صباح يوم الأحد 7 أكتوبر عام 1973 ولم يكن قد مضى على بدء المعارك أكثر من 20 ساعة، بعث الرئيس أنور السادات برسالة إلى الدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي وقعها السيد حافظ إسماعيل مستشار الرئيس السادات للأمن القومي، وقد نشرت هذه الوثيقة جريدة الأهالي في عددها الصادر بتاريخ 1 مايو 1983، كما نشرها السيد حافظ إسماعيل في مذكراته، كذلك تحدث عنها المشير محمد عبد الغني الجمسي في مذكراته ومحمد حسنين هيكل في كتابه أكتوبر السلاح والسياسة، أيضا ذكرها الدكتور هنري كيسنجر في مذكراته (سنوات القلائل).

كان نص هذه الرسالة ما يلي:

من السيد حافظ إسماعيل إلى الدكتور هنري كيسنجر

أ- لقد نقل إلينا الدكتور الزيات – وزير الخارجية المصري إبان حرب أكتوبر – ما تم بينكما من محادثات ومناقشات خلال الفترة السابقة.

ب- وإنني أود مع روح المصارحة التي سادت اجتماعاتنا أن أثير عددًا من النقاط:

1- إن الاشتباكات التي تحدث حاليًا في المنطقة لا تصح أن تثير دهشة لدى أولئك الذين تتبعوا الاستفزازات الإسرائيلية المستمرة، ليس على الخطوط السورية واللبنانية فحسب، بل على الجبهة المصرية، وكثيرًا ما لفتنا النظر إلى هذه الاستفزازات التي لم تتوقف قط رغم الإدانة الدولية.

2- وعلى ذلك فقد كان على مصر أن تتخذ قرارًا لمواجهة أية استفزازات جديدة بالحزم، وبالتالي أن تتخذ الاحتياطات الضرورية كي تواجه أي تصرف إسرائيلي من قبيل ذلك الذي وقع فوق سوريا يوم 13 سبتمبر 1973.

3- والمصادمات التي حدثت على جبهة القناة نتيجة للاستفزازات الإسرائيلية، كان المقصود منها من جانبنا أن نظهر لإسرائيل أننا لسنا خائفين ولسنا عاجزين، وأننا نرفض أن نستسلم لمخطط عدواني يهدف إلى احتجاز أرضنا كرهينة للمساومة.

4- وكنتيجة للاشتباكات فإن موقفًا جديدًا قد نشأ في المنطقة، ولأنه كان طبيعيًا توقع تطورات جديدة في خلال الأيام القادمة.. فإننا نود تحديد إطار موقفنا.

5- إن هدفنا الأساسي لا يزال كما كان دائمًا، تحقيق سلام في الشرق الأوسط، وليس تحقيق تسويات جزئية.

6- إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة.

ج- وإذ أحسب أنكم قد تلقيتم من المستر روكفلر رد رئيسنا على رسالتكم، ذلك الرد الذي أعيد فيه توكيد موقفنا كما توضح منذ أول اتصال بيننا.. أرجو أن تسمحوا لي بتوضيحه بجلاء مرة أخرى:

1- إن على إسرائيل أن تنسحب من جميع الأراضي المحتلة.

2- وعندئذ سنكون على استعداد للمساهمة في مؤتمر سلام بالأمم المتحدة على أي شكل مقبول، سواء كانت تحت إشراف السكرتير العام، أو ممثلي الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أو أي هيئة أخرى مناسبة.

3- إننا نوافق على حرية الملاحة في مضايق تيران، ونقبل كضمان تواجدًا دوليًا لفترة محدودة.

د – وإني لأستشعر الثقة من أن هذه العودة لشرح موقفنا مبعثها رغبة حقيقية مخلصة، وليست على استعداد لبدء سلسلة من التنازلات، والحق أننا نذكر أن مستر روجرز قد أضر بفرص السلام، حين أخطأ في تفسير مبادرتنا للسلام في فبراير 1971 بطريقة انحرفت بتلك المبادرة عن طبيعتها وهدفها الحقيقيين.

وتفضلوا بقبول أطيب التمنيات.

حافظ إسماعيل

تحليل وتعقيب

كانت هذه الرسالة من ناحية الشكل والموضوع علامة خطيرة، تجعلها بداية تحول لا شك فيه في مصير الحرب كلها.

أولًا: من ناحية الشكل

إن هذه الرسالة جرى توصيلها إلى هنري كيسنجر عن طريق القناة السرية التي تمر عبر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والتي كان يتراسل من خلالها السادات مع كيسنجر حينما كان روجرز وزيرًا للخارجية ويرغب السادات في الاتصال من وراء ظهره بكيسنجر في البيت الأبيض، ولكن هنري كيسنجر قد أصبح وزيرًا للخارجية خلفًا لويليام روجرز، وبالتالي فإن الاتصال به عبر هذه القناة السرية لم يعد يخدم الهدف المقصود من الأصل، ومعنى هذا بالتالي أن السرية كانت موجهة بالدرجة الأولى إلى وزارة الخارجية المصرية، وإلى الوفد المصري في نيويورك بقيادة الدكتور الزيات والذي لم تكن لديه وسيلة بالطبع لمتابعة الاتصالات الجارية في هذه القناة السرية.

ولم يكن الأمر مقصورًا على بقاء وزير الخارجية نفسه في الظلام، بل امتد التعتيم إلى كل الوفد المصري في نيويورك، وفي حين أن كيسنجر مع الإسرائيليين كان يتعامل مباشرة مع الوفد الإسرائيلي في نيويورك والسفارة الإسرائيلية في واشنطن بكل خبرائها، فإن الوفد المصري بكل ما فيه من طاقات كان معطلًا بالكامل في هذا الوقت الخطير.

يتصل بهذا الجانب من ناحية الشكل أمرًا على درجة شديدة من الخطورة. ذلك أن العودة إلى القناة السرية في هذا الوقت، والتذكرة بالاتصالات السابقة وما جرى فيها، كان من شأنه على الفور أن يستعيد بطريقة كاملة أجواء هذه المحادثات والتفاصيل والموضوعات التي تم بحثها من خلالها، ولما كان ذلك كله قد تم قبل الحرب وقبل الصورة المعجزة للعبور في أول أيام الحرب، فإن أبسط ما كانت تقتضيه وتفرضه الحقائق الجديدة على الرئيس السادات أن يعطي نفسه بداية جديدة تتناسب مع حجم التغيير الكبير الذي تحقق في اليوم الأول للعبور بما يشبه انفجارًا نوويًا.

ثانيًا: من ناحية الموضوع

أما من ناحية الموضوع فإن بعض العبارات التي وردت في هذه الرسالة كانت ولا تزال محلًا للدهشة والاستغراب:

1 – إن العبارة التي وردت في هذه الرسالة والتي جاء بها بالنص بالبند رقم 6 من الرسالة (إننا لا نعتزم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة).. كانت أول مرة ربما في التاريخ كله يقول طرف محارب لعدوه نواياه كاملة، ويعطيه من التأكيدات ما يمنحه حرية في الحركة السياسية والعسكرية على النحو الذي يراه ملائمًا له وعلى كل الجبهات، وذلك أن هذا التعهد بـ(عدم تعميق مدى الاشتباكات أو توسيع مدى المواجهة) معناه بالنسبة لإسرائيل، وقد كانت الرسالة في خاتمة المطاف واصلة إليها، أنها تستطيع أن تعيد ترتيب موقفها بأعصاب هادئة، وتستطيع تنظيم أولوياتها، وقد كان هذا ما حدث فعلًا، واختارت إسرائيل الواثقة من نوايا الجانب المصري أن تركز كما تشاء على الجبهة السورية، ثم تعود بعد ذلك إلى الجبهة المصرية لتصفية بقية الحساب.

2 – إنه كان غريبًا أن يتحدث الجانب الذي حقق بالأمس انتصارًا أبهر العالم كله بعبارات من نوع: الضعف والخوف والعجز والأرض الرهينة، حتى وإن كان ذلك في مجال النفي، فالنفي في مثل هذه المواقف يكون أقرب للتأكيد في المعنى من أي شيء يقول به اللفظ.

3 – إن البند الثاني حوى إشارة لم يكن لها لزوم، حين تحدث عن مؤتمر سلام للأمم المتحدة (على أي شيء مقبول، سواء كان تحت إشراف السكرتير العام أو ممثلي الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، ثم أضاف إلى ذلك عبارة: (أو هيئة أخرى مناسبة)، فقد كانت هذه العبارة تحمل ولو ضمنيًا معنى القبول بإشراف أمريكي للمحادثات.

4 – ومرة أخرى فإن العودة إلى التذكير بالاجتماعات السابقة، وبالرد على الرسالة التي حملها روكفلر إلى السادات، كانت تعني العودة إلى مجمل الشروط المطروحة قبل الحرب، وكأن الحرب لم تغير أو تؤثر على الموقف السياسي في شيء.

ومن سوء الحظ فإن هنري كيسنجر فهم هذه الرسالة بما تعنيه فعلا بصرف النظر عن صياغة الألفاظ، وأوصلها لإسرائيل مما كان له أكبر الأثر في التأثير على الحرب ونتائجها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

جريدة الأهالي المصرية العدد الصادر بتاريخ 1 مايو 1983
أمن مصر القومي في عصر التحديث - حافظ إسماعيل
أكتوبر السلاح والسياسة - محمد حسنين هيكل
مذكرات الجمسي عن حرب اكتوبر 1973 - المشير محمد عبد الغني الجمسي
سنوات القلاقل - الدكتور هنري كيسنجر
أسرار حرب أكتوبر في الوثائق الأمريكية - ويليام بير
عرض التعليقات
تحميل المزيد