مصر -رغم اختلاف أنسابها من فراعنة وفلاحين ونوبيين- كانت من أوائل البلدان التي عرفت نظام الدولة بمفهومها الحديث، من تواجد لحدود آمنة، يتحكم فيها جيش قوي، ووجود نظام حاكم يعمل على ازدهار الدولة، ورفعة شأنها، ورفاهية مواطنيها، مع تواجدٍ لقوانين مسيرة للحياة، تكافئ المحسن، وتجازي المسيء، وكذلك وجود نظام اقتصادي قائم على الزراعة، والتجارة، حتى استطاعت مصر الوصول لأول مركز تجاري في العالم عبر التاريخ، ولم يكن ينقصها سوى حماية مواطنيها خارج حدود أراضيها، لتصبح دولة حديثة كما هو الحال الذي نعرفه اليوم.

في المقابل كانت جزيرة العرب -رغم وحدة أنسابها- لا تعرف نظامًا ينظم حياتهم، ولا تقام دولة في أوطانهم، وإن قامت لا تكتمل كتلك التي أسسها “كليب وائل بن ربيعة” أو “الملك زهير العبسي”، ولكنهم في ذات الوقت كانوا حامين لأوطانهم، مدافعين عنه بأرواحهم، منتمين لأرضهم العربية، رغم ما بها من قحط وجفاف وفوضى أمنية، قد تكلف المرء حياته، وحياة آلاف غيره لأسباب واهية.

نحن في مصر الآن أقرب لنظام جزيرة العرب في الجاهلية، أو بالأدق اللانظام، فلا توجد دولة برغم وجود الوطن، فالوطن المصري نحمله جميعًا في قلوبنا، ونستعد للدفاع عنه في أي وقت كان، وكذلك نفخر بكوننا ولدنا على هذه الأرض مهما اختلفت أحوالنا الاقتصادية، ومعتقداتنا الفكرية، وآرائنا السياسية، لكن لا أعتقد إطلاقًا أننا في دولة حديثة بما تحمله الكلمة من كل المعاني، فلو نظرنا إلى حالنا الآن، نجد أنه بالفعل هناك نظام حاكم، وحدود واضحة مسيطرة عليها من قبل جيش مصري، وكذلك عمل وزارات متعددة لخدمة المواطنين، ولكن في الحقيقة نجد أننا تحت نظام ديكتاتوري يسعى فقط لفرض سيطرته على أبناء شعبه دون غيرهم، ونجد حدودنا محصنة حتى لا نخرج من تحت يد نظام كنحن الذي تحته الآن.

لكن هذه الحدود تطوى أحيانًا في أدق أماكنها ومثال ذلك عندما يُغتال بعض جنودنا على الحدود، من قبل الدولة الوحيدة التي نعرف جيدًا أنها العدو الأول لنا، ولكن مصر لا تستطيع القيام بأية ردة فعل على هذه الأحداث، مهما تعددت أوقاته، واختلفت معها قادة النظام الحاكم، وكذلك نجد أن الوزارات المتعددة في مصر، إما متسلطة على المواطن، وإما لا تقدم له الخدمة المفروضة عليها تأديتها، ولا نجدها تنقذه بل ربما تودي بحياته، في كثير من الأحيان، ونجد البعض منها اختراعات من قبل نظام حاكم لصالح بعض الشخصيات، كتلك الوزارة التي سميت وزارة السكان، وكذلك الحال في زيادة عدد الوزارات في أوقات ونقصانها في أوقات أخرى.

مصر الآن لا تعبر بحق عن أنها دولة حديثة، فطريقة إدارتها تكمن في نقطة واحدة، أن هناك إلاها يحكم، وإذا كانت الكلمة مفزعة للبعض، فإنهم يطلقون عليه نبيًا أو منقذًا وربما الطريق الوحيد للنجاة، حتى تصبح مجرد إبداء رأي مخالف لرأيه هو رجس من عمل الشيطان، أو خيانة عظمى تستحق أن تقذف بها في غيابات السجن، فما بالك بمعارضة هذا القائد معارضة قوية، ربما في أغلب الظن قد تودي بحياتك قبل أن تقذف في السجن.

مصر التي تدعي على ألسن قادتها، أنها دولة ذات سيادة، تجد أنها لا تملك قوتها، ولا تستطيع الإنتفاع بإمكانياتها، ولا حتى تسعى للاستفادة منها، بل دائما وأبدا تجعل أول قراراتها القروض من البنك الدولي، أو المنح من دولٍ عربية أو أجنبية، وعندما نجد التفافًا حول مشروع مصري، تجده بدون دراسة مقنعة، ولا إفادة سريعة، بل إنه عادة ناهب للأموال الكثيفة التي تقع في الغالب على عاتق المواطن المصري، بشكل أو بآخر، بطيء في الإنتاج، إما لاحتياجه لأعوام كثيرة حتى الوصول به لمراحل متقدمة تستطيع أن يصبح مشروعًا قوميًّا منتجًا تقف عليه مصر كمشروع “توشكى”، أو لأنه مرتبط بأشياء خارجية كقناة السويس الجديدة، وارتباطها بحركة التجارة العالمية المنخفضة في الأساس في تلك الأعوام، ولا تتجه إطلاقًا لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولا تهتم حتى بتطوير نجاح تلك المشروعات، كما هو الحال مع مشروع الأسر المنتجة الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى ثورة إنتاجية في مصر، كتلك التي تشهدها الصين أو الهند الآن، ولكن للأسف قادة مصر لا يرون في تلك المشاريع الصغيرة أية شهرة لهم.

مصر التي يفترض أنها تقوم بحماية مواطنيها، تجد أنها إما تقتلهم وإما تقذف بهم في السجن، لو رأوا آراء مختلفة مع النظام الحاكم، لو كانوا بداخل الوطن المصري، ولا تهتم بحقوقه التي تنتهك حتى الموت لو كانوا في أوطان أخرى.

مصر الوطن، لكي تصبح دولة قوية، يجب عليها أن تعي جيدًا، أن من يصنع الدول أبنائها، ليس غيرهم، ومهما اختلفت الرؤى فالأهداف موحدة، فلا يجوز التنكيل بأحد أو التخوين أو التكفير لمن يعارض رؤى نظامية في وقت ما، وكذلك يجب على النظام المصري، أن يستثمر أكثر في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويعين شباب هذا الوطن حتى يعبر به لمستقبل مشرق له وقادر على أن يصبح دولة ذات سيادة ولمواطنيها حقوق حتى في دول خارجية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الوطن, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد