فور الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية الاستثنائية في الجزائر شهد الشارع الجزائري انقسامًا جديدًا بين مؤدى الانتخابات بعد الانقسام بين الشعب إلى مؤيد ومعارض. فهناك من لم يتقبل فوز المرشح عبد المجيد تبون بنسبة بلغت حوالي 58٪ أعلنت عنها السلطة الوطنية للانتخابات في الجزائر بعد مؤتمر صحافي نشطها رئيسها صباح يوم الجمعة الفارط.

تبون الذي طمأن الجميع، كلًا حسب توجهه السياسي، أن حقبته ستكون مرحلة إصلاحية لكل ما هو بوتفليقي، وخص بالذكر هنا «تعديل عميق للدستور»، وتعزيز حرية الإعلام وتعديل قانون الانتخابات. إصلاحات تبون، رغم أنها مغرية، لكنها لم تمنع فئة من الشعب الجزائري من مواصلة حراكهم الذي بدأ في 22 فبراير (شباط) 2019. وبالرجوع إلى حيثيات ومجريات الانتخابات الأولى بعد المرحلة البوتفليقية، نجد أنها شهدت الكثير من الأحداث المهنة التي لا يجب لأحد أن يهملها، ولعل ما حدث في ولاية البوير من حرق لمقر السلطة الوطنية للانتهابات رفضًا لإقامة هذه الانتخابات بذريعة أن من يشرف عليها هم جزء من نظام بوتفليقة نفسه، وما زاده من احتقان الشارع بعد إعلان النتائج فوز عبد المجيد تبون الذي كان رئيسًا للوزراء في العهد البوتفليقي وتقلد العديد من المناصب السامية في الدولة أي بمعنى المثل العربي «ابن البط عوان» ولاية تيزي وزو لم تكن مختلفة عن البويرة، فقد اقتحم مواطنون غاضبون مراكز الاقتراع، وقاموا بتكسير صناديق الاقتراع صبيحة الخميس 12 ديسمبر (كانون الأول) الموافق ليوم الاقتراع، فحال ذلك دون الإقبال على صناديق الاقتراع من قبل المواطنين.

المعسكر الآخر عبر عن ارتياحه لمرور هذه الانتخابات بأقل الأضرار، واعتبر نجاح تبون أو غيره تحقيقًا لمطالب الحراك عند بدايته برحيل ابن صالح وحكومة نوردين بدوي، والدخول في مرحلة دستورية جديدة لقطع الطريق على أي تدخل أجنبي في شؤون البلاد.

الانقسام الذي أحدثته الانتخابات بصفة عامة أو فوز تبون بصفة خاصة تحول مهم وتحد بالغ الصعوبة ينتظر الرئيس الثامن للجزائر للم شمل الشعب الجزائري على كلمة واحدة من جديد، فقال وبالصوت الواضح «أمد يدي للحراك»، وهذه دعوة صريحة للحوار مع المحتجين، ولا ننسى أكبر تحد خارجي وهو رسم وتحديد شكل العلاقة مع فرنسا، خاصة أن الرئيس الجزائري الجديد رفض الرد عن تصريحات نظيره الفرنسي التي قال فيها إنه يدعو الرئيس الجديد للجزائر للحوار مع شعبه قائلًا إن أولاند حر في التسويق لأي بضاعة يريدها في بلده، هذا التعقيب ينذر حسب خبراء بوجود توتر غير معلن بين الرجلين في مرحلة حساسة يمر بها الشعب الجزائري الذي طالب بإنهاء الوصاية الفرنسية والتوجه إلى شركاء سياسيين واقتصاديين جدد كروسيا والصين، وبالغرم من صعوبته، إلا أن المؤيدين لتبون يرونه قادرًا على ذلك.

التحديات الداخلية كثيرة هي الأخرى؛ فجمع الفرقاء كما ذكرت، وإطلاق حوار وطني شامل لجميع الأطياف، وإطلاق سراح المتظاهرين، ومشاكل اجتماعية على غرار البطالة التي تنخر جسد المواطن الجزائري، أزمة السكن في ظل الأزمة الاقتصادية، وسياسة التقشف التي اعتدمتها حكومة أويحي سابقة ستكون تحديات بالغة الأهمية للرئيس الجديد الذي يعلم جيدًا ما خلفته العصابة من نهب وسرق وفساد لثروات البلاد وتهريب الأموال إلى الخارج بمبالغ ضخمة لم تخطر حتى في بال أشد المعارضين للنظام حينها، أرقام فلكية تم الكشف عنها في المحاكمات الأخيرة جعلت المواطن الجزائري في حيرة من أمره بعد إيهامه أن البلاد تمر بمرحلة تقشف وأزمة اقتصادية خانقة جمدت على اثرها كبريات المشاريع الحيوية في ربوع أنحاء الوطن.

فهل سيفي تبون بوعوده ويحقق تطلعات الشعب الجزائري أم أنه سيكون نسخة ممن سبقوه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد