ربما يظن أحدهم أنه لا يجب أن ينتمي لأي دين، فلا يضطر مع هذا القول أن يتبع أي طائفة دينية، وألا يمارس أي تعاليم أو طقوس دينية، ليظن أن حل تلك القضية يكمن في قوله «أنا ملحد» لكن هذه الفكرة منفِّرة، لا يمكن قبولها من أي صاحب عقل، ولا حتى عند صاحبها.. ذلك لأن الإيمان بالخرافات أهون من اللا إيمان، ولذلك يعتبر الإلحاد عند أهل المعرفة مرض عقلي، قصور في رؤية الواقع ومخافة مواجهته أو التعامل معه.

ويعزز هذا القول أفعال السابقيين، حيث أنه لم توجد أي جماعة بشرية على مر العصور والأزمان إلا واعتنقت دينًا أو معتقدًا معينًا، فكان الدين في كل قوم وأمة متأصل..له ظهور واضح، قويًا كان أو ضعيفًا، مسيطرًا أو مُسيطرًا عليه، لكنه كان عنصرًا أساسيًا من عناصر مقومات الحياة، ذلك لأن الحث الديني عند البشر فطرة أساسية وغريزة في النفس كالشبع، والغضب، والغريزة الجنسية، والخوف وغيرها.

فحتى وإن تحدثت عن جماعة من الناس بعينهم محاولًا أن تثبت وجود الإلحاد، فيجب أن يكون الإلحاد موجودًا في تلك الجماعة من الناس منذ القدم، لم يعرفوا غيره ولم يتغير حالهم إلى الآن، وأن تضمن ألا يتغير ذلك الحال، لكن هذا لا يمكن إثباته، فلم تخل جماعة من الناس أبدًا إلا وكان لها معتقدًا، كما أن التعبد يحدث بالقلوب لا بالحركات.. فأيًا يكن فعل الشخص الذي أمامك في العلن ومع الجماعة، فهذا لا يضمن أنه يقم بنفس الفعل في وحدته، وبما أن الأمر كذلك: فيمكن القول إنه حتى الشخص الذي يظهر إلحاده أمام الناس يمكن أن يكون معذبًا في البحث عن الطريق أيما انفرد بنفسه، لكنه لا يقر بذلك لأحد أبدًا.

إن البحث عن الدين والإنتماء لمنهج روحي معين هو أمر فطري وغريزة أساسيية قوية جدًا، والغرائز لا تظهر في الحالة الاعتيادية التي لا مشاعر فيها، بل تظهر في الخصومة مع مضاداتها.. فحاول أن تستثر ما بداخلك من غريزة وستنبهر بما يحل بك. فكم من إنسان ظن أنه لا يحب الجنس حتى جربه، وكم من إنسان ظن أنه لا يمكن أن يُحَب حت نهل من نهر الحب فلم يفارقه. وبنفس الطريقة، حاول أن تتدارك أعداد البشر الذين حاولوا ويحاولون التحكم في أنفسهم فلا يغضبون إلى أن تاتي لحظة جرح كرامة أحدهم التي لا يمكنه تحملها فينفجر، وهذه اللحظة هي الحد الفاصل بين ما يريد هو وبين ما فُطر عليه.

ربما تيقنت الآن أن غريزة التدين تظهر أكثر وتتجلى في فترات الإحتياج النفسي والمادي والروحي.. كالخوف، والمرض، والجوع، والألم، والحاجة التي لا ينفع معها طلب الناس.. حتى أن من يظن نفسه ملحدًا إذا حل به أمر لا يطيقه أو لا يتوقعه من تلك الأمور التي تعد خارجة عن إرادته تراه يصرخ مرددًا: يا إلهي! فأي إله يناجي إن كان لا يؤمن أنه لا إله؟ وإلى من يخضع نفسه ويرجع أمره إن كان لا منهج له؟

وإن كان هذا القدر من الرجاء يظهر عند من لا دين له، أو من يعتقد ذلك، فما بالك بمن هو صاحب دبن. ولا يصح قول متدين لأنها من التصنع.

لذلك يقول الله تعالى في سورة يونس «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ 22.. أي أن هذا الأمر مخفي إلى أمد.

وصاحب الدين الذي لا يمارس شعائر دينه ويؤثر عليه شيطانه، يصبح إيمانه كالجمر الذي يغطيه الرماد، ما إن تحل به نائبة أو لا يجد من ينقذه وقت أزماته نظر للأعلى ولجأ حينها إلى من منه الحول والقوة ومن نحن دونه عدم.. فيلجأ إلى الله الذي بيده وحده كل النجاة، ولا ينفع غيره، فيتيقن من وجوده ويلغي في عقله كل من سواه..

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا. (67) الإسراء.

وفي رأيي أن الإلحاد هو أسمى صورة من صور إثبات الدين، كالخوف أتى ليدلل على جوهر الشجاعة، والمرض أتى ليحث الناس على أهمية الصحة. والجوع أتى لإيضاح أهمية الطعام، والكُره أتى لإثبات جمال وعظمة الحب، ولولا هذه المعاني لما كان للفطرة قيمة ولما كان للمعاني العظيمة أي حاجة، ولتسارع وتقاتل الناس على تحصيل المنافع دون الالتزام بأي معايير للمعاملات الإنسانية.

وقد كان بارتميلي سانت هيلز يقول: هذا اللغز العظيم الذي يستحث عقولنا قائلًا: ماالعالم؟ وما الإنسان؟ من أين أتى؟ من صنع الحياة؟ ومن يديرها؟ وإلى أي غاية تسىري؟ ما الهدف منها؟ وما المراد من عقولنا أثناء سيرنا في الدنيا؟ وأي مستقبل ينتظرنا؟ هل يوجد شيء بعد الموت؟ ولماذا نموت؟ كل هذه الأسئلة وأكثر قد أتت الأقوام والأمم السابقة وقدمت كل منها حسب علمها ومن منظورها حلولًا لها، جيدة كانت أو رديئة، مقبولة أو مرفوضة، ثابتة أو متغيرة.. فقد قصد بذلك أن هذه المسائل شغلت كل الأمم والأقوام على مر العصور، وهذا ما يثبت أن الدين فطري شغل كل من مر على الأرض.. وها هو الراعي بقلة علمه يرد على من سأله: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبَعْرَة تدل على البعير، فسماء ذات أبراجٍ وأرض ذات فجاج وبحارٌ ذات أمواج ألا تدل على السميع البصير؟ الجواب: بلى.. فكل حادث لابد له من محدث، والمحدث لكل شيء هو الله تعالى ولا أحد سواه.

فمن الممكن أن يستشري الإلحاد في قوم بعينهم أو يسيطر حتى على الأرض كلها مع استحالة حدوث ذلك، لكن ذلك لا يدوم للأبد..لأنه لا يمكن لإنسان أن يطمس الفطرة أو يطفئ الغريزة كما قال الدكتور فاضل السامرائي، لذلك فإن كل ما يحدث من إلحاد لهو أمر طارئ وحادث ودخيل على الفطرة البشرية، فهو إلى حين وأمد محدود مهما طال أو قصر.

دُمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد