إن أشد ما يقلق الطغاة ويؤرق مضاجعهم هو ذلك اليوم الذي يرتفع مستوي الوعي بين الناس إلى ذروة سنامه، وينكسر فيه حاجز الخوف المنيع، ويستوي عند الناس الموت والحياة بعد أن لا يكون بحوزتهم شيء يخسرونه أو يخافون على فقدانه، أو يخشون تركه؛ فينهمرون كالسيل الجارف، وينفجرون كالبركان الثائر، ويزحفون في الأرض فيأكلون الأخضر واليابس، ويعلو الغضب في صدور الجماهير فيتحركون بعنف ويصبون جام غضبهم على أدوات النظام المتمثلة في جلاديه وبصاصيه، الذين طالما ساموا الخلق سوء العذاب، وظنوا أنهم مانعتهم أسواطهم من دون الناس، والتي ظنوا أنهم طالما يمسكونها في إياديهم فإنهم في أمان، ولم يحسبوا حسابًا لذلك اليوم، ولكنه جاء رغمًا عن أنوفهم.

إن الطاغية يسلط الله عليه عقله السقيم، وخياله المريض، وأمله الفاني في أن يظل المعبود، وما هو إلا جسد بالٍ فوق عرش واهٍ، يظل طيلة حياته يرممه بجماجم الثائرين والمصلحين، وما زال يحدوه الأمل في أن يبقى إلى أن يوافي جميع الناس الأجل، ويظل هو الخالد الذي لا قبله ولا بعده، ولو أنها دامت لغيره ما دانت إليه.

إن الثورة الحبيسة في الصدور الناقمة على تلك الأنظمة العربية البائدة تعتلج وتتحرك وتعلو وتدنو مثل النار التي تحت الرماد، وما هي إلا شرارة واحدة تنفجر وتجد لها أصداء في أنحاء العالم الإسلامي الذي سيطر عليه الغرب الصليبي وعاث فيه الفساد، فخسر العالم بانحطاط المسلمين أهم رافد فكري من روافد الحضارة الإنسانية التي بناها رسول الإنسانية – صلى الله عليه وسلم – بيديه الشريفتين.

وخسرت الدنيا أهم حلقة من حلقات التاريخ الإنساني حيث النهضة التي انبنت على العقيدة الصفوة، والأخلاق السامية، والعلم النافع.

إن الموجة القادمة من الربيع العربي سوف تندلع من أجل الإنسانية المعذبة التي قتلتها المادية، وأمعنت في إذلالها العولمة، وظلمتها الإمبريالية المتوحشة، سوف تقوم من أجل أن تنهض بروح الإنسان وتهبه الحرية، وتمنع عنه الفوضى، وترده إلى الفطرة السليمة السجية التي خُلق عليها الإنسان.

إن الذي يقف في وجه الثورات العربية خليط من عدة مكونات اجتمعت لأجل هدف واحد، هو عدم نيل الشعوب حريتها في اختيار من يعبر عن هويتها وعقيدتها وآمالها وطموحاتها، وما تصبو إليه، وتحلم به، وترنو له.

إن هذه المكونات التي تريد حصد رؤوس الدعاة والمصلحين والثوار في العالم الإسلامي، ما هم إلا قوى الشر التي سيطرت على السلطة والمال والقرار والفكر في العالم أجمع في القرنين المنصرمين، وخروج الناس على مجموعة الأنظمة المترهلة في عالمنا الحزين لهو بعث جديد وقيامة لأمة طالما أغرقها الاحتلال في بحور الجاهلية والظلام.

إن العرب جميعًا في انتظار تلك الليلة التي تثور فيها الجماهير العريضة مطالبة بإسقاط النظام السياسي الفاشي الذي أرهب الناس وجوَّعهم وخوَّفهم، وحصر تفكيرهم وآمالهم وأحلامهم في الحصول على كسرة خبز يسدون بها رمقهم، وبقعة ضوء آمنة يحسون فيها بالأمان.

إن الإعلام الذي زيف الوعي، واستخف بعقول الشعوب، وردد الأراجيف والأكاذيب التي صنعت في أقبية المخابرات، حتي صدقها الناس وصدقها الثوار وتماهوا معها لن يستطيعوا أن يخدعوا الخلق مرة أخرى، ولن يستطيعوا تخدير وعي الناس وأن يُفهموهم أن الثورة بلا قائد – وتبًّا لثورة بلا قائد – فالجماهير الغفيرة التي تحركت في بادئ الأمر للمطالبة بتحسين ظروف العبودية، وتخفيف القبضة الأمنية، والحد من البطش والقهر نوعًا ما تطورت مع بروز ذلك التنظيم الإسلامي لقيادة الشارع، وحثه على أن يعلو في مطالبه إلى درجة إسقاط رأس النظام، ولكن للأسف فإن قوى المعارضة التي في الشارع ما هي إلا جزء من النظام، وكانت تسيطر عليها القوى الأمنية وأجهزة المخابرات، ولديها معها الكثير من التفاهمات، بل لها من يمثلها بداخل هذه الكيانات.

الآن لا بد للجماهير أن تثور على كل الذين خذلوها وخانوها، وأن تستعيد مجدها من جديد لكي تبني حلقة حضارية حديثة تعبر عن الإنسان المسلم والعربي المعاصر بقيم عقدية إسلامية، وبنظرة حداثية وأخلاقية كما فعلت في صدر الإسلام وما بعده، وحتى أفول نجم دولة آل عثمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد