أجلس على مقعد مقابل للنافذة التي صارت أشبه بالمرآة عند دخول النفق المظلم، أطالع قسمات وجهي، أمعن النظر فيها جيّدًا، ثمّ أحدّق في وجوه من حولي، أبحث عن عربي بين مئات الأتراك الذين نسافر معهم في “مترو الأنفاق”، لا أبحث عن أنيس أكلمه، بل أسعى لاختلاس  نظرة من بعيد، في محاولة يائسة لتحديد شكل العرب والتبين من ملامحهم، لعلني أجد إجابة شافية على كثير من التساؤلات التي تدور في مخيلتي، منذ تلك الليلة.

قبل نحو شهر أو أزيد من ذلك قليلا، حطّت طائرتي في مطار “صبيحة” في إسطنبول قادمة من مطار بن غوريون في تل أبيب، قررت الانتقال للعمل في إسطنبول لشهر، أو شهرين، وربما أكثر من ذلك، ساعات قليلة وقبل أن حطّت رحالي في إسطنبول كنت في غرفة معزولة في المطار الإسرائيلي أتعرض للتفتيش، لا لشيء إنما لأنني عربي فقط، يومها أذكر أنني ارتكبت خطيئة ربما، كان الطقس في بلادي حارًا، ورغم ذلك قررت ارتداء ملابس دافئة كي لا أضطر إلى تبديل ملابسي في إسطنبول عند وصولي، ما لفت أنظار الإسرائيليين الذين شكوّا بأن الشخص الماثل أمامهم يخفي شيئا في ظل ذروة “انتفاضة القدس”.

أخيرًا وصلت إلى إسطنبول، اتخذت من منطقة السلطان أحمد الموغلة في القدم، المشبعة بالعراقة مسكنًا لعدّة أيام كانت كافية لأشبع روحي من هواء التاريخ وأرتوي قليلا من عظمته وجلاله، كان يفصلني عن بدء عملي ليلة واحدة، هي ليلة وصولي فقط، ثمّ انطلقت قاصدًا مكان عملي في الصباح الباكر، لم أكن أعلم من أمر المواصلات شيئا فلست معتادًا على المواصلات العامة لفقرها في بلادي، أو لعل من الأدق أن أقول، لفقرها فيما صار إسرائيل.

كعادة الموظفين الجدد، استيقظت فجرًا، طالعت العنوان، هرولت باحثًا عن سيارة أجرة تقلني، طالع السائق العنوان وأومأ إليّ بالركوب، حاولت الالتزام بالصمّت طيلة رحلتي، لم أكن أعلم وجهتي أبدًا، لا شيء بحوزتي سوى هذا العنوان، ولست أفهم من لغة الأتراك شيئا كي أبادل ذلك السائق أي نوع من أنواع الحديث، إلا أن ذلك لم يدم طويلا، حتى باغتني بالسؤال المعهود: من أين أنت؟

نعم؟ قلت باللغة الإنجليزية: لا اتحدث اللغة التركية، فأجابني بنفس اللغة: من أين انت؟ قلت من فلسطين، فتهلل وجهه وفرحت أنا لبسمته، وشعرت بحالة من الاحترام والتعاطف، قبل أن يعاجلني بسؤال آخر: من أين بالتحديد، ساعتها فهمت أن الرجل يعرف شيئا عن بلادي، قلت من القدس، فلن يستطيع التعرف على بلدي الصغيرة وهي في أكناف بيت المقدس بلا شك، تهلل وجه الرجل واتسعت ابتسامته، وسكت. ساعتها اعتقدت أن الحوار قد انتهى وأنني سأنجو من الإجابات بلغتي الإنجليزية الركيكة على تساؤلات بلغة أشد من لغتي ضعفًا، لكن ذلك لم يدم طويلا، حتى كان ما لم يكن في الحسبان أبدًا.

دقيقة مرّت على انتهاء الفصل الأوّل من الحوار، قبل أن يباغتني السائق من جديد، بسؤال لم يخطر لي على بال، نظر إلي قائلا باللغة التركية: هل أنت يهودي؟ هذا ما فهمته، الرجل يقول لي إنني يهودي، قلت: أنا من القدس، ما فهمته أنه يقول إن القدس محتلة وهذا يعني أن سكانها يهود، وأنّك – أنت إلى جانبي يهودي – ساعتها شعرت بالحزن والفرح في آن واحد، فرحت وأنا القادم من مكة المكرمة عقب أداء فريضة الحج مباشرة لرجل تركي يُلم بتفاصيل قضيتي التي لم يكن يلمّ بها سائقو التاكسي في مكّة، وحزنت على واقعي أولا، وعلى ورطتي التي لم أعرف كيف أخرج منها ثانيًا، فكيف أدير حوارًا مع شخص يكاد يخنقني بنظراته باللغة التركية؟

لم يكن لدي خيار في ظل تحديقه في عيني، شعرت بأن الرجل قد تبدّل حاله رأسًا على عقب، فقلت إنني مسلم، فلم يصدق، وباشر بالقول: لا إله إلا الله، ونظر إلي في إشارة فهمتها، يريدني أن أكمل ما قاله، فقلت: محمد رسول الله، فلم يكتف، فقلت: عليه الصلاة والسلام، حينها بدا الرجل متفاعلا معي، هدأ قليلا، ثمّ ما لبث أن صفعني بطلب لم أكن أتخيله في أوّل يوم، وكنت قد عملت له ألف، ألف حساب، فهمت أنه يطلب مني التأكيد على هويتي، يطلب الرجل أن يتعرف على هوية فلسطيني لا يملك أي ورقة، أو وثيقة أو أي مستند يمكنه أن يثبت فيه هويته، لا أمتلك سوى جواز سفر واحد وهوية واحدة، خفت قليلا، قبل أن أستجمع قواي، قلت: جوازي وهويتي وكل ما أملك إسرائيلي، لم يتمالك الرجل نفسه، قال بالتركية التي فهمت: لا أستطيع إكمال الطريق، سيارتي لا يركب فيها يهودي!

نظرت إلى جواز سفري الإسرائيلي، قرّبته منه وهو الذي كاد أن يتوقف، قلت: اسمي محمد خذه وتدبره، لم يوافق، وكدت أنزل من سيارته في مشهد لم أكن قد تخيلت أنني سأقع فيه من قبل في أول يوم لي في غربتي، فكرت، تدّبرت، وحاولت أن أبحث عن أي شيء أثبت فيه أنني فلسطيني، لم أجد، ساعتها لم يكن قد تبقى لي خيار آخر، أثبت أنني مسلم على الأقل لعلني أصل إلى عملي في يومي الأول بخير وسلام، تناولت هاتفي النقال، فتحت أرشيف الصور، عرضتها أمامه صورة تلو الأخرى، هذه في المسجد الأقصى وتلك في بيت الله الحرام، صور جديدة أنا حاج، قلت له، قبل أسبوعين كنت في مكة، صدّقني الرجل واطمئن، وبقي في عينيه ألف سؤال، حاول أن يسألني كي أشفي غليله، كيف ذلك، مسلم وفلسطيني وتحمل جوازًا إسرائيليًا؟ اجتهدت في الإجابة بالكلمات والقلم والورقة وجوجل، شرحت له أننا كنّا أقلية عام 48 واحتلنا الاحتلال مع أرضنا، ومنحنا جنسيته قسرًا، وأصبحنا رغم أنوفنا مواطنين في إسرائيل، قلت ذلك، وقد كنت قد وصلت إلى وجهتي.

قبل أن أنزل من سيارته، شكّل الرجل بيده هيئة مسدس، فهمت، قال إنه لن يسمح ببقاء اليهود في القدس، وربّت على كتفي، بينما أدمعت مُقلتاي، وشكرني بحفاوة، وتمتم بكلمات حول أردوغان وإسرائيل لم أفهمها، ثم انطلق يشق طريقه تاركًا إياي على بوابة واسعة، كانت مدخلي للتعرف أكثر على ثقافات مختلفة، دخلت تاركًا ورائي فرحة عارمة في سيارة الأجرة، وفاتحًا بابًا جديدًا على قضية لم أكن استوعب أنها ما زالت مغلقة لا يعلم بأمرها جلّ العرب والمسلمين، نعم، نحن مليون، ونصف المليون عربي، نحمل جواز إسرائيل، ولا نملك ما يشير إلى عروبتنا وفلسطينيتنا، سوى لغتنا العربية وما نحفظه من آيات، وملامحنا وبلادنا في طبيعة الحال.

وحدها اللغة والملامح ما كان بحوزتي، لعدّة أيام فقط دارت خلالها نقاشات كثيرة مع زملاء كثر، كنت أشعر بالحرج كلما اضطررت لإظهار جوازي، كنت أصطحب معي دائمًا من يساعدني، في مصلحة الهواتف، أو عند صاحب البيت الذي استأجرت منه منزلي وغيره، صرت أرقب النّاس من حولي، أرقب الملامح، والصدمة التي تصيب المرء عندما يفتح الجواز، يبدو الأمر مخيفًا ولا يشعر صاحبه باطمئنان.

في إسطنبول تضيع الأشياء، كبيرة هي المدينة وعظيمة راسخة، تعيش فيها مجتمعات تبدو غير متجانسة، لا تستقر فيها الأمور على شكلها كثيرًا، وتبدو الساعات فيها دقائق، تلتهم الوقت كما تلتهم مواصلاتها جوفها كله تقريبًا، بين الملايين هنا، تضيع التفاصيل الصغيرة، وتسقط الاعتبارات الموضعية الضئيلة، وتتبدل الأشكال ألف مرة كل ثانية، كل شيء يبدو مختلفًا، تتكرر الحكايات معي في “مترو الأنفاق” دائمًا لأنني لا أعرف لغة القوم، وتضيع وجهتي وسط المواصلات في بعض الأحيان، بينما يتمتع الأتراك بحب استطلاع ملفت، هو ذات السؤال ونفس الإجابة كل يوم: من أين أنت؟ من فلسطين، من غزة؟ لا من منطقة القدس .. وجوه تتهلل فرحًا، سلام بحرارة، ثم فراق ببسمة.

يعشقون فلسطين كثيرًا، هذا ما فهمته، لم أصادف تركيًا أو عربيًا هنا لا يعشق بلادي، أشعر بعزّة متنامية، لا يشعر بها الفلسطيني في أي دولة عربية، أسير مرفوع الرأس فخورًا بوطني، وعلمت منذ لحظة قدومي أنني أحمل رسالة شعب بأكمله، وهذا يتطلب بأن تكون ذلك الفلسطيني الذي يجب أن يحافظ على صورته وصورة شعبه نقية في قلوب العالمين، كم هي ثقيلة هذه الأمانة، وكم هو باهظ ثمن الإخلال في مبادئها، ليست المسألة شخصية بقدر ما هي مسألة وطنية، هكذا أراها.

في المترو، وأثناء تمعني في وجهي وبحثي عن عربي أقارنه بنفسي، تذكرت معاناة بني قومي، نحن الذين نتعرض للتفتيش، أو ربما للقتل، أو العنصرية أو الفصل من العمل، أو التحريض أو الاعتداء لمجرّد أننا عرب، تذكرت مطار بن غوريون، وكيف همس رجل الأمن لزميلته بأخذي لغرفة التفتيش، قائلا: هذا العربي.

الإسرائيلي يعاملني على أنني عربي، رغم أنني أتمتع بنفس حقوقه أمام القانون، وأعتبر مواطنًا مثله في دولة تدعي الديمقراطية زورًا، إذن أنا عربي وأحمل ملامح عربية وعلى هذا الأساس أعامل بعنصرية بالغة، وأتعرض للضرب والإهانة، وأدفع ثمن ملامحي، التي لم تكن كافية كي تصدق تلك الفتاة التركية أنني فعلا عربي.

في الحافلة، قالت لي تلك الفتاة التي تتقن اللغة العربية أكثر مما أتقنها أنا، بعد حوار لساعة أو أكثر، بأنها تكاد تصدقني بأن ثمّة عرب يحملون الجنسية الإسرائيلية، وهم مسلمون كباقي المسلمين، وأنهم ضحية الاحتلال وما زالوا يدفعون ثمنه، سكتت قليلا، ثم قالت: لا أدري، كلامك صحيح، لكن يصعب علي تصديقه عند النظر إليك، قلت: لماذا؟ قالت: ملامحك لا تشبه الفلسطينيين! قلت: وهل هناك شكل خاص يعد قاسمًا مشتركًا للفلسطينيين؟ قالت: أجل أنا أعرفهم وأنت لا تشبههم، فكيف أصدقك؟ قلت: طيب، أنا عربي ألا يكفي ذلك؟ قالت: ملامحك لا تدل على ذلك، لم أطمئن!

في هذه الحالة، لن يشفع لك الهاتف، ولا لغتك، ولا ذاكرتك، ملامحك العربية التي تعاقب عليها وتجلد عند اليهود، تبدو الآن مثل أحلام مبددة، كيف لا أشبه العرب، وقد تعرضت طيلة حياتي للإهانة لمجرّد أنني أحمل ملامحهم، هل يعني هذا أن الإسرائيلي يعرف العربي من صوته، أم من رائحته، كيف يميّزه كي يتعامل معه بعنصرية؟

سألتها مبتسمًا، وهل أبدو لك تركيا، أم أوروبيًا؟ شكرًا لك، هذا يعني أنني أتمتع ببعض الوسامة الأوروبية، يكفيني ذلك، وقولي ما شئت، تبسمت الفتاة، وقالت: أصدقك القول، لا أمزح، شكلك لا يشبه العرب، وهذا غير مطمئن، قلت: اطمئني، مهما كنت، فربما لا أراك بعد اليوم، حتى لو كنت كما تعتقدين فلن أؤذيك، لست موكلا في أمرك.

لا تشبه العرب، سمعتها كثيرًا، ربما هي حالة نفسية، ربما يدفع الجواز الإسرائيلي الذي يبدو غريبًا على العرب والأتراك، كل هؤلاء إلى الدهشة والتفاعل النفسي السلبي، الذي يدفع صاحبه ربما للتدقيق في أصغر التفاصيل، ويحاول دحض ما سمع من براهين.

أرقب نفسي وانعكاس وجهي في المرآة، هل أبدو غريبا حقا؟ أم هي الأوهام التي تصيب من حولي عند كشف جنسيتي؟ أتذكر الفتاة التركية تارة، وأتذكر جملة شاب عربي تارة أخرى، يومها قال لي عقب الحوار المطول، لكنك أبيض! قلت في نفسي، كلنا بيض البشرة، وهل العرب جميعهم سمر، ذكرته بقيادات شعبنا، أحمد ياسين، الشيخ رائد صلاح، وغيرهم، حتى محمود عباس يبدو أبيض، فلماذا أكسر أنا القاعدة؟

بعد مرور شهرين على انتقالي إلى إسطنبول، يبدو المشهد مختلفًا، استطعت خلال فترة قصيرة تأدية جزء من رسالتي، نعم، هناك عرب يحملون الجنسية الإسرائيلية، لا يعترف بهم أحد ولا يستطيعون زيارة الدول العربية، لا ترغب بهم إسرائيل، ولا يرغب بهم العرب، هم قوم يرزحون تحت الاحتلال، يعانون نتيجة سياسات القمع العنصرية، والقتل، والإرهاب، يقاومون بصمودهم، بتربية أبنائهم في منازلهم، بدحض الرواية الإسرائيلية التي تبث من خلال مناهج الدراسة، يشقى أهلنا في البيوت بعد عودتنا من مدارسنا، كي يبرهنوا لنا أن ما نتعلمه ليس صحيحًا، وأن إسرائيل ليست سوى دولة احتلال، وليس كما نتعلم منذ الصف الأوّل بأنها دولتنا، وأننا مواطنون فيها نعيش بكرامة ونتمتع بكامل الحقوق.

في إسرائيل هذه التي نسيت معظم الدول العربية أنها جاثمة على أرضنا، يعيش مليون ونصف مليون عربي، يسرقون حقهم بالحياة، مجتمع فلسطيني متكامل الأركان، تراثه، طعامه، لهجته، ونمط حياته، فلسطيني أبى أن يهجر مع المهاجرين، وأصر على البقاء وما زال، يضرب جذوره في الأرض كأشجار زيتون فلسطين ولوزها، يعاني نتيجة الاضطهاد، والهجر، ليس من إسرائيل فقط، بل من دول الجوار العربية، ووسائل الإعلام الضخمة التي لا تعترف به إلا إذا شارك في آراب آيدل، أو سوبر ستار.

لم أكن أتوقع أنني سأعثر على طريقي بهذه السهولة في إسطنبول، وصلت الآن إلى ما كنت أبحث عنه، عن الإجابة الشافية لسؤالي: ماذا سأقدّم لقضيتي، فهمت أنني أتحمل مسؤولية رسالة عظيمة سامية، رسالة التعريف بشعب لا يعرفه كثيرون، شعب واقع تحت الاحتلال تضرب من حوله الجدر، لا يسمح له بالتواصل مع محيطه العربي، هي تلك الرسالة، رسالة التواصل برغم القيود، رسالة التعريف برغم التعتيم، ورسالة المقاومة من خلف الحدود، نحن عرب، يشار لنا بالأرقام، نحن عرب 48، وذلك فصل آخر من فصول المعاناة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد