ذات حوار في المجتمع الفرنسي صرح بول ريكور أحد أهم الفلاسفة المعاصرين قائلًا: لا أستطيع أن أمنع نفسي من التفكير في حماقة أنّ للفتاة المسيحية الحق في إظهار مؤخرتها في المدرسة، في حين لا تملك الفتاة المسلمة الحق في تغطية رأسها… وهو بذلك يوجه نقدًا لاذعًا لللائكية الفرنسية التي تتدخل في الشأن الخاص للمواطنين المتعلق بنمط حياتهم وخياراتهم الدينية، والتي ينص الدستور الفرنسي على احترامها، وأنه ليس للدولة ومؤسساتها حق التدخل فيها. حيث تنص المادة الأولى في الدستور الفرنسي على أن الدولة تكفل المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون دون تمييز في الأصل، أو العرق، أو الدين، وتحترم جميع المعتقدات.

كما تنص المادة العاشرة في إعلان الحقوق والمواطنة، وهو جزء من الدستور الفرنسي، أنه لا يجوز إزعاج أحد بسبب آرائه حتى وإن كانت دينية. فالدستور الفرنسي يكرس أهم ميزة كرستها اللائكية منذ الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان والمواطنة سنة 1789، وهي حيادية الدولة ومؤسساتها تجاه الأديان جميعها، دون تفرقة أو تمييز دين على آخر، وأن للمواطنين الحق في ممارسة طقوسهم الدينية، على ألا يؤدي ذلك إلى إضفاء القداسة على مؤسسات الدولة باعتبار أن اللائكية نزعت القداسة عنها، ومن يحكمها، وأرجعت مصدر السيادة للإنسان ممثلًا في الشعب كبديل عن الحق الإلهي الذي كرسته الكنيسة طيلة فترة هيمنتها على كل مجالات الحياة العامة والخاصة طيلة العصر الوسيط. فالدولة إذًا لا تتدخل في الحياة الإيمانية وتحترم ممارسات المؤمنين ما دامت لا علاقة لها بالشأن السياسي، ولا تفرض إيمانها غصبًا عن بقية المواطنين، وقد تشكلت الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا على هذا الأساس، حيث لا يدعي قادتها أنهم يستمدون شرعيتهم من الحق الإلهي، ولا يعتبرون أنفسهم ظل الله على الأرض، بل فقط ينتسبون للقيم الأخلاقية المسيحية. وقد التزمت العلمانية البريطانية والأمريكية بمبدأ عدم التدخل في ممارسات المؤمنين لإيمانهم، فلا نجد قانونًا واحدًا يمنع المظاهر الدينية من لباس وغيره في حين أصبحت الممارسات التسلطية للحكام في فرنسا تجاه المواطنين المسلمين بصفة خاصة تهدد كل القيم التي بنيت عليها الثورة الفرنسية والتي حررت الإيمان من تدخل الدولة.

إن انحراف النخب الفرنسية عن القيم اللائكية التي تشكلت منذ قيام الثورة الفرنسية هو نفس الانحراف الذي تمارسه النخب التونسية المتأثرة بها (هي تابعة في الحقيقة) اليوم في تونس بعد الثورة التونسية ومنذ انتهاء الإعلان عن الدستور الجديد في 27 يناير (كانون الثاني) 2014، والذي حدد بشكل واضح طبيعة النظام السياسي، ومنزلة الدين في المجتمع والدولة التونسية في الفصلين الأول والسادس (الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح، وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها، وكذلك حدد أهمية وقيمة الهوية الوطنية التونسية في ديباجة الدستور الفقرة الثانية (تعبيرًا عن تمسك شعبنا بتعاليم الإسلام ومقاصده المتّسمة بالتفتّح والاعتدال، وبالقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان الكونية السامية، واستلهامًا من رصيدنا الحضاري على تعاقب أحقاب تاريخنا، ومن حركاتنا الإصلاحية المستنيرة المستندة إلى مقوّمات هويتنا العربية الإسلامية وإلى الكسب الحضاري الإنساني، وتمسّكًا بما حقّقه شعبنا من المكاسب الوطنية)، وفي الفصل التاسع والثلاثين حول التربية والتعليم في تونس (كما تعمل على تأصيل الناشئة في هويتها العربية الإسلامية وانتمائها الوطني، وعلى ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها والانفتاح على اللغات الأجنبية والحضارات الإنسانية ونشر ثقافة حقوق الإنسان).

كما حدد الفصل السابع أن الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، وعلى الدولة حمايتها. فيصبح الحديث عن ضرب أخر من الأسرة عبث سياسي وإلهاء عن المشاكل الحقيقية للمجتمع. ينص الفصل 23 على منع التعذيب المعنوي والمادي والتعرض لمظاهر الناس، وأشكالهم، ولباسهم، وألقابهم العائلية، هو ضرب من ضروب التعذيب المعنوي الذي قد ينتج عنه تعذيب مادي يهدد الحق المقدس في الحياة الذي بنص عليه الدستور أيضًا. كما أن الفصل الرابع والعشرين يجبر الدولة على حماية الحياة الخاصة وهو ما تنتهكه النخب السياسية التونسية يوميّا في حروبها القذرة مع بعضها البعض. ويلزم الفصل الخامس والثلاثين الأحزاب والجمعيات والمنظمات المهنية بنبذ العنف في حين أن خطاب العنف وممارسته مسيطر تمامًا على أدائها، وهو ما تبرزه كل يوم جلسات مجلس النواب الذي تحول لحلبة صراع للديكة. ويدعو الفصل الثاني والأربعين الخاص بالحق في الثقافة لأن تكرس الثقافة قيم التسامح ونبذ العنف والانفتاح في حين تكرس خطابات النخب الثقافية والإعلامية والسياسية التونسية عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي خطاب الكراهية والتحريض على العنف. إن ممارسات النخب السياسية، والثقافية، والإعلامية التونسية، مخالفة تمامًا لكل القيم التي كرسها وبشر بها دستور الثورة التونسية الذي شارك الجميع دون استثناء في تأسيسه طيلة السنوات الثلاث الأولى من عمر الثورة التونسية.

إن القضايا التي تطرحها النخب التونسية بين الحين والآخر حول العلاقة مع الإسلام ووضعية المرأة في المجتمع والأسرة والمثلية، وغيرها لا تهم المجتمع التونسي في شيء أمام قضايا التنمية الشاملة والتحرر من الفقر والتبعية وسيادة القانون وتحقيق العدل. كما أن الصراعات الأيديولوجية المستمرة بين هذه الأطراف منذ الحرب الباردة تثير سخرية عموم الشعب التونسي، ويشاهدها كمسلسل هزلي ينسيه بؤس الحياة اليومية الذي تسبب فيه هؤلاء الهواة في السياسة.

إن النخب السياسية والثقافية والإعلامية التونسية المهيمنة على الشأن العام التونسي اليوم لم تعد قادرة على السير بالبلاد نحو تحقيق كافة الأهداف التي رسمها المؤسسون في الدستور من حفاظ على الوحدة الوطنية، وتكريس الهوية الثقافية للمجتمع التونسي التي تجمع بين الهوية العربية الإسلامية وبين القيم الإنسانية، والنهضة العلمية والتكنولوجية، والدخول لعصر المعرفة والعلم الضخم، وإصلاح المنظومة التربية، والتعليمية، والبحثية، وتحقيق العدالة الاجتماعية وحق الشغل والحق في المشاركة في الثروة الوطنية، واعتبار الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي صاحب السيادة الحقيقي وحماية السيادة الوطنية من كل هيمنة خارجية وتبعية مهما كان شكلها في حين نجد النخب تابعة وتدافع عن مصالح فرنسا الثقافية والاقتصادية في تونس أكثر مما تدافع عن مصالح الشعب التونسي والأمة التونسية. بل أصبحت هذه النخب بدعوتها للانقلاب في صراعها المحموم على السلطة تهدد الجمهورية الديمقراطية التي كرسها الدستور الجديد ومات من أجلها الشهداء في أحداث الثورة التونسية، وأصبح ما يرفعونه من شعارات دعوة صريحة للعودة للاستبداد، وما يعنيه ذلك من رغبة محمومة منهم بالانفراد بالسلطة وتكريسها الأبدي لهم، وإعادة الشعب التونسي لمربع التعذيب، والقمع، والاضطهاد، والظلم، وقهر الإنسان، وهو ما يتناقض بشكل لا جدال فيه مع روح الدستور، وفصوله، ومبادئه، والقيم التي بشرت بها الثورة التونسية. إن النخب التونسية الحالية تمثل خطرًا يهدد المستقبل، ويدمر كل أمل في تحقيق الدولة التونسية التي يحلم بها الجميع، والتي تكرس قيم الحرية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والدفاع عن السيادة الوطنية.

إن مشروعًا سياسيًا جديدًا أصبح أمرًا ملحًا للحفاظ على القيم الوطنية التونسية التي كرسها دستور الثورة التونسية، وهو مشروع هدفه التوجه نحو القضايا الحقيقية للشعب التونسي المكرسة للعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل الثروة والمساواة أمام القانون، وضمان الحق في الصحة للجميع والتعليم الجيد، والحفاظ على السيادة الوطنية بعيدًا عن التبعية لهذا الطرف أو ذاك، وإخراج تونس من حلبات الصراع الدولي والإقليمي، وأن يكون المحدد الوحيد للعلاقات الدولية المصلحة العليا للوطن والشعب دون سواهما.

إنه مشروع فوق أيديولوجي يجمع الكل ولا يفرق بينهم. يجمعهم حول المشترك الوطني الذي تم حسمه في الدستور كالعلاقة بين الدولة والدين، والهوية الثقافية الوطنية، والحريات العامة والخاصة، وحقوق الإنسان الأساسية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة أمام القانون والعدالة، كإنصاف وحماية الثروة الطبيعية الوطنية من النهب الداخلي والخارجي، وحق المجتمع في ضريبة عادلة طبقًا لدخل كل فرد، وعدم التسامح مع التهرب الضريبي، والحفاظ على كرامة المواطن ضد كل أشكال التنكيل المادي والمعنوي، وتكريس احترام الحياة الخاصة، والفصل الحقيقي بين السلطات بتحقيق استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية، وخضوعها للمجلس الأعلى للقضاء تكريسًا للفصل بين السلط وتعديل الدستور في اتجاه تجريم الاستيلاء على السلطة عبر العنف والانقلاب، ومنع أي تنظيم سياسي لا يقر بشرعية الدستور، وشرعية الانتقال السلمي للسلطة عبر الآليات الديمقراطية من الترشح لمجلس النواب.

لقد حان الوقت في تونس لظهور الخيار الثالث الذي بيده حسم الصراع العبثي بين القوى الحالية نحو توجيه النظر نحو الاهتمام بالقضايا الحقيقية للشعب التونسي المتعلقة بالتنمية الشاملة والعادلة، وإنتاج الثروة من أجل تحقيق الشغل والكرامة الوطنية بعد أن تحققت الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد