عبر ما يقرب من 30 فصلًا قصيرًا في 127 صفحةً، قدّمت رواية «أراك في الجنة» للكاتب والقاص المصري محمد الفخراني، حالتين مختلفتين في التصورات والمعتقدات الدينية؛ زوجان ارتبطا بعد قصة حبٍ سريعةٍ جدًّا مدتها 14 دقيقةً، لتتوالى فصول الرواية عبر لغةٍ مكثفةٍ جدًّا، وشاعريةٍ، وجملٍ متماسكةٍ، وتلك من نقاط القوة التي تميّز بها الفخراني منذ مجموعته القصصية الأولى «بنت ليل».

ما يدفعك لقراءة «أراك في الجنة» في جلسةٍ واحدةٍ أنها مختلفةٌ فنيًّا عن الشكل الروائي الشهير، أو حتى المتعارف عليه؛ فهذه الرواية «فانتازية»، لن تجد بها عددًا كبيرًا من الشخصيات، ولن تدخل في تشابكاتٍ وأحداثٍ معقدةٍ، ولا فتراتٍ زمنيةٍ ممتدةٍ قد تشتت القارئ.

في هذه الرواية الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية» هذا العام، نحن أمام بطلين؛ الأول: كاتبٌ روائيٌ وشاعرٌ اسمه «نقّار الخشب»، على اسم أحد الطيور الشهيرة، يؤمن بأن الإنسان هو أجمل فكرةٍ فى العالم، والثانية: مُدرِّسةُ علومٍ شابة اسمها «تَخَيّل»، يتزوجان بعد أقصر قصةٍ حبٍ مدتها 14 دقيقةٍ كما قلنا سابقًا.

لن تجد في رواية «أراك في الجنة» حياةً زوجيةً تقليديةً بمعاركها على ظروف المعيشة، أو الأولاد والدراسة؛ فقط نقرأ حوارًا طويلًا يمتد عبر فصول الرواية بين الزوجين عن الإيمان والإلحاد، والحب والصداقة، والموت والبعث، الزمان والمكان اللذان تدور فيهما الرواية غير معروفين.

أما الزوج نقّار الخشب فهو «لا يؤمن بوجود إله.. لا جنة ولا نار» كما يقول صراحةً فى الرواية، والزوجة «تخيّل» فعكسه تمامًا؛ مؤمنةٌ تجادله بكل حبٍ عن حقيقة وجود هذا الإله، وعن الحياة بعد الموت، في «ديالوج» طويل جدًّا لا يخلو من الكلمات والحوارات الرومانسية، في إيحاء بأنّ الحب والعاطفة قادران على إزالة كل العوائق بين الحبيبين المتفاهمين، حتى لو كانت تلك الفوارق تتعلق بالمعتقدات الدينية.

تسير فصول الرواية عبر خطين ثابتين؛ فهي مقسمةٌ لفصولٍ يعطيها الروائي والقاص محمد الفخراني أرقامًا متواليةً، وهي خاصة بالزوج «نقّار الخشب» الذى يجد نفسه داخل الجنة دون أن يعرف كيف حدث هذا الأمر؛ لدرجة أنه يتخيل هذه الجنة «شيئًا مثل ألعاب الواقع التي يشترك فيها أشخاصٌ، بإرادتهم أو رغمًا عنهم، مغامرين، أو يائسين، ويتحكم في قوانين اللعبة وتفاصيلها أشخاص آخرون، يراقبون وينقلون كل شيء للمتفرجين» كما جاء في الرواية نصًّا.

في الجنة نرى مزيدًا من التأكيد على شخصية «نقّار الخشب» الكاتب والشاعر الذي لا يؤمن بوجود إلهٍ، لدرجة أنه يأخذ من المكان الموجود فيه – إن كان حقيقةً هو الجنة – دليلًا على صدق معتقداته، فهو يسأل نفسه في أحد فصول الرواية: «وجودي هنا يؤكد أنها ليست الجنة التي يحكون عنها، فلو كانت كذلك، لا بُدّ أن لها خالقًا، ذلك الإله الذي تتحدث عنه (تَخَيَل)، ولم يكن يسمح لي بدخولها، من جهة أخرى، لو اعتبرْتُ أنه الجنة بالفعل، ماذا أقول الآن؟ الجنة؟ فقط أُساير هؤلاء المغفلين حولي، لو أنها الجنة، وهناك ذلك الإله المزعوم، فوجودي هنا يعني أنه ليس حكيمًا، ولا يستطيع أن يُدرك الصَحّ من الخطأ، ولا بُدّ أنه، على سبيل الخطأ أيضًا، قد وضع أشخاصًا في الجحيم».

ينتقل «نقّار الخشب» بإرادته بعد ذلك إلى مكانٍ آخر، قِيل في الرواية إنّه «الجحيم»؛ فقد كان يبحث عن زوجته «تَخَيّل» ويعتقد أنه سيراها هناك.

في الجحيم يرى «نقّار الخشب» «أشخاصًا تحت أنواع التعذيب المختلفة، وكل شيء حقيقي، يقترب منهم، يسمع أَلَمهم، ويشمُ رائحة العذاب، يرتجف قلبه، ينظر إلى السماء المعتمة: هل هذا التعذيب ضمن لعبتكم؟ أنتم مجانين»، يُكمل ذاكرًا اسم زوجته: «وأنتِ يا تَخَيل المؤمنة، لو أن إلهك المزعوم هو مَنْ صنع هذا، أهذا ما يفعله بالبشر؟».

يقول الكاتب في روايته إن «نقّار الخشب» يمشي وسط مساحاتٍ من نارٍ وجليدٍ، دون أن يشعر بحرارةٍ أو برودةٍ، يلمس المُعذَّبين أو يحضنهم ليخفف عنهم.

يبرز الكاتب مزيدًا من شخصية بطل الرواية قائلًا: «فكّر في الجنة المزعومة، التي كان فيها، وهذا الجحيم المزعوم، أو أيًّا كان، ربما يكونان مكانَيْن تمّ تجهيزهما بواسطة أشخاص يفوقون البشر ذكاءً، أو أنهم، على الأقل، صفوة البشر في العلم والمعرفة، لديهم قوانين صارمة، وقد خصّصوا ما يُسمى الجنة لمن يستحق من البشر، وجعلوا الجحيم عقابًا».

هذه السطور تظهر وكأن الكاتب يُريد أن يقول لنا إن تساؤلات «نقّار الخشب» قد تقوده إلى الإيمان يومًا، خاصة عندما يقول لنفسه: «هل أنتم كائنات تفوق البشر، هتف وهو يتطلّع حوله، وينظر إلى السماء.. لا أعرف، لكن يوجد شيء حقيقي جدًّا هنا، لم أرَ في هذا الجحيم أحدًا ممّن رأيتهم في ما يسمّى الجنة، ولم أرَ في الجنة أيًّا ممّن أراهم هنا».

ثم يُدخل الكاتب، البطل «نقّار الخشب» مرحلةً من التردد بين الإيمان والإلحاد عندما يكتب عنه: «فكّرَ أنّ ما رآه في نهر الماء والنور لا بد خلفه قوة عظيمة، بهاء ذكاء، وتحمل محبة رغم كل شيء، لكن ليس بالضرورة أن يكون إلهًا».

في الجحيم، لا يرى «نقار الخشب» زوجته «تَخَيّل» سوى عبر شاشةٍ طيفيةٍ تظهر له، ويحدثها من خلالها.

في القسم الثاني من فصول الرواية، والذي يضع له الكاتب عناوين، نرى حواراتٍ طويلةً بين الزوج «نقار الخشب» وزوجته «تَخَيّل»، وجُلّ هذه الحوارات تدور عن الإيمان والإلحاد والحب والصداقة.

برزت تلك الحوارات في عدة مواضع في الرواية، فالزوجة «تَخَيّل» تقول لـ«نقار الخشب» إنها تزوجته وهي تعرف أنه ملحد.

تتحدث «تخيل» مع زوجها: «أنا أفهمك هنا نقّار الخشب، أنت إما لا تؤمن بوجود إله، أو أنك تريد أن يكون وجوده في صورة قاتل، ظالم، عديم الرحمة، حتى تكرهه، أو ترفض وجوده، أيهما يسبق الآخر، عدم إيمانك بوجوده، أم كرهك له؟».

ويرد عليها: «أنا أقول إنه غير موجود، لكني أُسايرك كي نتحدث عما يفعله بالعالم وتفكري، هل يصلح أن يكون إلهًا مْن يقتل بشرًا أبرياء في زلزال أو فيضان، أو أي كارثة من تأليفه، كيف يمكنه أن يفعل هذا؟ ولماذا؟».

لكن الزوجة تدافع عن الإله، وتقول إنه لو كان يحب القتل، لقتل كل من لا يؤمنون به، أو من يشتمونَه.

في بقية الصفحات نرى اختلافًا بين الزوجين في أفكار عدةٍ مثل: الخلود بعد الموت، والذي يرى «نقّار الخشب»، أنه من الممكن أن نحصل عليه بالعلم.

كما يعتقد «نقّار الخشب» أنّه لا شيء بعد الموت سوى فناء نهائي، بينما ترى زوجته «تَخَيّل» أن الإنسان يتحول بعد الموت إلى ترابٍ، ولكن هذه مرحلةٌ مؤقتةٌ.

نرى في الرواية أيضًا حديثًا عن مصير الشخص بعد الموت، هل سيدخل الجنة أم الجحيم؟ تقول الزوجة لـ«نقّار الخشب»: «لا أحد يعرف مْنَ يكون في الجنة ومْنَ يكون في الجحيم، جميعنا هنا، في هذا العالم، لدينا حسابات وأفكار عن الإله، لكن من البديهي أن الإله لديه حسابات أخرى، أنا متأكدة أنه سيفاجئنا جميعًا».

الصفحات الأخيرة من الرواية تكشف تفاصيل ما حدث؛ فقد مات «نقّار الخشب»، وبدأ رحلته التخيلية كما نراها في الرواية بعد أن عاد إلى سن العشرين، وعاد إلى الحياة ثانيةً، ثم توفيت زوجته أيضًا، وتقابل الاثنان في الجحيم لتخبره الزوجة بما حدث معهم بالضبط، وكيف مات، وماذا فعلت بعد رحيله؟

يظهر صوت الإله في النهاية يقول لنقّار الخشب: «أنا أحبك نقار الخشب»، ثم ينتقل الزوجان إلى الجنة التي دخلها كل إنسان؛ لدرجة أن الجحيم أصبح خاليًا، في تأكيد لكلام «تَخَيّل» التي قالت في إحدى حواراتها مع «نقار الخشب»، إن الإله سيفاجئنا جميعًا.

قبل هذه الرواية، صدرت للفخراني عدة أعمالٍ منها: «بنت ليل»، «فاصل للدهشة»، «قبل أن يعرف البحر اسمه»، «قصص تلعب مع العالم»، «طرق سرية للجموح»، «ألف جناح للعالم»، «عشرون ابنة للخيال»، «مزاج حر».

حصل الفخراني على عدة جوائز منها: جائزة الدولة التشجيعية في القصة 2002، وجائزة معهد العالم العربي بباريس في عام 2014.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد