وفي بحر العشق ذبت كالملح لم يبق كفر ولا إيمان شك ولا يقين يشع في قلبي كوكب تختبئ فيه السماوات السبع”. مولانا جلال الدين الرومي.

لدي قناعة، أن ما نختاره يختارنا بطريقة ما. لا أدري كيف اكتسبت تلك القناعة التي تبدو طفولية بعض الشيء لكني أعلم أن لا سبيل للخلاص منها. أقتنع مثلا أن نسخ كتبي اختارت أن أحوزها أنا دون سواي لذلك لا أفرط في كتاب قط. أشعر أن الكتب أيضًا كما البشر من الممكن خذلانها. وإن كانت الكتب متعة للعقل فالروايات قوت الروح. وإن كانت الرواية كرواية وجه الله فأستطيع أن أجزم أن تلك المعزوفة القصيرة لها في الروح علامات. ابتداءً من الغلاف الذي نقش عليه عبارة “وجه الله” بلون ذهبي على صفحة بيضاء وكأن الغلاف صمم كي يوحي لك أن تلك الرواية لا تحتاج إلى زخرفة أو تزيين.

الاسم نفسه في الأساس به قدر لا يستهان به من الجلال. وإن كنت مثلي من هواة الأفلام القصيرة فستحب تلك الرواية حتمًا، فما أن تبدأ في قراءتها حتى تراود مخيلتك أن تراها كفيلم قصير يتلاقى أبطاله ويمضي كل في طريقه. كل مشهد يحتوي على ومضة تضيء وتخبو. لا شخصية رئيسية تصنع حوارًا كاملًا أو تعيش قصة بمفردها. الجميع يقترب يبتعد، يشك أو يتقين في محاولة للإجابة عن سؤال هل الله موجود؟ أستطيع القول أن الأسئلة هي البطل الرئيسي والحدث الأهم في تلك الرواية.

” إن الشكوك هي الموصولة إلى الحق. فمن لم يشك لم ينظر”. أبو حامد الغزالي

كل سؤال يحمل في طياته تسليمًا بالوجود. فلن تسأل عن معدوم تتيقن بانعدامه. فالشك هو دليلك القلق على طريق الوصول. الله حي وموجود في القلوب التي تبحث عنه وإن شكت وإن بعدت وإن أنكرت.

تعج الرواية بأسئلة عن الله وعنا. حين نبحث عن الله فذاك معناه أننا فقدنا الكثير من أرواحنا. تبدأ سلسلة الأسئلة بـ”هل الله موجود؟!”. “ما الذي يفقده الإنسان بموته ولا يفقده الأحياء؟ ما الفرق بين الميت والحي؟”. “وإن كان الله موجودًا فلماذا كل هذا الشقاء والشر الذي يصدر عن وجود المخلوقات؟”. “أين هي اليد الحنون التي كلما نادوها لا تمتد لمساعدة أحد”. تلك الأسئلة بعض مما ذكر ويوجد منها العشرات أيضًا.

تلك الأسئلة التي ليست بغريبة عنك يا صاح ولا عني. هل يمكن تفسير الوجود بالعلم وحده. هل يعرف الله بالعقل وحده. هل الحرية في طرح الأسئلة أم في عدم الحاجة إلى طرحها كيف تكون حرًّا حتى من سؤالك. يقول مستور في روايته “بنفس السهولة التي تفتح بها المفاتيح الأبواب؛ تقفلها أيضًا. كأن الفلسفة أغلقت الباب تمامًا”.

ليس بيننا سيدنا إبراهيم أو موسى أو محمد عليهم جميعا السلام.

كيف نعثر على الله؟! لن يسأل الله أحدنا أو لم تؤمن ومن ثم يثبت له بإحياء الطير. لن يتجلى الله على أحدنا قائلا إني أنا ربك فاخلع نعليك. ولن يرسل الله إلى أحدنا براقًا يحمله حتى يقارب العرش. لن تنظر إلى السماء في مشهد متشنج متسائلا إنت فين ومن ثم ينهمر عليك المطر. أنت ترى الله في كل يوم مئة مرة أو يزيد دون أن تنبه. تراه حين يُضحِك ويُبكِي حين يشد عضدك بأخيك وحين تفارق أخاك. أيقن أن حجابًا ما يكشف بيننا وبين الله في لحظات الحزن والفقد والوجع ولولا انكشاف الحجاب ذاك لجننا إثر كل بلاء. اسأل واقرأ وطالع كثيرًا دون أن تشيح بناظريك عن أدلة الوجود ولا أقصد هنا معجزاته في الخلق بل أقصد إشاراته الصغيرة الصغيرة جدا التي لن يفهمها سواك.

يقول مستور أيضًا: “عدم المعرفة الذي لا يثبت الشيء لا ينفيه أيضًا. نحن نؤمن فقط أو لا  نؤمن هذا جل ما نستطيعه”.
ويقول “إذ على قدر إيمانك بالله يكون حضوره في وعيك”.
” برغم أن وجود الله ليس مرتبطًا بإيماننا؛ لكن إدراكنا لهذا الوجود مرتبط كليا بحجم إيماننا”.
” أننا قد عرفنا الله باللون الأزرق أيضًا”.
الله يتجلى لك لي في كل يوم في كل لحظة فقط افتح عينيك ترَ.

إيمانًا كعجائز النيسابور

ولا أستطيع أبدًا أن لا أحكي مشهد النهاية في الرواية حين ساعد “يونس” طفلا كي يصلح طائرته الورقية ليصرخ الطفل: “مرحى مرحى يا رفاق لقد وصلت طائرتي الورقية إلى السماء؛ لقد وصلت إلى الله”.

ويذكرني هذا المشهد بمشهد للرازي حين نادته إحدى العجائز يا بني يا بني فغضب فقال أحد تلامذته لها ألا تعرفينه هذا الرازي الذي لديه ألف دليل ودليل على وجود الله. فقالت لو لم يكن لديه ألف شك وشك لما احتاج ألف دليل ودليل أفي الله شك؟ فلما بلغه ذلك قال اللهم إيمانًا كإيمان عجائز نيسابور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد