القصيدة لابن زريق البغدادي، شاعر عباسي، عن زوجته وهي القمر الخاص به في بغداد، التي ولع بها وعشقها عشقًا أجبره على تركها في بغداد والرحيل إلى الأندلس لطلب الرزق ورغد العيش بمدح الأمراء، رغم تشبثها الشديد به وقت الفراق فهو لها الحياة بأكملها مهما كان لونها.

أستودع الله في بغداد لي قمرًا .. بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه

وإصراره أيضًا كان لأجلها، فهو لم يسافر إلا لأجلها، ولم يتحمل مشاق الطريق وكبد الحياة ومرارة الغربة والبعد عن المحبوب، إلا لأجل قمره الذي يعشق.

ولم يكتب كلماته هذه التي وهو يودع الحياة – فقد وجدوها عند رأسه وقت وفاته – إلا ليؤكد حبه الذي لا حد له لها، وندمه الشديد على هجرها، وعدم الإنصات لها، ومدى الأسى الذي اعتراه في البعد عنها.

رُزِقتُ مُلكًا فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ    وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ

ويقصد بالملك هنا، القمر خاصته الذي لم يدرك نعمة وجوده وشكر الله عليه ومحاولة الحفاظ عليه كما يجب.

وبعد شهور ودهور وصل إلى الأندلس، ليعيش شقاء  آخر غير شقاء الفراق – شقاء الغربة بعيدًا عن حبيبته وخيبات المقتصدين – فقصد عبد الرحمن الأندلسي و مدحه بقصيدة بليغة جدًا، فأعطاه عطاءً قليلًا، ويقال إن سبب تصرفه هذا أنه أراد أن يختبر ابن زريق البغدادي، أهو من الطامعين، أم المتعففين بإعطائه القليل من المال.

فقال ابن زريق وخيبة الأمل تمزقه، فلا نَعُم برغد العيش كما أمل، ولا تمتع بقرب المحبوب وأعفى قلبيهما من ولع الفراق، إنا لله وإنا إليه راجعون.. سلكت القفار والبحار إلي هذا الرجل فأعطاني هذا العطاء القليل؟

وتذكر قمره الذي تركه في بغداد، ووطنه الذي هاجر وكله أمل وتلهف إلى حياة يستحقها بهذا القدر من الصدق والسعي وهذا الثراء باللغة والأدب والأحلام البريئة التي يحيا ليعيشها مع المحبوب ولمنحه حياة تليق بقدر الحب الذي يحمله القلب له، وتذكر طول الطريق وما تحمّله من عناء لأجل هذا الوصول ومابعده، ولم يتخيل أن ما بعده كمدًا وغمًا وشقاء فوق الشقاء وخيبات مريرة.
فاعتل غمًا ومات بعد أن ضاع عمره في غربة بلاد الأندلس، وقمره في بغداد وحيدًا يعاني مُر الحياة في الانتظار حتى يكاد يقتله الآسى، أمله الوحيد في الحياة أن يجتمع ثانية مع من يحب.

ولما تأكد عبد الرحمن الأندلسي من تعففه ذهب إليه في الخان الذي اعتاده، فوجدوه جثة هامدة وعلى رأسه هذه القصيدة.. قصيدة لا تعذليه

لا تعذليه فإن العذل يولعه .. قد قلت حقًا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في لومه حدا يضر به .. من حيث قدرت أن اللوم ينفعه

فلما وقف أبو عبد الرحمن الأندلسي على هذه الأبيات بكى حتى خضب لحيته وقال: وددت أن هذا الرجل حي وأشاطره نصف ملكي!

برغم روعة القصيدة وقوة العاطفة التي سطّرتها وصدق المشاعر التي تحملها، ورصانة اللغة والمعنى والتعابير، ودقة التصوير لأوقات الفراق والعذاب وكل مامر به، إلا أنه لم يُعَرف له شعر غيرها فهي قصيدته الوحيدة لذا سمي ابن زريق البغدادي بشاعر الواحدة!
وهي أيضًا القصيدة الفراقية الحزينة التي وصفت لنا بدقة مشهد الوداع وحرقة الفراق، بل هى أروع ما قيل في الفراق.

ومن يقرأ القصيدة ويتأملها ويتفكر في معانيها وما تحمله، ولغتها الجميلة، ورقة الشعور بين كلماتها، وقداسة الحب والمحبوب بها وبقلب كاتبها، ومرارة التجربة التى أوصلها لنا ابن زريق كأننا عشناها معه، يعرف أحقية الخلود لهذه القصيدة، فهي بالرغم من كونها قصيدته الوحيدة، ولم يخرج من الدنيا إلا بها، إلا أن شأنها عظيم وأثرها بالغ.

فقد قال العلامة السبكي: ( قصيدة علي ابن زريق الكاتب البغدادي غراء بديعة).

وأحقية الخلود بلا شك إلى هذا النوع من الحب؛ الذي يكون كل السعي فيه لأجل المحبوب ولو بالهجر، وكم تشفع بي أن لا أفارقه.. وللضرورات حال لا تشفعه!

وكل الحزن فيه سببه البعد عمن نحب
لا أكذب الله ثوب الصبر منخرق .. عني بفرقته لكن أرقعه

وكل الحلم فيه هو الاجتماع به وإذابة الشوق ومرارة الفراق
هَل الزَمانُ مَعِيدٌ فِيكَ لَذَّتنا .. أَم اللَيالِي الَّتي أَمضَتهُ تُرجِعُهُ

وكل الصدق فيه هو التمسك برباط هذا الحب والبقاء على عهد المحبوب مهما أخذنا الزمان.
مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ .. كَما لَهُ عَهدُ صِدقٍ لا أُضَيِّعُهُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد