بزغ فجر جديد من الإرهاب على سماء تونس معلنًا الحرب على البلاد والعباد مهدّدًا أمن الدولة واستقرارها مبشّرًا بعهدٍ جديدٍ من الخوف والرعب، فبعد الاستبداد السياسي الّذي تحرر منه الشعب التونسي بنضاله على مرّ السنين، يأتي القهر والحيف باسم الدّين معلنًا طورًا جديدًا من الكفاح الوطني من أجل الأمن والسلام.

لكن وللأسف لم تكن المجموعة الوطنية التي أدارت هذا الجدل والتحدّي الكبير الّذي يهدد حتّى وجود كيان الدولة الّتي ناضل من أجلها الآباء والأجداد على مرّ العصور في المستوى المأمول أو الأدنى من النضج الفكري والدراية التقنية للمعالجة والوقاية من مغول القرن الواحد والعشرين؛ ففي كل مرة تكتفي بالنحيب والعويل تارة والسباب والشتم وتبادل التهم تارة أخرى ولا عزاء للشهداء وعائلاتهم ومن ينتظر دوره للالتحاق بقوافل المغدورين من السياسيين والأمنيين أو من السيّاح الأجانب ولا ندري فقد يأتي الدور على المواطن البسيط.

إنّ إدارة الأزمة بهذا المنطق المتخلّف من حب الغلبة والانتصار للذات وتصفية خصوم فكريين لا يمكن إلا أن يؤزم الوضع أكثر فأكثر ويعزز تغلغل الإرهاب في البلاد.

و انعدام جوّ من الوحدة الوطنية الحقيقية والجدّية على أسس صلبة ومتينة لمواجهة هذا التطرف سيدفع إلى فقدان الثّقة في الدولة ومؤسساتها (وهو هدف إستراتيجي للإرهاب) وقد يؤدي بالمجتمع فرادى أو جماعات إلى ردود فعل تعمّق الأزمة وتؤدّي بنا إلى الهاوية، فحالات الهجرة السريّة ستزداد بالآلاف ومعدّلات الجريمة المنظمة سترتفع وتجارة المافيا والمخدّرات ستجد البيئة المناسبة لتزدهر.

إنّ استمرار الوضع بهذا الحال وبهذا التردد والتشرذم واستفحال سياسة ذرّ الرماد على العيون لن يمكننا من الوصول إلى برّ الأمان وسيعزز تصنيفنا ضمن الدول الفاشلة، والباحث في الحلول الكفيلة للتخلّص من هذا السرطان القاتل يجب أن يتحلّى بعمق النظر ورجاحة الفكر والحس الأمني بما يخوّل له التعاطي مع هذه الظاهرة، فتحديد رؤية واضحة عن الإرهاب كونه جريمة منظمة عابرة للقارات تستهدف أمن الفرد والمجتمع والدولة عن مرجعية عقائدية صلبة تستهدف فئة كبيرة من الشباب بالتأطير والتكوين من ثم الاستغلال في عمليات إرهابية شنيعة، بغضّ النظر عن الرؤية النمطية للإرهاب باختصاره في لحية وقميص وصيحة الله أكبر، فمنفّذ أية عملية إرهابية يمكن أن يتلون كما يشاء من أجل تحقيق هدفه.

إنّ الوحدة الوطنية المنشودة للقضاء على الإرهاب لا تقتصر فقط على الائتلاف الحاكم وتوحيد خطاب إدانته للإرهاب بل تلك التي توحّد جميع أطياف الشعب وفعالياته مهما كانت اختلافاته حول برنامج واحد موحّد لا يقيّد نشاط الأفراد والجماعات يحدد بمنهجية علمية دقيقة.

إنّ مقاومة الإرهاب تتطلب مقاربة شاملة متعددة الجوانب الفكرية، الأمنية، الإعلامية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية، الاجتماعية، التربوية والتعليمية من أجل خطة تقوم بالمعالجة والمواجهة على المدى القريب والوقاية والتخلّص من هاته الظاهرة على المدى البعيد، مع رصد الاعتمادات المالية القارة اللازمة لذلك.

في المعالجة والمواجهة

إعادة تأهيل وتكوين الأعوان بما يرفع جاهزيتهم المعنوية والقتالية مع عدم إغفال الوازع الروحي المقدّس بما يعزز تنمية قيمة الشهادة والتضحية في سبيل الوطن.

إنشاء إدارة عامّة خاصّة بمكافحة الإرهاب بفرقها المختصّة ترسم السياسات وتحدد الإستراتيجيات وتعدّ الدراسات في الغرض بأسلوب علمي منهجي.

إرساء نظام تحفيز لكل من يساهم بإفشال عملية إرهابية أو فك خليّة إرهابية أو القبض على إرهابي.

بعث مركز للاتصال والمراقبة والتنسيق توفر له كل الوسائل التكنولوجية المتطورة.

تعزيز وتطوير الأجهزة الاستخباراتية داخل البلاد وخارجها وعدم الاكتفاء بالعمل التقليدي المقتصر على المخبرين.

رسم سياسة إعلامية فيما يخصّ التعاطي مع ملف الإرهاب تلتزم به الوسائل الإعلامية العمومية والخاصة لتجنب خطاب التحريض والتبرير وتحليلات المغالطة والمناكفة.

عدم التضييق على النشاط الدعوي ومظاهر التديّن الفردي حتى لا تكون الدولة في وضع تناقض أو معادي للدّين، وهو ما لا يسمح للجماعات الإرهابية باكتساب تعاطف أو استقطاب أنصار جدد.

توعية المواطنين أنّ القانون التونسي لا يتعارض مع تعاليم الإسلام لدحض فكرة حكم الطاغوت وجنوده.

خفض حالات الاحتقان بين فئات الشعب المختلفة وأجهزة الدولة لإعادة الثقة وبعث حالة من التضامن ورصّ الصفوف.

تثبيت سكان الأرياف وتوطينهم بالمناطق الحدودية بإيصال المرافق والخدمات العمومية اللازمة ليعاضدوا جهود الجيش في ترصد الإرهابيين والمهربين.

تنقية الأجواء مع الجارة الجزائر وتعزيز أواصر الثقة والتعاون، والتعامل بحذر مع تطورات الوضع الليبي بما يحفظ أمن حدودنا ومصالحنا الإستراتيجية بديبلوماسية راشدة حكيمة لا مجال فيها للأهواء والعفوية.

عدم الاطمئنان لما يسمّى التحالف الدولي لمقاومة الإرهاب والاعتماد على الإمكانيات الذاتية.

استيعاب الكم الهائل من الطاقات الشبابية المهدورة داخل المنظومة الأمنية بالتشجيع على القيام بأنشطة تطوعية ظرفية مقابل منح رمزية سواء بالجيش أو بالأمن العمومي.

في الوقاية والتخلص

اعتماد سياسة خارجية صارمة حكيمة تقوم على حفظ الأمن القومي لا تتأثر بتوجّهات حزب أو فرد ولا تتغيّر بتغيّر الفائز في الانتخابات، وتنأى بكل ما من شأنه أن يعرض سلامة الوطن للمخاطر في وضع دولي متقلب لا يقوم إلّا على المصالح.

تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية لتلافي مظاهر الإحساس بالغبن والقهر تجاه الدولة.

العمل على إقامة مرجعية دينية يثق بها الشعب تلبّي حاجاته الروحية والفقهية.

عدم الاستمرار بالعقيدة الأمنية التقليدية نفسها التي لن تحرز أي تقدم في مكافحة الإرهاب.

إرساء مناهج تعليمية وتربوية تغذي لدى الناشئة انتماءهم للدولة الوطنية ونظامها الجمهوري برؤية عصرية.

إثراء الثقافة الإسلامية في المناهج البيداغوجية بما يمكن من ترسيخ دعائم فكرية تصدّ أي فكر منحرف متطرف خارج عن قيم الإسلام.

دعم أنشطة دور الثقافة وتطويرها بما يمكنها من معاضدة مجهود المؤسسات التعليمية في التأطير والتوجيه والتكوين المعرفي.

الاعتناء بالمكاتب العمومية وإثراء محتوياتها وجعلها مراكز جذب للتنمية الفكرية والثقافية.

إرساء كل دعائم بناء مجتمع المعرفة للقضاء على التهميش، التخلف، الانحلال الأخلاقي والانحراف.

إعادة الاعتبار للحياة الجامعية بتوفير الأطر الترفيهية والتثقيفية والاعتراف بالنشاط الطلابي لتمكين المنظمات الطلابية بتأطير أكبر عدد ممكن من الطلبة فكريًا وسلوكيًا.

إعادة الروح للرياضة المدرسية بما يمكنها من تأطير الشباب في أوقات الفراغ.

إنّ تأمين مسار التحوّل الديمقراطي والمحافظة على التداول السلمي على السلطة وضمان مبدأ الحوكمة الرشيدة والشفافية من شأنه أن يوفر أرضية صلبة للإصلاح والبناء ومواجهة التحدّيات الجسيمة، وعلى رأسها الإرهاب الّذي يستهدف بعملياته تقويض هذا المسار ويبرر رغبة البعض العودة بنا إلى مربع الاستبداد والتضييق على الحريات، رغم الخطوات المهمّة التي سلكتها تونس في اتجاه إطلاق الحريات وإرساء نظام ديمقراطي بضمانات دستورية قوية.

إن الإرهاب والاستبداد وجهان لعملة واحدة يغذّي كل منهما الآخر ويضفي مشروعية زائفة عليه، وهنا نشير لما قاله الشيخ العلامة عبد الرحمن الكواكبي منذ ما يقارب من مائة عام إلى أن الاستبداد بما هو انقلاب في الوضع الطبيعي للأشياء ومسخ للذات الإنسانية، يؤدي ضرورة إلى انقلاب في المعايير والقيم انقلابًا يتحول فيه الإنسان إلى وحش آدمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إرهاب, تونس
عرض التعليقات
تحميل المزيد