أكتب هذا المقال بغصة في حلقي ترفض أن تخرج دموعًا، فلن يرى أحد احمرار عيني ولن يسمع لشهقاتي صوت، بل تريد الخروج كلمات، حروف تظهر على شاشة هاتفي، أضع بصماتي عليها فتصلكم غصتي عبرها وأوفر على نفسي عناء البكاء، فكم تعبت العين من البكاء دونما فائدة ترجى، كما أني لا أرجو فائدة من كلماتي هذه سوى أن تطرق عقولكم قبل قلوبكم، أما غير ذلك فلا حول ولا قوة لي به.

يقولون إن الشباب أجيال الغد، حملة اللواء وبناة المستقبل. أولًا يرون أن هؤلاء الشباب قد وضعوا أوزارهم قبل حتى إن يروا أول شعاع لهذا المستقبل المزعوم؟ أولًا يرون أن أغلبهم فضل رمي تلك الصخرة التي يحملها على ظهره متحملًا مسؤولية إيصالها للمستقبل وقرر المضي دون وزن زائد نحو مصير مجهول؟ أما القلة الباقية فقد خطو خطوتين حاملين الصخرة لتجثو عليهم بوزنها الهائل.

لطالما كان الشباب وجبة دسمة لطاولات الحملات الانتخابية ولطالما كانت كلمة «الشباب» عنصرًا أساسيًا يزين شعارات البرلمانات الرفرافة وإعلامها المحلقة. أما بعيدًا عن الطاولات المستديرة، الميكروفونات الإذاعية والشعارات الباردة، فقضايا الشباب لا يشعر بها إلا هم ولا تناقش بكامل معطياتها إلا بين الأزقة ووراء أبواب البيوت، أما دون ذلك فقضايا الشباب أصبحت الراعي الرسمي لكل مرشح يحلم باعتلاء الكرسي الذهبي. وقبل أن يدرك هؤلاء المرضى، أصبح شبابنا قنابل موقوتة، قنابل شحنت بمشاعر اليأس والألم مختلطة بأحلام وردية لمستقبل وحياة أفضل.

منذ نعومة أظافرنا، وقبل حتى أن تتشكل أظافرنا، عندما كنا هناك بين جدران رحم أمهاتنا، منذ ذلك الحين ونحن نتطلع إلى اليوم الذي نطلق فيه صرختنا الأولى لنخبر العالم عبرها: «أنا هنا!». وبعد خروجنا إلى هذا العالم الغريب تمامًا عن ذاك حيث اعتدنا العيش، لم تعد هنالك جدران مادية تمنعنا عن تمديد سيقاننا أو رفع رؤوسنا، ولكننا بدل ذلك وجدنا حواجز أخرى تعارشنا معها حتى انسلت تحت جلودنا، وصرنا نتنفسها مع الهواء الذي يدخل رئتينا ونستسيغها مع طعامنا، حواجز وضعت لتخبرك أنك هنا كغيرك.

لا أعلم لم تجعلني برودة هؤلاء المرضى أتساءل عن إمكانية ولادتهم على ما هم عليه من مكانة، وأدرس احتمال جلوسهم على تلك الكراسي بمجرد أن حركوا رموشهم دون حتى أن يستطيعوا الرؤية. ألا يعلمون كم أن المستقبل شبح لا يرحم والحاضر وحش يغرز أنيابه متلذذًا بآلامنا؟ ألم يختبروا اليأس والاستسلام؟ فأعود وأقول، ربما اكتسبوا مناعة ضد كل ذلك! اذهب بتساؤلاتي بعيدًا، فأتساءل إن كان هذا ما سأبدو عليه بعد 10 سنوات، كومة من الإحساس المتبلد! فتعتريني رهبة وخوف سرعان ما أبعدهما بنفضي الفكرة عن دماغي. ماذا ننتظر؟ وماذا نريد؟ نريد دعمكم، نريد أن نشعر أننا نعيش ضمن نفس الحدود، نريد فقط أن ننفي افتراضاتنا البلهاء حول إمكانية ولادتكم على ما أنتم عليه.

إن مجتمعنا، وأقولها بكل ثقة، مليء بالطاقات، طاقات مبدعة وخلاقة إلى الحد الذي تعجزون عن تصوره، لكن اين تذهب هذه الطاقات؟ أين مصبها؟

نولد في مجتمع كل شيء فيه متماثل، لا يؤمن بالاختلاف ولو كان أحد ركائز ديننا، يحكم على كل اختلاف على أنه حالة شاذة، يجب إبادتها قبل أن تتكاثر. هكذا تدفن المواهب قبل ولادتها، وهكذا يرسم للشاب مسار لا يد له فيه، فيسعى وراء الشهادات باستماتة دونما هدف، وبعد أن يعي ويدرك اختلافه، بجد أن الأوان قد فات، ويرى والديه وقد رسم الزمن أخاديد على وجهيهما، ربما لا يطالبانه بشيء، ربما كل ما يرجوانه أن يرياه كما ربياه وكما حلمًا به ذات يوم. ولكن كابوس العالة يظل يلاحقه في وعيه قبل منامه وحقيقته قبل خياله، فينكر نفسه ويصبح أسمى أمانيه أن يرد ولو القليل جدًا مما فعلته من أجله طوال عقدين أو ثلاث عقود من الزمن. يصبح تدفق الزمن هاجسًا ورعبا يتفاقم لو أزره وحش البطالة الذي يقضي على كل تلك التضحيات، فيغرق الشاب في دوامة لا خروج منها إلا إليها.

نولد بأمل، ونكبر على هذا الأمل، ولكن شيئًا فشيئًا، يبد هذا الأمل في التلاشي، يبدو كسراب نستمر في الجري وراءه. على هؤلاء المرضى أن يعلموا أن الشباب فعلًا أساس المجتمع، بل هم المجتمع، فشباب اليوم هم أطفال البارحة وكهول الغد، ولكن ليس ليتلذذوا بترديد تلك العبارات كلما سمحت الفرصة، بل ليؤمنوا بذلك، ليفكروا بعيدًا عن الكراسي والمناصب، بعيدًا عن رحلة سياحية في هاواي أو جزر المالديف.

مهما طرقت بأناملي على شاشة الهاتف فلن أبلع غصتي هذه، فكلما أزيد حرفًا تزيد حدتها لأننا فعلًا نشارف على حدود تحملنا ونستمر في العطاء، لن أقول دون أخذ، بل دون أدنى تشجيع. وأحب أن أقول أننا لم نعد ننتظر شيئًا، لقد كبرنا بلا شيء، وما زلنا في اللاشيء، لككنا سنصل إلى شيء رائع، إن لم يكن ضمن تلك الحدود الضيقة فأرض الله واسعة، ما دامت رحمته تشملنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد