قرأت هذه الرواية منذ فترة ليست بالقصيرة، وسجلت بعض الملاحظات وبعض النقاط بشأن ما قرأته، لم أكتب أي مراجعة بشأنها في حينه، وها أنا ذا أكتب عنها، ليس بسبب أنها رواية مهمة فقط، ولا بسبب أنها مشوقة، ولكن لأنها تحمل رؤية مختلفة كليًّا عما نسمع به في الإعلام، رؤية هوت على وجهي كالصفعة، ليس بسبب غرابتها أو عدم اقتناعي بها، ولكن لأنها صادرة عن شخص من العالم الغربي، ربما نحن الشعوب الشرقية والعربية نتفق معها جزئيًّا، إلا أنها بكل تأكيد ستكون صدمة للقارئ الغربي سواء كان أوروبيًّا أو أمريكيًّا.

الرواية تطرح السؤال الذي لا يعرف أحد كيف يجيب عنه، أو يحاولون أن ينصِّبوا في وجوهنا إجابات ملفقة مضللة لا تمت إلى الحقيقة بصلة، ما سبب وجود التنظيمات الإرهابية وما سبب الأفعال التي يفعلونها؟ تعطينا هنا الرواية إجابة من إنسان «غربي» منصف وخبير في مجاله.

الرواية عبارة عن تفريغ وتحليل لأشرطة تحقيق بريطانية تحمل وسم «سري للغاية»، بين ضابط في جهاز المخابرات البريطاني إم أي 6 ومعتقل، فالتسجيل به الكثير من المعلومات السرية التي جرى حجبها وطمسها خشية التسرب للإعلام، وخشية أن تسبب فضائح وتشهيرًا بالحكومة البريطانية.

فمن خلال القراءة نكتشف جوانب أخرى في شخصية كل منهما الضابط والمحقق، لم نكن لنتوقع أنها من الممكن أن تكون موجودة، فبتقدم التحقيق يتلاشى الخط الفاصل بين المحقق والمتهم، ويبدأ كل منهما في الكلام وإخراج مكنون صدره، ومعرفة ما يعتمل فيه، فيبدأ كل واحد منهم بالحكي عن حياته الشخصية، المتهم والضابط، فالمتهم كان يشغل منصبًا مرموقًا؛ إذ إنه أستاذ للاقتصاد في جامعه القاهرة وكان له أسرة وأولاد وحياة مستقرة، والضابط له زوجة وأولاد وبيت وحياة مستقرة أيضًا، كل منهما يحكي عن حياته الخاصة عن زوجته وكيف التقى بها على سبيل المثال، والظروف التي اضطرته للتحول إلى هذا المصير، كل منهما يسرد الأعمال والجرائم التي ارتكباها. ترى ما الذي يجبر أستاذًا جامعيًّا محترمًا ويعمل في وظيفة مرموقة ومنصب اجتماعي راقٍ على ترك كل ذلك والذهاب للقتال في العراق وعيش حياة التقشف والفقر والخطر الشديد وسط كل هذه البيئة الشرسة؟ أي جنون محتدم في عقل صاحبه يدفعه إلى مثل هذا التصرف الذي هو بالتأكيد حماقة مجسدة في نظرنا على الأقل؟

«من المستحيل إيقاف عدو ليس لديك أي فكرة حقيقية عنه»

من خلال القراءة سيتبادر إلى الذهن سؤال مهم، ألا وهو هل الاثنان وجهان لعملة واحدة؟ هل هناك فرق بين الجرائم التي ارتكبها «المتهم» الإرهابي والجرائم التي ارتكبها الضابط عندما كان يعمل في العراق إبان الغزو والاحتلال؟ ما الفارق بين جرائم التنظيمات الإرهابية الخطيرة وجرائم الدول الكبرى الاستعمارية من قصف بالطيران، والقنابل النووية والكيميائية على رؤوس المدنيين الأبرياء؟ الإبادات باستخدام الأمراض؟ وكذلك ما يفعله الإرهابي من قطع الرؤوس وتفجير المباني والطائرات، ترى أيهما أفدح؟ وأيهما أكثر منطقية وشرعية؟ ولماذا يجري التركيز فقط على الجرائم الإرهابية لهذه التنظيمات ويجري التغاضي عن الجرائم الدولية؟

الرواية تنسف الصورة الكاريكاتورية عن «الإرهابي» التي رسمتها هوليوود في أذهان العالم، هذه الصورة صاحبة الوجه المتجهم والعيون المحملقة، والأفواه التي يتساقط منها الرذاذ، والملابس الرثة والإنسان الهمجي البدائي ضامر العقل ومنعدم التحضر، هنا نتعرف إلى ما يدور في عقله وما يفكر به، هنا نراه إنسانًا ماكرًا خبيثًا ذا حيلة واسعة، يتلاعب بالأجهزة المخابراتية والجيوش، لأول مرة نراه إنسانًا قارئًا مثقفًا مناضلًا صاحب قضية.

الرواية مليئة بالحوارات الفلسفية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية حول منطلقات أفعال كل منهما وهذه الحوارات هي بمثابة العمود الفقري للرواية، وهي أكثر ما استمتعت به منها، كل واحد منهما يريد أن يميل الآخر إلى وجهه نظره ويقتنع بها، فالدكتور المتهم كان يحاور الضابط ويستدرجه في الكلام وبدأ فعلًا في استمالة تفكيره إليه، وكذلك الضابط حاول مرارًا ولكنه أخفق أمام المتهم، أشبه بالمحاكمة والادعاء والدفاع وشهود الإثبات والنفي، وعقلك أنت هو القاضي، ولتحكم وتقتنع بأي من وجهات النظر المختلفة، الكاتب هنا مثقف واسع الاطلاع بالتاريخ والاقتصاد والثقافة، كاتب يحترم قارئه.

الحقيقة هي أن الإرهاب وفقًا لقوانينكم هو استخدام العنف، أو التهديد بالعنف، للحصول على نوع من المكاسب السياسية، تهديد الأشخاص أو إيذائهم لتوجيه رسالة إلى جمهور أوسع، تخويف مجموعة أكبر. إذا فهمنا الإرهاب بهذه الطريقة فمن المؤكد أن قصف هيروشيما وناجازاكي من أعمال الإرهاب؟ القتل العشوائي الجماعي لمجموعة من الناس لتوجيه رسالة إلى قادة وشعب اليابان «استسلموا، أو سنقتل كل واحد منكم».

بطل الرواية بصراحة شديدة حيرني، بسبب التحول الشديد الغريب في حياته ومعتقداته والذي من الممكن أن يبرره عقلي، ولكن أيضًا أنه أثناء احتدام المعارك وأثناء القتل والقصف وحياته المهددة بالفناء كان يقرأ! يقرأ كثيرًا وفي كل مجالات العلوم من سياسة واقتصاد وفيزياء وأدب، وهنا أقول إن هذا من المؤكد أنه حدث، لأن كاتب الرواية لا يستطيع أن يقحم شيئًا غريبًا مثل هذا في النص إلا إذا كان متأكدًا منه مئة في المئة وسأخبركم بهوية الكاتب في الفقرة التالية.

الارهابي بالنسبة لهم هو مجرد فكرة، ليس شخصًا له تاريخ ولديه إرادة، يبدو الأمر كما لو أنهم يحصلون على معرفتهم من الصحف أو من الأفلام الهوليودية.

ربما ستكون الرواية مملة قليلًا بسبب الحوارات التي ستتساءل متى تنتهي وما الهدف منها، إلا أنه في آخر الرواية ستتصاعد الأحداث وستصدم من النهاية.

الشيء الأكثر غرابة في الرواية ليس فقط أنها تميل إلى وجهه النظر الشرقية التي تتبنى أن كل ما يحدث من عمليات إرهابية ما هو إلا مجرد رد فعل على جرائم الدول الكبرى بحق الشعوب، لكن ما لفت نظري الكاتب نفسه ووظيفته، هل تعلمون ما وظيفة الكاتب أوما الذي يترأسه؟ الكاتب هو ريتشارد جاكسون، إنه أستاذ دراسات السلام في جامعة أوتاجو بنيوزيلندا! كما أنه مؤسس مجلة «دراسات نقدية في الإرهاب» ويشغل رئيس تحريرها! المختصة بدراسة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية، وهذا الرجل له دراسات كبيرة في مجال الإرهاب وبالتأكيد تستعين به وبكتاباته الحكومات وأجهزة الاستخبارات في محاولة معرفة وفهم الحركات والتنظيمات الإرهابية، وتعد هذه الرواية هي العمل الأدبي الوحيد له.

إذا كنت تريد أن تقرأ شيئًا مثيرًا، شيئًا يحرك المياه الراكدة في عقلك، فأنصحك بهذه الرواية المثيرة، ليس من الضروري أن تتفق معها كليًّا، فأنا شخصيًّا لدي مآخذ كثيرة عليها، وفي النهاية أشكر دار المتوسط على توفير هذه الأعمال الجيدة، كما أشكر المترجم، منصور العمري، على الترجمة الرائقة، التي ستشعر معها بأنك تقرأ نصًّا عربيًّا خالصًا وليس مترجمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد