يكشف السجل التاريخي عن حضور لافت لأثر الدبلوماسية في بناء الدولة المغربية، وامتداد نفوذها على الصعيد الدولي والإقليمي، والذي تؤكده مجموعة من الوثائق والصور الموثقة لمختلف الأنشطة الدبلوماسية المغربية في مقدمتها العمل السياسي والاقتصادي، وما له من انعكاسات إيجابية على مستوى تعزيز التواجد المغربي على الساحة الدولية وتعزيز علاقاته مع غيره من الشعوب والكيانات السياسية.

ولا يختلف اثنان على أن الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية نشط بشكل كبير في الأعوام الأخيرة، قصد تعزيز الموقف المغربي في الساحة والمحافل الدولية، وتأكيد شرعية السيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، ما دفع المغرب للعمل بجدية للتواجد ضمن الدواليب المتحكمة في صناعة القرار داخل المنظمات الدولية، لكسب أكبر قدر ممكن من الدعم الدولي للطرح المغربي القاضي بتمكين الأقاليم الجنوبية من الحكم الذاتي مع بقائها تحت السيادة المغربية.

وبفضل الرؤية الحكيمة لجلالة الملك الذي اختار السيد ناصر بوريطة وزيرًا للشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، برز اسم هذا الأخير بشكل جلي في الساحة الدولية من خلال تحقيقه لنجاحات دبلوماسية وازنة قضت مضجع خصوم المملكة وأدخلتهم في دائرة الارتباك والتيه، خاصة وأن الإنجازات الدبلوماسية في عهد بوريطة عرفت ارتفاعًا ملحوظًا بعد أن كسب المغرب ملفات كانت عالقة لعقود من الزمن.

ومنذ تعيينه رفع بوريطة رهان تدشين عهد جديد من الدبلوماسية المغربية وفق خارطة طريق وأداء يتمشى مع التحولات الدولية المتسارعة، حيث بدأ في نهج دبلوماسية القنصليات في الصحراء المغربية بتعليمات ملكية كتكريس لشرعية أحقية المملكة على الأقاليم الجنوبية، وهو التوجه الذي تبناه المغرب تحديدًا سنة 2017 بعد عودة هذا الأخير إلى الاتحاد الأفريقي.

وفي ذات السياق، بدأ مراقبون يلاحظون كيف أن المغرب بدأ يتجاوز أسلوب التجاهل وعدم الرد على التقارير الدولية الصادرة عن هيئات ومنظمات حقوقية، والتي تحاول التطاول والمساس بقضية الصحراء المغربية والجانب الحقوقي فيها، وعن عدد من الدول والكيانات السياسة التي تحاول بين الفينة والأخرى الاصطياد في الماء العكر والتشويش على قضية المغرب الأولى على المستوى الدبلوماسي والميداني، وهو ما يفسر تغير الممارسة الدبلوماسية بخصوص قضية الصحراء المغربية والتي تتجه نحو الحسم النهائي لهذا الملف على المستوى الأفريقي ومستويات أخرى.

مكاسب دبلوماسية

استطاع المغرب كسب رهانات دبلوماسية عديدة في ملف الصحراء، أبرزها إجهاض مخطط توسيع صلاحيات «المينورسو» لتشمل حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، فضلًا عن فرض الدبلوماسية المغربية على شركاء الاقتصاديين عدم القبول بازدواجية المعايير، فعندما يتعلق الأمر بالتعاون الإستراتيجي في قضايا التنمية والاستثمار ومحاربة الهجرة السرية والتطرف والإرهاب تكون المملكة حليفًا استراتيجيًّا لا محيد عنه للبلدان الأوروبية، لكن عندما تطرح قضية الصحراء تتنصل بلدان الاتحاد الأوروبي من مسؤوليتها تجاه المملكة كشريك دائم وقوي، وتشرع في تمرير لغة تقرير المصير وضرورة إجراء الاستفتاء، وهو ما لم يعد يقبل به المغرب.

كما أن الدبلوماسية المغربية حققت مكاسب كبرى من خلال تبني دبلوماسية القنصليات تحت الرعاية السامية لجلالة الملك، والتي أعطت إشعاعًا للقضية على الصعيد الدولي وجلبت تأييدًا واضحًا للطرح المغربي، كانت بدايته مع القنصليات الأفريقية وقنصليات عربية، وصولًا إلى الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء وتدشين قنصلية أمريكية بمدينة الداخلة، ومن جهة أخرى عمدت عدد من الدول بفضل الامتداد الدبلوماسي المغربي إلى سحب الاعتراف بالكيان الانفصالي «البوليساريو»، وهو ما يمكن اعتباره انتصارًا كبيرًا يعكس تنامي الوعي

بجدية مقترح الحكم الذاتي مع تبني صريح لموقف المملكة كحل سياسي للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء والذي طال أمده.

صراعات دبلوماسية انتصارًا للوحدة الترابية

خاضت المملكة مجموعة من الصراعات الدبلوماسية التي فرضها السياق كان ملف الصحراء على رأس هذه الصراعات، حيث أقدم المغرب على تعليق كل اتصال أو تعاون مع السفارة الألمانية في الرباط ومع كل المؤسسات الألمانية التابعة لها، واستدعاء الرباط لسفيرتها في برلين للتشاور، وذلك على خلفية اتخاذ ألمانيا لموقف عدائي وسلبي بخصوص قضية الصحراء المغربية، عقب الاعتراف الأمريكي بسيادة المملكة على هذه الأقاليم، ما اعتبره المغرب موقفًا غير مبرر، إذ حاولت ألمانيا التأثير في الموقف الأمريكي وإقصاء المغرب من الملف الليبي بعدم دعوته إلى مؤتمر برلين، وحاولت حشد الأصوات المعادية للوحدة المغربية في الاتحاد الأوروبي للتأثير في قرار هذا الأخير.

كل هذه الإشارات استدعت تدخل المغرب للتأكيد على أنه من غير المقبول العبث بالقضية الأولى للمغرب، وأن المغرب يبحث في علاقاته مع ألمانيا عن حل للأزمة وليس القطيعة.

وجهة أخرى طفت على سطح العلاقات المغربية توثر مزلزل بعد أن ثبت استقبال اسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو، بغاية علاجه بشكل سري وبهوية مزورة في إحدى المستشفيات الفرنسية، ما دفع المغرب لاستدعاء السفير الإسباني في الرباط للتعبير عن الانزعاج والسخط من استقبال إبراهيم غالي، الملاحق من طرف القضاء الإسباني والمتهم بارتكاب جرائم حرب، وصولًا إلى إصدار بيان حكومي يؤكد رفض الخطوة الإسبانية الممثلة في استقبال زعيم الانفصاليين، والتي من شأنها أن تضر بالعلاقات الثنائية بين البلدين، وأنه يتوجب تصحيح هذا القرار من خلال تسليم زعيم الجبهة الانفصالية إلى العدالة، وبهذا تكون الدبلوماسية المغربية قد أكدت مرة أخرى ضرورة عدم ازدواجية المعايير خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالوحدة الترابية أو التعامل مع خصوص المملكة.

جنود الدبلوماسية الوطنية

نجح وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمون بالخارج ناصر بوريطة في تحقيق نجاحات دبلوماسية متوالية انسجامًا مع التوجيهات الملكية السامية، كما عرف بدهائه في معالجة الملفات الأكثر حساسية والحسم فيها، فضلًا عن ذكائه وحضوره اللافت خصوصًا أثناء محاولته للرد على بعد الصحفيين الذين يكون غرضهم الاستفزاز والتهجم، بحيث أجبر بوريطة وفي مناسبات مختلفة الإعلام الدولي على سحب مصطلح «الصحراء الغربية»، والاكتفاء بمصطلح الصحراء.

وفي جانب آخر نستحضر لسان عمر هلال الممثل الدائم للأمم للمغرب لدى الأمم المتحدة، والذي دائمًا ما يفضح زيف وكذب ادعاءات الممثل الدائم للجزائر بالأمم المتحدة من خلال أدلة وحجج دامغة يصعب التشكيك فيها، وفضح المواقف الجزائرية حيال قضية الصحراء المغربية.

فنحن الآن أمام دبلوماسية مغربية قوية رصينة يقودها جلالة الملك محمد السادس بحنكة، أبلت كفاءاتها ولا تزال تبلي البلاء الحسن دفاعًا عن مقدسات المملكة والوحدة الترابية، وبغرض إحباط على الدسائس والمناورات المعادية للطرح والتوجه المغربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد