلق الآمال على بعض الدول المتوسطة وربما يتمنون في قرارة أنفسهم زوال دول كبيرة أو يتمنون لتلك الدول النجاح.

وتقييم بعض الشعوب الفقيرة والضعيفة لأمريكا ربما يكون إيجابيًا، ربما لأنها تعد من الدول التي تسمح بالحرية ولو ظاهريًا، وعلى جانب آخر يأتي التقييم للقوى الشيوعية بشكل سلبي لأنها تقمع الحريات بشكل صارم، ورغم التجبر الأمريكي الذي ساد لسنين طويلة وما ارتكبته السياسة الأمريكية من جرائم نتيجة لحروبها الطويلة في الشرق الأوسط سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر ولكن رغم هذا كله تبقى أمريكا في شكل خارجي أفضل كثيرًا من روسيا والصين، ويكفي أن كثيرا من المهاجرين المسلمين تنعموا فيها وحصلوا على الجنسية الأمريكية ونالوا مناصب ودرجات لم ينالوها في بلادهم الأصلية.

 وتأسيسا على هذا فإن الكثيرين ما زالوا يحلمون بالحرية الأمريكية ولا يريدون السقوط لها، لأن دخول الديكتاتورية والقمع إلى الولايات المتحدة يعني الحرمان من الحرية في أغلب بلاد العالم، فالولايات المتحدة تتشابه مع مصر في موقعها الاستراتيجي فقط، ولا نقصد الاقتصاد أو السياسة، لأن مصر هي قلب العالم وأمريكا هي قارة كبيرة وهي أكبر دولة على مستوى العالم، إذا تحررت أمريكا من اليمينية المتشددة سيتحرر العالم كله وسيكون خيرًا كبيرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد