المستر «دونالد ترامب» حلس من أحلاس الكاميرات والأضواء، يحب الخطب والاستعراضات المجنونة ويجد فيها لذة ورضا، يفغر فمه ويكشر الأنياب، تتمعر ملامحه وتضيق حدقتاه بشكل يمزج بين العته والخبث معًا، ويجمع بين الوقاحة وطبع السفيه، هل صافحته مرة؟ لقاء الأيدي المتصلبة، ولا عزاء «لمركل» فقدماء المحاربين لا يصافحون النساء،ربما كان يفضل مصافحة هتلر أو موسوليني.

ويحكى أن رئيس دولة من الدول نحيل اليد هزيل البدن صرح لبعض معاونيه أن مصافحة «ترامب» تشكل له أرقًا حقيقيًا، وقد تسبب هذا الوضع في تأجيل زيارته للولايات المتحدة مرارًا، وبدأ يفكر جديًا أن يصطحب معه نائبًا وثيق التركيب متين البنية ينوب عنه في مصافحة «ترامب» في زيارته المقبلة، حتى لا يحدث معه ما حدث مع «شينزو آبي» رئيس وزراء اليابان،كم كان خلوقًا ودبلوماسيًا «شينزو» ويده تسحق أمام العدسات.

 تسريحة شعره الأصفر الفاقع، ثالثة الأثافي، تستدعي إلى الذاكرة أفلام رعاة البقر الذين يمتشق أحدهم مسدسًا ويمتهن الرقاعة والعربدة في حواري «تكساس»،ولكنته وحركاته التي يروم أن تضفي عليه شيئًا من مهابة القادة وشخصية الزعماء الأفذاذ فتأبى له إلا صورة الذيل،وأي ذيل.

 لقد كان هتلر يتدرب على إلقاء خطبه أمام المرآة، وبرع في التحكم في نبرة صوته علوًا وخفضًا، في حركات يده الغاضبة، في ارتعاشات أصابعه وتقاسيم وجهه المكفهر، في التواء حاجبيه وتصلب قبضتيه وانقباضهما إلى صدره، لقد كان يواظب على جلسات التصوير يجرب فيها أنواعًا مختلفة من الأوضاع، وبذلك أسر الألمان،الطغاة لا يعرفون العفوية، والشعوب تصدق الممثلين.

فقدان الكفاءة

«ترامب» على التلفاز والجماهير من حوله، «ترامب» وصوره المتجهمة تطالعك على صفحات الجرائد، «ترامب» ولعناته التي تتطاير من شفتيه كحمم النار، ليس هو «ترامب» بومة البيت الأبيض العاجز عن قيادة الأزمات والنزاعات السياسية والعسكرية التي تعصف بالإدارة الأمريكية في عهده. فلسان «ترامب» هو ثلث «ترامب»، إن لم يزد فلا ينقص. وهذا مبلغ مصيبة أمريكا في.. في ذيلها.

«ترامب» لا يملك أي ماض سياسي، ولا يتمتع بخبرة سابقة بشؤون الأمن القومي ولا قدرة على إدارة بلاد في حجم الولايات المتحدة، وما فتئ يبرهن كل يوم على خطيئة الديمقراطية مع التاريخ وخطيئتها مع رعاة البقر.

وإن كان من شيء يحسب له في حياته السياسية القصيرة فهو تبرعه بمليون دولار لضحايا إعصار «هارفي»، الأمر الذي لم يفعله كثير من أثرياء المسلمين تجاه ضعفاء «الروهينجا» للأسف، وإن كان الأمر لا يخلو من متاجرة سياسية سيجني من ورائها أضعاف ما دفع، نعم هو تاجر نابغة لا يلحق، لكنه في السياسة طبل أجوف ما انفك يخبط فيها خبط عشواء.

فمنذ توليه سدة الحكم في البيت الأبيض والإدارة الأمريكية تعيش على إيقاع من الفوضى والاضطراب، إقالات واستقالات متلاحقة هنا، قرارات فجائية غير محسوبة هناك، تصريحات متضاربة على مستويات عليا، اتهامات بالتجسس وتنامي العنصرية، موقفه من المرأة وسياسة تقييد الهجرة، قرار منع التأشيرة على مواطنين من بلدان إسلامية وسياسات اقتصادية حمائية، كل ذلك تحت حكم رئيس غير متوقع بالمرة، يشك الكثيرون في قدرته على ملئ مكانه، وكفائته في إدارة شؤون الدولة منذ الوهلة الأولى.

لقد انقلبت السياسة الخارجية رأسًا على عقب، من رئيس أفرط في المهادنة والسلم إلى آخر ثيابه تقطر بالفاشية، لا يرى غير الحرب والعنف والكراهية وسيلة لتحقيق سياساته.

كان لابد من الموازنة بين الجنون والعقل داخل الإدارة الأمريكية، بين الحصافة والنزق، بين الجموح والمسؤولية، وإلا فإن الأمور ستزداد انفلاتًا واضطرابًا لا مساك بعده، ويبدو أن أحدهم أقنع «ترامب» بأن عليه أن يستعين بثلاثة رجال لا غنى له عن خدماتهم إذا أراد أن يستمر في الحكم، كلهم عسكريون وكلهم على خلاف معه وكلهم كانوا خارج الخدمة.

هؤلاء الثلاثة هم من يمسك بتلابيب السياسة الخارجية الأمريكية الآن، ويتولون إدارة الأزمات في الملفات الساخنة بما فيها الأزمة الكورية والتواجد العسكري في أفغانستان والملف النووي الإيراني والنزاع في الشرق الأوسط، وهم من بيدهم قرار الحرب والسلم، وتواجدهم في إدارة ترامب بحد ذاته طمأنة لحلفاء أمريكا، خاصة كوريا الجنوبية واليابان الذين يشعرون اليوم أنهم بين شاطئ الدنيا وشاطئ الآخرة.

الرئيس.. يحتاج إليهم

أول الثلاثة هو الجنرال المتقاعد «جيمس ماتيس» وزير الدفاع، هذا المارينز المتمرس الذي يعتبر من أبرز وجوه القادة العسكريين الذين عرفهم الجيش الأمريكي منذ عقود، كان قد التحق بمعهد «هوفر» التابع لجامعة «ستاندفورد» في ولاية كاليفورنيا عضوًا فخريًا قبل أن يستدعيه ترامب إلى الخدمة رفقة اثنين آخرين هما الجنرال المتقاعد « هربرت ماكماستر» مستشار الأمن القومي، والجنرال المتقاعد «جون كيلي» رئيس موظفي البيت الأبيض. وجود هؤلاء الثلاثة في مراكز القيادة هو الضمان الوحيد لحلفاء الولايات المتحدة بأن ترامب لن يقوم بحماقة في شبه الجزيرة الكورية تكون سببًا في دمار شامل.

هؤلاء ليسوا ضباطًا عاديين فقط، هم علماء في الشؤون الحربية والاستراتيجيات العسكرية،وفقهاء في المجال بأتم المعنى، ويتمتعون بتكوين عسكري على أعلى المستويات الممكنة، مشهود لهم بالكفاءة والانضباط وبعد النظر وثقافة واسعة:

فـ«ماتيس» حسب موقع شبكة «آي بي سي نيوز» الأمريكية له مكتبة شخصية تضم سبعة آلاف مجلد، وكان مولعًا بالإمبراطور الرماني «ماركوس أوريليوس» والفلسفة الهيلينية.

و«ماكماستر» هو مؤلف كتاب «الإخلال بالواجب» «dereliction of duty» وتحدث فيه عن أخطاء وعيوب القرارات العسكرية المتخذة في حرب «الفيتنام» خلال فترة حكم «ليندن جونسون».

 أما «كيلي» فقد حصل على الماجستير في دراسات الأمن القومي من جامعة «جورج تاون» ودرس بكلية الحرب الوطنية، وهي الكلية التي لا يلجها إلا نخبة ضباط القوات المسلحة الأمريكية.

وكلهم اكتسبوا خبرتهم العسكرية خلال حرب الخليج الأولى والثانية، فـ«ماكماستر» في حرب الخليج الأولى دمرت وحدته المكونة من تسع دبابات ثمان وعشرين دبابة عراقية في ثلاث وعشرين دقيقة دون أن تتعرض فرقته التي يقودها إلى أدنى خسائر، إعجاز عسكري مذهل يدرس في الكليات العسكرية. أما «ماتيس» فكان قائد قوات المارينز التي دخلت العراق وعلى يده سقطت بغداد في غضون أيام، و«كيلي» كان قائدًا للقوة المتعددة الجنسيات. هؤلاء لهم الثقل ويحظون بالثقة والتقدير بين الأمريكيين، وإن شئنا أن نسميهم أولياء أمور رئيس متطفل مشاغب لما كنا مخطئين.

 فعندما يهدد ترامب كوريا الشمالية بـ«الغضب والنار» ويجنح إلى لهجة عدائية في أزمة نووية متصاعدة، فإن هؤلاء الجنرالات يعلمون جيدًا الجحيم الذي يقودهم إليه ترامب إذا ما قرر توجيه ضربة استباقية إلى «بيونغ يانغ»، فالخسائر التي توقعها البنتاغون في حال نشوب حرب في شبه الجزيرة الكورية قد تصل إلى ما يربو عن مليون قتيل باكورتهم ستكون من الكوريين الجنوبيين واليابانيين، الذين يعيشون اليوم كالذي ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه، فصواريخ وقذائف كوريا الشمالية ونيران مدفعيتها لا تبعد سوى خمسة وثلاثين ميلًا عن «سيول».

فلا جرم بعد أن غرد ترامب بتهديد مباشر لكوريا الشمالية مستبعدًا الحلول السياسية، يخرج وزير الدفاع بتصريح مضاد ليطمئن المجتمع الدولي يقول فيه بأن الحل السياسي لا زال ممكنًا.

وقد تكون الخسائر أضعاف ذلك الرقم الذي توقعه البنتاغون، لأن الحرب هو المضمار الذي كثيرا ما تخيب فيه التوقعات، خصوصا وأن كوريا الشمالية نجحت في تطوير رؤوس حربية يمكن حملها على صواريخ عابرة للقرات يصل مداها إلى حدود البر الأمريكي، حسب تقارير حديثة للاستخبارات الأمريكية.

دعوا «ترامب» يقول ما يشاء.. للجنرال رأي آخر

لذلك وحسب بعض التقارير الصحفية فإن الجنرالين «ماتيس وماكماستر» ومجموعة من الخبراء يدرسون إمكانية شن هجوم معلوماتي يروم تعطيل أنظمة الصواريخ في كوريا الشمالية على غرار برنامج «ستاكس نت stuxnet» الذي استهدف البرنامج النووي الإيراني والذي تم تطويره في عهد «بوش» الابن واستمر مع إدارة «أوباما».

وهذا النوع من الضربات المعلوماتية -في حال إصابتها الأهداف المرصودة بكفاءة وفاعلية- هو الخيار الوحيد إلى حد الآن الذي يمكنه إنهاء النزاع بأقل خسائر ممكنة أو على الأقل الانتقال بالمعركة من نطاق الحرب غير التقليدية المدمرة إلى حرب تقليدية محدودة الأضرار نسبيًا بإخراج الصواريخ والأسلحة النووية من ميدان المعركة تمامًا.

 وحسب مقال نشر في موقع «نيويورك بوست» أغسطس الماضي، فإن هناك خيارات مستقبلية لتشديد الخناق على كوريا الشمالية وغيرها خلا الأسلحة المعلوماتية،بالخصوص التطور التكنولوجي الذي يعرفه مجال الروبوتات والذي سيمكن من تعطيل الشبكات الكهربائية المتصلة بمصانع الأسلحة عن طريق الموجات الصوتية دون إحداث أضرار مادية. بالإضافة إلى الأجهزة التحت-مائية التي تقوم بدور أشد فاعلية من الألغام الأرضية لتضييق الحصار ومنع أي اتصال بالعالم الخارجي من جهة البحر، والأقمار الصناعية التي لها دور فعال في تعطيل شبكة الاتصالات. 

سيف من خشب

لقد أدرك ترامب الورطة التي يتعثر في حبالها، فقد وضع سقفًا عاليًا لتطلعاته السياسية في حملته الانتخابية ودخل الحلبة مدججًا بغضب عارم يوحي أنه سيقلب موازين العالم وبشكل يوحي بأنه ذو القرنين أو ألكسندر الأعظم الذي سيجر جيشًا عرمرمًا إلى أقصى الشرق، ويضرب سدًا على يأجوج ومأجوج الشماليين. ورفع شعارًا يستأنف به عظمة الولايات المتحدة، لكنه عندما دخل المعترك وتلوثت أقدامه بغبرة الميدان، أدرك أن الحماسة والخطب العنترية والاستعراضات الإعلامية لا تقوم أمام الواقع الذي يتطلب قدرًا كبيرًا من البراغماتية والليونة، وقسطًا أوفر من التواضع والدبلوماسية.

لذلك اضطر مكرها إلى الاستعانة بخدمات رجل مثل «ماتيس» الذي لا يكن له كثيرًا من الود، ووجد نفسه مجبرًا على منح هذا الأخير حرية أكبر في الحركة واتخاذ القرار ،أدلها على ذلك عندما استخلص الجنرال «ماتيس» موافقة «ترامب» على قصف مدرج للطائرات تابع لقوات الأسد، وعزز التواجد العسكري في أفغانستان، وكان وراء تخلي «ترامب» عن دعمه لسياسة المملكة العربية السعودية لعزل قطر.

ثم اضطر ترامب إلى ابتلاع كبريائه مرة أخرى بدعوة «ستيف بانون» ومناصريه إلى الكف عن مهاجمة «ماكماستر» الذي يتهمه «بانون» والموالين له من الوطنيين البيض- المعروفين في الاعلام الأمريكي بالبانونيين «bannonists»- بالعمل على تقويض مرتكزات أساسية في البرنامج الذي على أساسه انتخب «ترامب». منها موقفه المعارض للسياسةالحمائية للاقتصاد الوطني، وميله لتغليب الخيار الدبلوماسي والتفاوضي على الحسم العسكري في بؤر التوتر التقليدية، والمماطلة في إلغاء الاتفاق النووي المبرم مع ايران.

بل ذهب «ترامب» إلى أبعد من ذلك فأقدم الشهر الماضي على إعفاء «بانون» نفسه من منصبه، وهو الذي كان أحد أبرز الوجوه في حملته الانتخابية، فعلام يدل ذلك؟

إنه برنامج سياسي متكامل يتهاوى أمام أعين الرئيس وبثلاثة رجال هو من عينهم. مما يجعلنا نعتقد أنه قد تم فرضهم عليه فرضًا من قبل الدولة العميقة في الولايات المتحدة، في ما هو شبيه بانقلاب غير معلن على سياسات غير شعبية تلقى معارضة شديدة في الداخل والخارج، وتهدد السلم العالمي، وأن عزلهم من مراكزهم سوف يستتبعه حتمًا عزل «دونالد ترامب» من سدة الرئاسة.

 وبذلك يكون «ترامب» بين أمرين: إما أن يبقي على الجنرالات الثلاثة ويتنازل عن مرتكزات أساسية في برنامجه السياسي فتتراجع شعبيته لدى مناصريه، أو أن يعزلهم جميعًا فيخسر كرسي الرئاسة، مما قد يفضي إلى حرب أهلية شبيهة بحرب عام 1861م بين الولايات المتحدة والولايات الكونفدرالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد