يقول المثل: تشتهي القطة السمكة، ولكنها لا تجرؤ على تبليل أرجلها. يقودنا هذا المثل إلى أن التفكير في تدريب العقل وفي الصحة العقلية يفضي حتمًا إلى مسائل تتعلق بدور التأمل في المناقشات السيكولوجية المعاصرة. والملاحظ في السنوات الأخيرة أن ممارسات التأمل على الطريقة الشرقية حظيت باهتمام متزايد في المجتمعات الغربية، سواء على المستوى المهني أو الشعبي. وسبق أن رأينا أولًا وقبل كل شيء في مجال العلاج النفسي، ثم في مجالات أوسع للتطور الشخصي والمهني كيف أمكن ملاءمة التقنيات الروحية الشرقية التقليدية مع أهداف غربية المنشأ. وأوضح لنا عالم النفس البريطاني ميشيل ويست اتساع نطاق الاهتمام، وهو الباحث الذي أكد أن ثمة رابطةً بين التأمل وقضايا أوسع نطاقًا تتعلق باللياقة والصحة والرفاهية العاطفية، وهو شكل طبيعي للعلاج والاسترخاء يدعم الصحة العقلية والتحقق الذاتي. ويستطرد ليوضح لنا المدى الواسع الذي يُمارس فيه الناس العاديون التأمل الآن في أماكن حياة يومية غير عادية.

وساد في الغرب من دون ريب سوء فهم كبير للتأمل؛ إذ كثيرا ما اعتبروه عملًا يجسد كل ما هو غامض وغريب يتعلق بالشرق. كذلك نرى في نطاق علم النفس أن ثمة ميلًا للربط بينه وبين الخبرة الصوفية، ومن ثم النظر إليه باعتباره شكلًا من أشكال الهلوسة المدفوع إليها المرء ذاتيًّا، وكذا باعتباره مهربًا من متطلبات العالم.

ولكن شهدت السنوات الأخيرة موجة طاغية من التغير في المواقف يوجزها الفيلسوف الأمريكي بول ساغال في كلمات له؛ إذ يقول: لا شيء سحري غربي في التأمل. إنه ليس أداة لممارسة قوى سرية.

إنه في نهاية المطاف ممارسة للحياة اليومية. ويؤكد نارانجو الذي أجرى أعمالًا تجريبية في هذا المجال أنه إذا كانت صوفية الغرب تتطلع إلى أعلى وإلى ما وراء الجسد والعالم المادي فإن تقنيات التأمل الشرقي أهمية كبرى للعوامل النفسية – الفسيولوجية وللخبرة اليومية مع الأصوات والصور الخيالية والحركات ووظائف البدن، ويبرز عالم جون وولوود وجهها البراجماتي اليومي؛ حيث نجد الفيلم الأجنبي (وقت فراغ ).. باحث الترفيه (The Leisure Seeker)، إنتاج باولو فيرزي – 2017.. كرحلة بانوراميه للتصالح مع الذات؛ إنها قد تؤكد أن البُعد في تجربة الحُبّ ليس مفهومًا زمنيًّا مطلقًا، ولا يخضع لقانون الطرد بعدًا وقربًا. كما إن البعد ليس مسافة، بل هو انحناء للداخل. ليس قِربة يسقط منها القلب شيئًا فشيئًا، إنما هو اجتماع من جديد على مساحة بقدم واحدة. البعد في الحب كالانتظار، إننا لا ننتظر أحدًا، نسكن في الانتظار لنقيم فيه لا أكثر. نتشابه في الاسم، ونضل في المسمّى. إن دموعنا تسقط في الحب للأعلى. الحب ليس تفاحة نيوتن.

كما في الفقرة التالية

يبرهن التأمل على طريقة عملية ومباشرة تمامًا لاكتشاف أكبر قدر من الوعي والحيوية الزاخرة في داخلنا ولتعلم أن نثق باتجاهه الطبيعي صوب الرفاه. كذلك يدربنا التأمل على الانتباه.. باعتباره جوهريًا للتغير العلاجي. ويساعدنا على غرس موقف ودي إزاء جميع ظواهر العقل. وهكذا يمكن إبدال الصراع والنضال الباطني في محاولة للتخلص من الأنماط الذهانية بما تسميه البوذية ميتري maitri، أو التصالح مع الذات. ويسمح في الوقت نفسه بأن يأخذ المرء طريقة لتحقيق أكبر قدر من الوعي حيث تبدو التشابكات الانفعالية العادية من منظور مغاير.

وهكذا قد تتلاقى هذه الرحلة مع الفيلم الأمريكي الرائع (بابا همنغواي في كوبا)، وهو أول فيلم أمريكي صور في هافانا منذ حوالي ستين عامًا. لتعلن الحكومتان الأمريكية والكوبية عن بداية ذوبان الجليد بين البلدين.

ويشير آخر إلى أن الفكر الشرقي، وبشكل أعم الفكر الصوفي، يهيئ لنا أساسًا فلسفيًا متسقًا وملائمًا لنظريات العلم المعاصر. أعني يزودنا بمفهوم عن العالم يمكن أن تبدو من خلاله الاكتشافات العلمية للإنسان في تناغم كامل مع أهدافه الروحية ومع المعتقدات الدينية.. حيث يجسد ذلك من رحلة أخرى.

وهكذا لا تزال فكرة تحقيق نوع من التلاقي بين سيكولوجيات الغرب والشرق مستمرة في حفز العمل في كل من مجالات علم النفس العملي والنظري، ولكن على الرغم من هذا نجد أن مسألة مقارنة روحانية الشرق الغربي تثير برمتها مناقشة مهمة تفضي بالبعض إلى الزعم بأن التطور الروحي لا علاقة له بالصحة العقلية، وأن النمو النفسي والنمو الروحي ليس بينهما ما هو مشترك سوى القليل جدّا. وأكثر من هذا أن فكرة أن التأمل يمكن أن يفضي إلى صحة عقلية للمرء باتت موضع شك وتساؤل بسبب الفوارق الواضحة بين التراث الشرقي والغربي فيما يتعلق بدور وقيمة الأنا؛ إذ بينما يسعى العلاج النفسي الغربي في غالب الأحيان إلى توسيع نطاق حدود وقوى الأنا فإن النهج الشرقي غالبًا ما يفضي إلى إذابتهما. علاوة على هذا فإن بحث الغرب عن معرفة نظرية تتعلق – على سبيل المثال – بطبيعة الوعي، يبدو أحيانًا في وضع حرج وصعب بالمقارنة بسعي الشرق لمعرفة النفس كهدف روحي؛ ذلك لأن العلم بحكم طبيعته ذاتها لا يمكنه أن يقدم دليلًا نسترشد به فيما يتعلق بمسائل عن المعنى والقيمة.

ومن هذا المنطلق، ثمة أمارات تشير إلى تزايد الرغبة والإرادة من أجل الاعتراف بالاختلافات واحترامها، والتي تظهر من خلال تباين الخلفية الثقافية والنظرة العامة عن كل من الشرق والغرب. ومثلما أصبح علم النفس ذاته أكثر إدراكا للمشكلات المعرفية التي تنسج نهجها من خلال خطابه الخاص، كذلك الحال بالنسبة إلى أولئك الباحثين عن الاعتراف بالطبيعة المثيرة للجدل لمهمتهم. علاوة على هذا فإن المواجهة بين لغات علم النفس الغربي وروحانية الشرق يمكن أن تسهم أيضًا في تآكل التصنيفات الفئوية وفي توسيع نطاق الإحساس، الأمر الذي يمكن أن يفضي إلى تحول في مبحث علم النفس ذاته.

والملاحظ أن الصعوبات التي تواجهها عندما نستخدم في هذا السياق مصطلحات بينها اختلاف جوهري، من مثل روحاني ودين، وعلاج نفسي، سوف ترغمنا على إعادة تقييم هذه المصطلحات، ومن ثم إعادة تقييم جديد للغات التي تجسدها. وهنا يُمكن أن نشير إلى إن دعامة الدخول إلى فضاءات النفس الداخلية هي التحرر من الكبت بمساعدة مفاهيم عقائدية فكرية ترسم الخريطة المتغيرة لجوهر المنطق والأبجدية البابلية العقائدية – العلمية، التي كانت تعتمد على اللغة السومرية! ومن ذلك ما يلي:

لا أحد يعرف حتى اللحظة، ما يهمنا الآن: كيف نبرمج وعينا الباطني لنصل إلى مرحلة فهم وإدراك.. واستيعاب العالم النفسي الباطني! علينا أن نبدأ برسم خريطة افتراضية للدراما الباطنية، نفهم منها أنك أنت عبارة عن شاب وطفل وشيخ وحيوان وامرأة كبيرة وامرأة شابة تمتلك سيارة وتمتلك دراجة هوائية ولديك مرشد روحي بهيئة نبي أو ولي صالح، أو حتى لو افترضته جبرائيل (كما كان لمحمد) أو شمش (كما كان لجلجامش)… إلخ…بمعنى أنك سترسم عالمًا داخليًا متكاملًا تكون أنت فيه الممثل لكل الأدوار المطلوبة. نحتاج إلى سنين كي نروض لنا عالمًا داخليًا خاصًا، لم يكن السومريون ومن بعدهم ورثتهم البابليون يعانون من جراء ذلك؛ لأن لغتهم وصلتها الحميمة بالمفاهيم الفلسفية والوجودية كانت بحد ذاتها برمجة للوعي الباطني ولغة (جمعية درامية موحدة) لم يصلنا منها شيء إلا القليل متمثلًا في تفسير الأحلام!

للتأمل

«مقدارُ كُلَّ امرئٍ حدیثُ قلبِه». * النفّري. المواقف والمُخاطبات (377). «والشمعة واقفة وتسيل مدامعها». * حافظ الشيرازي. من أقوال مولانا جلال الدين الرومي: «إن الأشياء الخفية تجعلها أضدادها مرئية». «أنا أشبه أنا.. واحِدُنا يُشبِهُ الآخر».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد