(1)

«من يُريد أن يتحدث في السياسة، فعليه أولًا النظر إلى الخريطة» شارل ديجول.

في نهاية كل عام ينقضي، وفي بداية كل عام جديد يبدأ تباشيره يقتضى الحدث النظر على ما مضى من أحداث والاستفادة مما وقع من أخطاء لعدم تكرارها في العام الجديد.

وإذا نظرنا على الخريطة العربية في العام 2018، سنجد أن شكل الخريطة العربية من المحيط إلى الخليج مزعج ومحزن ومليء بعلامات الإرهاق والتعب والألم والحزن؛ فالشكل العام للخريطة العربية يصُد ولا يشد، ويُقلق ولا يُطمئن على حاضر الأمة، فضلًا عن مستقبلها.

فأجزاء كثيرة من سطح تلك الخريطة العربية يُغطيها خليط من بقع دم، وبقع نفط، وبحار من العرق والدموع.

ويمكن كذلك الاستماع بسهولة من أجواء الخريطة العربية من المحيط الى الخليج إلى أصوات وصرخات وآهات وأنات بشر على امتداد خريطة الأمة العربية الواحدة!

ومن يُريد التأكُد مما أقول فعليه فقط أن ينظر إلى المعارك الدائرة، والدماء السائلة، والصرخات المنطلقة من الحناجر في كُلٍّ من سوريا واليمن فقط ليعرف ويتأكد.

وإذا أردت أن أجرب حظى اليوم وأقوم بعملية قراءة سريعة لخريطة العرب في نهاية عام 2018 وقبل بداية عام 2019 أقول:

  • إذا ما مشينا على خريطة العالم العربي من مشرقه إلى مغربه إقليمًا بعد إقليم، ووطنًا بعد وطن، وبلدًا بعد بلد، فإن الخريطة لا تعكس لسوء الحظ أي بشارة تقدم، أو بادرة توحد، أو على أقل القليل الاتفاق على مرجعية موحدة تعود لها
    القبائل والمدن العربية الشاردة لحظة اختلافها! ولذلك أسباب عديدة وتاريخ طويل من المؤامرات الخسيسة والصراعات الدنيئة.

  • إن المُلاحظ أن جميع الدول العربية من المشرق إلى المغرب تعيش أزمات عنيفة وحادة (سياسية، واقتصادية، واجتماعية، بل نفسية).

ولعل حال العالم ألعربي اليوم ينطبق عليه رد (رئيس وزراء مصر الأسبق) سعد باشا زغلول على عبد الرحمن باشا عزام (أول أمين لجامعة الدول العربية)، الذى ذهب إلى سعد زغلول يقترح عليه الاستعانة ببقية الدول العربية في مفاوضاته مع المُحتل الإنجليزي.

فكان رد سعد زغلول: صفر + صفر يساوى كم يا عزام؟!

  • وعلى الخريطة العربية كذلك يستطيع أي ناظر أن يرى أن العالم العربي اليوم أصبح رجل الشرق المريض بمقدار ما كانت الخلافة العثمانية رجل أوروبا المريض قبل قرنين من الزمن!
  • وكما حدث مع الخلافة العثمانية، فإن هناك قوى تريد أن ترث رجل الشرق المريض، وبين
    هذه القوى ما هو عالمي، وما هو محلى يتصور أنه يقدر على النجاة من السقوط العربي، ويرث البقايا الباقية بذريعة النسب أو بشريعة الأُخوة!
  • وذلك خطأ كبير في التصورات قبل الحسابات؛ وذلك لأن القوة الدولية التي تستطيع أن ترث هي الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن أن تشاركها روسيا الاتحادية إذا استطاعت الحفاظ على قوتها الدافعة دون تقهقُر.
  • وكما أن القوة الإقليمية التي تستطيع أن ترث أو على الأقل تملأ الفراغ على طول الخريطة وعرضها بعد كُلٍّ من النسر الأمريكي والدب الروسي! هي للأسف الشديد إسرائيل، وقد يشاركها بنصيب إيران وتركيا وغير ذلك سراب يحسبه الظمآن ماءً!
  • وعلى الخريطة العربية أيضًا يبدو العرب معرضون لحالة اختراق عميق طالت كل ركن فيه، وعرضت أدق خصائصه وخصوصياته لانكشاف وصل أحيانًا إلى درجة الانتهاك.

ولعل إلقاء نظرة على ما حدث لمصر بعد عام 1975 يكون مثالًا لما جرى للوطن العربي بأكمله، ولحسن الحظ أن هناك دراسة لجامعة ستانفورد بعنوان (الوجه الآخر لمصر) من تأليف مجموعة من الباحثين، تُظهر بوضوح ذلك الاختراق الذي قامت به القوى الكبرى، لتشريح العقل والقلب المصري.

وفي الدراسة نجد الباحثين الأمريكان قرروا أخذ عينة من آراء المواطنين في عدد من محافظات مصر، وبدأوا بقرية من قُرى محافظة القليوبية وهي كفر شكر. وتبدأ الباحثة بالحديث عن القرية وتاريخها، ثم تورد ملاحظة أن تلك البلدة هي بلد أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين، وهو خالد محيى الدين، الشيوعي الذى اختلف مع ناصر، ولكنه لم ينقلب عليه. ثم تلتقي الباحثة بإحدى الفلاحات، ويدور الحوار التالي، أو لنقل التحقيق التالي:

  • «ما اسمك؟ مسعدة (تورد الباحثة ملاحظة بأن ذلك الاسم، وهو مُشتق من السعد، شائع إطلاقه بين الفلاحين).
  • ما عمرك يا مسعدة؟ 20 عامًا (تورد الباحثة ملاحظة بأن تلك الفتاه حتمًا تكذب؛ لأن عمرها الحقيقي لا يزيد بأية حال من
    الأحوال عن 14 عامًا، وذلك أمر طبيعي في الفلاحين؛ لأن الأهالي يقومون باستخراج شهادات تسنين لبناتهن، يُزيدون فيها من أعمارهن كي يزوجوهن مبكرًا حسب الشرع! (علامة التعجب في أصل البحث).
  • هل أنت متزوجة يا مسعدة؟ نعم (تورد الباحثة ملاحظة بأن ذلك السؤال منها يبدو سؤالًا غبيًا؛ لأن مسعدة معها طفلان،
    أحدهما تُمسك يده الصغيرة، وآخر على كتفها، بالإضافة إلى أنها حامل، ولا أحد يعلم هل هي حامل في طفل أم اثنين!
  • هل تُحبين زوجك يا مسعدة؟ يعنى إيه بحب زوجي، هو زوجي وخلاص (تورد الباحثة ملاحظة بأن معنى كلمة الحب مفقودة خارج نطاق العاصمة القاهرة والمحافظات السواحلية المتعلمة).
  • أقصد هل تزوجتى عن حُب يا مسعدة؟ مفيش حاجه عندنا اسمها حب قبل الزواج، ده عيب وحرام. (تورد الباحثة ملاحظة بالإضافة إلى أن الفلاحين لا يعرفون معنى الحب، فإنهم يخلطون بين الحب بوصفه تلاقي مشاعر، والجنس بوصفه تلاقي أعضاء!).
  • كم مرة في الأسبوع تمارسين الجنس مع زوجك يا مسعدة؟! تورد الباحثة أن مسعدة ظهرت عليها ابتسامة خجل، قبل أن تقول لها في فزع (احنا مبنتكلمش في الحاجات ديه.. عيب.. عيب. (تورد الباحثة ملاحظة بأن مسعدة ككل المصريين لديهم محرمات ممنوع الكلام عنها في العلن، وهي: الدين، والجنس، والسياسة، ، في حين أنهم لا يتحدثون إلا فيها سرًا، وبالأخص الجنس، إنه الشيء السحري في حياة المصريين).

تُلح الباحثة عليها في ذلك السؤال حتى تُجيب مسعدة! ثم تعاود الباحثة سؤال مسعدة:

  • ما هي الأوضاع الجنسية المحببة لديكم أنت وزوجك؟!

ترفض مسعدة الإجابة عن السؤال في البداية، وبمزيد من الالحاح تُجيب. (وتورد الباحثة ملاحظة تقول فيها إن المصريين جهلة بالجنس، وهم لا ينظرون له على أنه فن وعلم، بل يمارسونه من أجل استمتاع أقل، وإنجاب أكثر).

  • ماذا تفعلون بعد انتهاء العملية الجنسية بينكم مباشرة؟! بنوع من التردد تُجيب مسعدة (زوجي بيشرب سيجارة وبعمله
    كوب شاي). (تورد الباحثة ملاحظة أن السجائر والشاي هما من أهم متع الرجال في مصر، بالإضافة للمخدرات والجنس).
  • كم ملعقة سكر تضعونها في الشاي؟ من ثلاث إلى ست.
  • ما رأيك يا مسعدة في الحكومة المصرية الحالية؟ مسعدة – إحنا مبنتكلمش في السياسة، ولا بنعرف فيها. (تورد الباحثة
    ملاحظة بأن المصريين يخافون الكلام في السياسة علنًا لخطورتها).
  • ما رأيك في جمال عبد الناصر؟ تترد في الاجابة ثم تقول (أبويا قال لي إننا كنا موش لاقين نأكل، لحد ما جه الريس جمال، وهو إللى أنصفنا ووزع الأرض على الفلاحين، وأبويا معلق صورته لحد النهارده في بيتنا). (تورد الباحثة ملاحظة أن المصريين لا زالوا يقولون عن ناصر الريس، وتضيف أنه رغم الحملة الشرسة من النظام الحالي (السادات) على عبد الناصر، إلا أن جمال عبد الناصر لا زال محبوبًا من القطاعات الفقيرة والمهمشة في المجتمع المصري، وأن صورته الذهنية
    في العقل الجمعي المصري ناصعة البياض، وذلك أمر غريب وعجيب ومحير).
  • ما رأيك يا مسعدة في الرئيس السادات؟ (موش فاهمة).
  • أقصد بتحبي الرئيس السادات؟ أبويا بيقول: إن اللي جابه الريس جمال. (تورد الباحثة ملاحظة أن الكثير من المصريين
    لا زالوا ينظرون للسادات على أنه خليفة ناصر)».

ثم تمضى بقية الأسئلة في البحث والاستبيان على هذا المنوال ما بين الدين والجنس والسياسة، والحديث لا ينقطع عن السجائر والشاي والسكر وإنجاب الأطفال وأهم المأكولات، ومن الواضح أننا لسنا أمام بحث اجتماعي، بل نحن أمام عملية تشريح للمجتمع المصري بأدق تفاصيله وأبرز خصائصه. ولعل ذلك التشريح طال كل بقعة على خريطة الوطن العربي، وذلك ما نلمسه في واقعنا الثقافي العربي تحديدًا.

كيف تحول العرب من حالة العداء القوى للغزل الصريح؟!

ومن يريد أن يفهم نتيجة وانعكاسات ذلك عليه أن ينظر لعملية التطبيع العلنية بين أغلبية البلدان العربية (الخليج تحديدًا) وبين إسرائيل اليوم، ولكى نفهم ما الذى تغير علينا أن نُلقي نظرة على ذلك الموضوع في الماضي القريب.

  • ففي الماضي كانت إسرائيل منبوذة كما تقول جولدا مائير: كنت أذهب إلى الأمم المتحدة، لم يكن أحد على استعداد للجلوس معي أمام عدة أشخاص، لقد كانت دولة اسرائيل وقتها كابن سفاح، لم يكن أحد على استعداد للحديث معه علانيةً.
  • وعندما جلس بن جوريون مع شركائه في عدوان السويس 1956 (بريطانيا وفرنسا) خرج بعد الاجتماع معهم في سيفر ليقول لمخزن أسراره شيمون بيريز: إنهم يريدون أن يعاملونا كالنبلاء الذين يمارسون غرامهم مع الوصيفات في المطبخ، دون أن يسمحوا لهن بالدخول إلى غرف النوم!
  • حتى عندما أقامت إسرائيل علاقات مع نظام الشاه في إيران وذهب رئيس الموساد الإسرائيلي وقتها مائير أميت يطلب من إيران الإعلان عن تلك العلاقات، وأن تظهر إلى النور جاءه الرد الإيراني: وما الذى يضايقكم في هذا يا سيدى الجنرال؟ أليس صحيحًا أن العشق ألذ من الزواج؟
  • وعلى الجانب العربي اشتركت إسرائيل مع كل من إيران والأردن والسعودية في مد المرتزقة بالأسلحة، وهم الذين استقدمتهم السعودية للحرب ضد القوات المصرية التي جاءت لمساندة الثورة اليمنية في ستينات القرن الماضي، وكان شرطهم جميعًا كما قال عضو مجلس العموم البريطاني وقتها ومنسق تلك العملية جوليان إيمري الحفاظ على سرية العلاقات.
  • وعلى الرغم مما واجهه العرب من صدمة نكسة يونيو (حزيران) 1967، إلا أنهم ملكوا إراداتهم واستجمعوا قوتهم وقالوا إنهم مصممين على استعادة حقوقهم، وتُرجم ذلك في مؤتمر القمة العربي بلاءات الخرطوم الثلاث: لا صُلح، لا تفاوض، لا اعتراف.
  • ولكن جدار الرفض تصدع عندما خرجت أكبر الدول العربية مصر عن الإجماع الذي قامت هي ببنائه وقيادته عندما قامت بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، ومن بين بنوده تبادل السفارات والتطبيع العلني.
  • وتبعها الأردن، وهرول وراءهما الفلسطينيون في مشهد يُدمي القلب ويجرح الفؤاد، وللتسجيل فإن ياسر عرفات في محاولاته للحصول على الرضاء الأمريكي بأي شكل، وبأي تنازلات، فإنه وافق على شروط وزير الخارجية الأمريكية الأسبق جورج شولتز في عهد الرئيس رونالد ريجان، والتي وضعها بنفسه، وكان أهم ما فيها:

الموافقة على التفاوض مع اسرائيل، وأن المنظمة تتعهد أن تعيش في سلام مع إسرائيل، وأن تحترم حقها في العيش بسلام، وأن المنظمة تُدين جميع أعمال العنف الفردي والجماعي.

وفى جنيف يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) 1988 ألقى عرفات خطابًا ضمنه الشروط الأمريكية الإسرائيلية، ولكن الجلاد شولتز أراد أن يذل الضحية عرفات، فاعتبر أن الصيغة طارت بعض حروفها، وقال للرئيس ريجان على الهاتف:

إن عرفات في ندائه للولايات المتحدة الأمريكية لم يقُل (أنكل uncle) كاملة، وإنما قال الحروف الأولى منها، وعليه أن يكمل بقية الحروف ويذكر النداء إلى العم الأمريكي كاملًا (توبةً وتضرعًا).

وقد كان؛ فقد عقد عرفات مؤتمرًا صحافيًا في اليوم التالي أكمل فيه ما اعتبره شولتز ناقصًا من كلمته بالأمس. واعتبر شولتز أنه حصل على انتصار باهر، ونقل في مذكراته تعليقًا لجريدة «النيويورك تايمز» قالت فيه:

إن اللاءات الثلاث الشهيرة في مؤتمر الخرطوم سنة 1967 تحولت في جنيف مع عرفات لتصبح نعم، ثلاث مرات أيضًا.

أي أن الضحية وافق على شروط الجلاد، وانهار الجدار تمامًا بتوقيع عرفات النهائي في أسلو، وهو يلتقط الصور مُبتسمًا مُنتشيًا مع حمامتي السلام شيمون بيريز واسحاق رابين في حضور الملاك بيل كلينتون والكل صحبة في واشنطن!

(2)

إن العالم مسرح يا جرتشيانوا، ولكل أمرئ دور على خشبته، ولكن دوري يا جرتشيانوا، دور حزين. مسرحية تاجر البندقية. * وليام شكسبير.

وإذا نظرنا إلى الأقاليم العربية سنجد أن وادى النيل (مصر والسودان):

يعيش أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، يرزح تحتها المواطن العربي في كلا البلدين. والنظامين (المصري، والسوداني) لم يستطيعا التعامل معها إلا بالحلول الجاهزة من صندوق النقد الدولي! ثم إنهما غير مُتحدين في الرؤى، وكليهما يحكمهما مُشير: عبد الفتاح السيسي في مصر، وعمر حسن البشير في السودان!). وكليهما يراهن على المجهول بالاستمرار في الحكم. فإما أن ينجحا، أو تتم إزاحتهما بالثورة عليهما كسابقيهم! (مبارك، مرسى) في مصر و( جعفر النميري) في السودان.

وأما الشام التاريخي وسوريا في القلب منه:

فمشاكله لها أول، وليس لها آخر، واستجد عليها مأساة الحرب في سوريا التي دخلت على خطها دول وجنسيات من كل جنس ولون ونوع! ومن يظن بعد تغير الأوضاع العسكرية الأخيرة أن الحرب انتهت، أراه مبالغًا؛ لأن ما يُحضر اليوم لسوريا اليوم حرب أخرى على الجانب الاقتصادي في ما يتعلق بعملية إعادة اعمار سوريا (وذلك موضوع له تفاصيله).

وتلك المأساة قد حولت لون المنطقة إلى بقعة دم كبيرة يزداد حجمها واتساعها كلما طال أمد الصراع فيها.

وهناك العراق واليمن:

فالعراق

قد أضاعه العرب من بين صفوفه حين تأمر عليه من تأمر، وسهل عزوه من سهل، وفتح حدوده (للأجنبي لكي تمر منها الدبابات الأمريكية والبريطانية لتحتل عاصمة الرشيد وحاضرة الخلافة العباسية) من فتح.

ثم تغلغل إيران إلى الساحة العراقية، وذلك أمر طبيعي؛ لأن المناطق الفارغة تنادى من يستطيع ملئها، وذلك حتمًا يقلق المحيط الخليجي القلق أساسًا من كل ما يجرى حوله.

وأغلب الظن أن العرب سيرددون لفترة طويلة ما قالته أم عبد الله آخر ملوك الأندلس حينما رأته يبكى ضياع ملكه فقالت له: ابك كالنساء على مُلك لم تستطيع المحافظة عليه كالرجال.

وأما اليمن:

فلم يعُد سعيدًا بكل أسف منذ فترة طويلة؛ لأسباب كثيرة منها ما هو تاريخي، ومنها ما هو جغرافي، ومنها ما هو اجتماعي، بل ومنها ما هو نفسي!

ونحن نراه اليوم يُدمَر ليعود من جديد على حسب تصريح لأحد قادة عاصفة الحزم:

سنعيد الحوثيين واليمن كله إذا اقتضى الأمر إلى العصر الحجري إن لم يرضخوا لمطالبنا ويقبلوا بشروطنا.

ونأتي لدول الخليج العربي:

فذلك الخليج اليوم أصبح يعيش في حماية الأجنبي (أمريكي، إنجليزي، بل أصبح ينسق في ذلك الأمر اليوم مع الإسرائيلي أيضًا) من أجل درء أخطار الأقارب والأباعد! (من وجهة نظرهم!).

  • والشاهد أن القواعد الأمريكية والبريطانية.
    والتركية أخيرًا منتشرة في أغلب دول مجلس التعاون الخليجي الخليج.
  • ثم إن ذلك المجلس قد انقسم على نفسه وأصابه التصدع وأصبح على وشك الانكسار بعد إجراءات الحصار التي اتخذتها السعودية، والامارات، والبحرين، ومن الخارج مصر ضد قطر، بينما وقفت كُلٍّ من الكويت وسلطنة عمان في موقف أقرب لقطر.
  • ثم إن تلك الدول بعضها سيواجه في القريب العاجل أزمة خلافة (السعودية، عُمان)، وتلك معضلة أكثر مما هي مشكلة لأن انتقال المُلك يعنى انتقال الثروة، وذلك يُسبب تقلصات داخلية، ويخلق حالة صراع تبدو مكتومة أحيان وعلنية في أحيان
    أخرى.
  • ودول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية تشعر بحالق قلق تثير أعصابها إلى درجة الفزع من السياسة الإيرانية في المنطقة، وتتهم الرياض طهران بأنها تتدخل في شئون العديد من الدول العربية مثل سوريا، العراق، ولبنان، والبحرين وغيرها.

وذلك لرسم الهلال الشيعي في المنطقة، وقد تحول الأمر إلى صراع علني تقوده السعودية في مواجهة إيران في كلٍّ من البحرين، واليمن، ولبنان، العراق، وسوريا.

ولكن دول الخليج وعلى رأسها السعودية تنسى أو لعلها تتناسى مثلًا:

  • أنها هي من سهلت لإيران تغلغلها في العراق مثلًا، حينما ساهمت هي وغيرها من جيرانها في إسقاط نظام صدام (رغم كل مساوئه) وذلك بفتح حدودها أمام قوى الغزو الأجنبي!
  • وأخيرًا فإن دول الخليج تواجه مشكلة في فهم وإعادة تموضع سياساتها من جديد مع التغيرات التي تشهدها الساحة الدولية من تعاظم دور روسيا الاتحادية في منطقة الشرق الوسط.

وهنا يثور تساؤل:

هل يمكن أن تكون الجامعة العربية هي الجسر الذى يعبر عليه العرب من الظُلامات إلى النور؟!

الواضح لنا أننا لا نستطيع القول بذلك عن رضا وقناعة لأن أوضاع جامعة الدول العربية كما هي أمامنا الآن صورة حية للعجز، أو هي العجز ذاته بغير حاجة إلى صورة!

وهناك اعتقاد شائع يُلقى اللوم كله في هذا العجز على الجامعة نفسها، أو بمعنى أدق على الأمانة العامة للجامعة، وذلك في ظني ليس دقيقًا كل الدقة إلى جانب أنه مبالغة في تبسيط الأمور!

إن جامعة الدول العربية، أو الأمانة العامة للجامعة، تتحمل بغير شك جزءً من المسئولية، ولكنه من الإنصاف أن نقول إن المسئولية الأكبر بعيدة عنها وهى من صنع غيرها.

إن الجامعة العربية تسير على أسلوبين وضعهما أول أمينان للجامعة العربية أولهم عبد الرحمن عزام، والثاني عبد الخالق حسونة.

كلاهما مصري، وكلاهما جددت مدة خدمته مرة ثانية ولقد كان كل منهما مختلفًا عن الآخر كل الاختلاف، ومع ذلك كان عجز الجامعة العربية في عهد كل منهما واحدًا، و(كان نفس العجز لمن خلفهما حتى يومنا هذا)!

وكان عبد الرحمن عزام ببراعة السياسي يدافع عن نفسه فيقول:

ماذا تريدون مني؟
إن الجامعة العربية ليست غير مرآة تُطل فيها الدول العربية لترى نفسها.
هل تريدون أن تُطلوا في المرآة فتجدون إنجلترا أو ألمانيا؟
أبدًا.. سوف تجدون اليمن وتونس إلى آخره!
هل تتصورون أن تظهر أمامكم في المرآة صورة تشرشل أو بسمارك؟
أبدًا.. سوف تظهر أمامكم صورة الإمام أحمد والحبيب بورقيبة والملك سعود!

وأما عبد الخالق حسونة فقد كان دفاعه عن نفسه برقة الدبلوماسي لا يزيد عن قوله:

ماذا أفعل.. ماذا أقول؟! ثم يلتزم الصمت لا يفعل بعدها ولا يقول!

أي أن الجامعة تُدار من يومها وإلى الآن إما بمنطق:

  • هذه هي صورتكم في المرآة انظروا ستجدون: السيسي في مصر والسبسي في تونس وسلمان وولده محمد في السعودية، وعبد الله، في الأردن، وبشار في سوريا، وتميم في قطر وأبناء زايد في الإمارات وهادى في اليمن!
  • أو بمنطق الصمت الذى يطلق إشارة يفهمها لبيب!

(3)

إن ما يحدُث اليوم هو إرغام الأمة على الركوع فكرًا، بعد أن جرى إرغامها على القعود عملًا، وهذه حالة يصعُب قبولها. محمد حسنين هيكل.

وبعد يكون السؤال:

أين ستكون الأمة العربية وسط تلك الصراعات والمآسي في العام الجديد؟

أين الأمة العربية في ذلك كله: موقعها؟ حركتها؟ دورها؟ ومستقبلها؟

إن عناصر الحقيقة في وجود أمة عربية واحدة هي:

موارد بشرية – ثروات طبيعية – وموقع جغرافي – وإطار قومي واحد يجمع ويربط.

وعندما افترقت عناصر الحقيقة لدى الأمة، وتنازعت وتباعدت وتخاصمت وتحاربت، فأن عوامل القوة تحولت إلى أسباب ضعف.

فالتجربة العملية أثبتت أن:

الموارد البشرية وحدها: عبء على أصحابها.

والثروات الطبيعية وحدها: مطمع لآخرين أقوى.

والموقع الجغرافي وحده: استباحة لراغبين في السيطرة ولديهم وسائلها.

والفكرة القومية وحدها: عجز؛ لأن أي فكرة مجرد فيلسوف تائه كالمجاذيب، في حين أنها مع بقية العوامل نبي مقاتل!

وهكذا أصيبت الآمة بحالة من العُرى الكامل حولتها إلى أشلاء متناثرة:

مدن وقبائل – حقول بترول وأطلال مدن – صحارى ووديان – أغنياء وفقراء – جيوش مسلحة وجماهير عزلاء – قصور وقبور – دول يسر ودول عسر – دول فائض مالي ودول فائض سكاني – إلى آخر ما تحفل به الكتابات المعاصرة من تعبيرات.

وبعد كل ذلك إلى أين الطريق والمفر؟

من حُسن الحظ أن هموم الأمة ما زالت تُلح على كثيرين من مفكريها، وتدفعهم إلى تصورات، أو سيناريوهات تتراوح بين التشاؤم والتفاؤل. وعلى سبيل المثال: إن التشاؤم يبلغ مداه لدى مفكر عربي مثل الدكتور أنطوان زحلان فهو يقول:

لا يستطيع أحد أن يطير إذا لم يكن في استطاعته أن يمشى، والعالم العربي تخلف عن المشي مع العالم عندما عجز في مجال التكنولوجيا، وحين ترك أفضل عقوله تهاجر منه، لقد فاتتنا الفرصة وتخلفنا. وعلى أي حال فإننا لسنا أول أمة تراجعت وتخلفت، ثم اختفت وبادت.

وهناك سيناريو ثان أقل تشاؤمًا وإن لم يكن اكثر سعادة، والذى يطرحه هو الدكتور إبراهيم أبو اللغد ورأيه:

إن الأمة العربية ليس أمامها سيناريو واحد، وإنما اثنان:

  • أولهما السيناريو الأفريقي:

وبمقتضاه فإن العالم العربي سوف يقتفى أثر أفريقيا إلى عوالم من الظلام والنسيان، تشتعل فيها التناقضات الطائفية والعنصرية والقبلية وستتزايد تلك التناقضات حتى نصل إلى درجة الحرب الأهلية، وربما إلى سقوط فكرة الأمة والدولة.
ثم يحل الفقر إلى درجة المجاعة وبقية العالم لن يستطيع أن يفعل شيئًا، فلا يستطيع العالم أن يهتم بطرف أكثر مما يهتم هذا الطرف بنفسه. والذى يهم العالم من أرض العرب هو بترولها، فإذا أمكن عزله عن الكثافة السكانية العربية تحقق الهدف.

  • والسيناريو الثاني هو السيناريو اللاتيني:

وبمقتضاه فإن العالم العربي سوف يقتفى أثر أمريكا اللاتينية وتنتهى مقاديره إلى جماعات مصالح Oligarchies مالية وعسكرية وبيروقراطية تحكم جموع الفقراء فيه بالقوة والقمع، وتحصل لنفسها على أكبر نصيب من الثروة متحالفة ومحتمية بمصالح عالمية.

ويأتي بعد ذلك سيناريو آخر أقرب إلى التفاؤل، والداعي له هو الأمير الحسن بن طلال.

  • وفى هذا السيناريو:

يعترض الحسن على ما يسميه سياسات اليأس التي أصبحت تسيطر على الأمة العربية.

ثم يتصور نظامًا عربيًا يمزج بين إزالة التوتر في العالم العربي سياسيًا، ثم تنمية مشتركة تتعاون فيها إمكانيات العرب المادية والبشرية طبقًا لخطة تنمية إقليمية، ويكون من شأن هذه الخطة أن تساعد على تحقيق نوع من الرخاء تتأكد فيه حقوق الإنسان.

وأخيرًا:

فإني أعتقد أن عام 2018 كان بمثابة اعداد الرواية التي ستُعرض في عام 2019 على المسرح مثل تجهيز السيناريو والحوار، واختيار الممثلين واعداد المسرح نفسه مثل رسم الخلفية وتجهيز الأرضية وتأليف الموسيقى التصويرية التي سيقف الأبطال والممثلون الصغار والكومبارس عليها ليؤدون مشاهدهم المحفوظة سلفًا، من سيناريو مُعد سلفًا، ولكني أستطيع القول الآن وفي بداية العام الجديد وقبل أن يُرفع الستار عن الرواية بأننا سنكون أمام مسرحية تجرى فيها أحداث ومشاهد مزيج من الكوميديا والدراما، وكثير من مشاهدها سيثير الضحك، والبعض الآخر من المشاهد سيستدر الدموع، لكن وراء ديكور الكوميديا الباسمة الضاحكة أو الدراما العابثة الباكية ستكون المأساة عنيفة على المسرح الخلفي للأحداث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد